صحيفة الثوري – كتابات
د. عبد العزيز علوان
في البداية، كادت الحيرة أن تصيبني بشيء من الإحباط، وأنا أحثّ الخطى إليه للسباحة في آفاق ذاكرته وذكرياته. وكان مرافقي في هذه الرحلة الطيبة الإنسانية الدكتور صلاح سالم.
وجدتها فرصة تمهيدية لهذه السباحة أن أبدأ بالسؤال عن الحالة الصحية التي وصل إليها سلطان الصرفة؛ عن السكر والقلب وصعوبة المشي والأعراض المصاحبة لها، بعد أخذ الجرعة الاستشارية اللازمة.
وجدتها فرصة مناسبة لجعل سلطان الصرفة يبحث في ذاكرته عن ذكرياته، فإذا به يروي، دون مقاطعة إلا على سبيل الاستيضاح:
حين أعود بذاكرتي إلى الوراء، بعد هذه السنوات الطويلة من العمر، التي تنقّلت فيها بين مواقع عسكرية ومدن وقرى كثيرة؛ عدن، وردفان، والغيضة، وحريضة، ودوعان، والوازعية، وصنعاء، وغيرها؛ أجد أن كل محطة تركت في الذاكرة أثرًا، وكل طريق حمل معه وجهًا أو موقفًا أو حكاية.
من مواليد 1952م في قرية المكراب، بني مسن، في الشمايتين بمحافظة تعز. وكانت بدايتي الأولى مع القرآن الكريم في معلامة الفقيه
محمد عبد الله رضوان القدسيي، في الصنعه اصابح ولدى حفصة أحمد عبدالجبار أبو ألاسرار
في قرية الحفر. رحمهم الله اجمعين.
وفي سن مبكرة انتقلت إلى مدينة تعز مع والدي، وهناك درست المرحلة الابتدائية حتى الصف الثالث.
بعد ذلك عدت إلى القرية، ودرست الصف الرابع في مدرسة الوحدة، جوار مستشفى التربة القديم، ثم واصلت الصفين الخامس والسادس والنصف الأول من الصف الأول الإعدادي في مدرسة الفجر الجديد بالتربة. كنت أقطع المسافة بين القرية والمدرسة، نحو ثمانية كيلومترات ذهابًا وإيابًا، مشيًا على الأقدام.
لم أُكمل الصف الأول الإعدادي؛ فقد انتقلت إلى مساعدة والدي، الذي كان يمتلك سيارة نقل كبيرة لنقل مواد الإسمنت إلى مصنع الإسمنت.
عدت بعد ذلك إلى القرية، وتزوجت مبكرًا، وواصلت العمل مع والدي.
ولأن الحياة لا تتوقف عند محطة واحدة، انتقلت إلى صنعاء، وهناك التحقت بقوات المظلات، وعملت مرافقًا وسائقًا مع أركان قوات المظلات، عبد الولي عبد الرحمن السقاف.
وبعد خروج قوات المظلات من صنعاء، سلكنا طرقًا مختلفة للوصول إلى عدن؛ بعضها عبر التربة والأحكوم، وبعضها عبر مأرب وحريب. وتم ضمّنا إلى لواء الوحدة. وبعد ذلك انتقلنا إلى ردفان، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة من حياتي العسكرية.
وفي عام 1986م، لم أكن حينها في عدن، لكن قوات اللواء استُدرجت، وطُلب من أفرادها الخروج في مبادرات جماهيرية بالزي المدني، فإذا بهم يتعرضون للحصار، وسقط عدد كبير من أفراد اللواء، فيما جرى إنقاذ اللواء بواسطة قوات الدروع.
بعد ذلك استقر اللواء في حامية المكلا، الفيضة.
وفي المجال الحزبي، انضممت إلى فصائل المقاومين الثوريين ـ فرع الشمال ـ عام 1977م، وكان الرفيق ناجي الأزلم هو من استقطبني إلى هذه الفصائل. وقد توحّدت هذه الفصائل في المؤتمر التوحيدي للحزب الاشتراكي اليمني، وحضر المؤتمر الرفيق طاهر صالح الرداح، إلى جانب آخرين.
ثم التحقت بقوات الشعب، التي كان مقرها في مدينة التواهي، وكانت تابعة لفصائل حزب الوحدة الشعبية.
ومن هناك انتقلت إلى الوازعية والبوكرة، وظللت هناك حتى عام 1980م.
عدت بعدها مع بعض الرفاق إلى عدن، ومنها إلى صنعاء، ثم عدت إلى عدن مرة أخرى.
كانت حياتنا آنذاك سلسلة من التنقلات، وكل انتقال كان يحمل معه مرحلة جديدة من العمل والرفاق والذكريات.
وبعد الوحدة اليمنية، وُزعت على قوى المنظمات الجماهيرية، وبقيت أعمل في منظمة صنعاء نائبًا للمسؤول الأمني علي محمد نعمان المقطري. ثم أُوكلت إليّ مهمة ضابط حراسة ومسؤول اتصال، وصُرفت لي سيارة مع ثلاثة مرافقين، بموجب تصريح رسمي من وزارة الداخلية.
كانت مهمتي مرافقة بعض القيادات الحزبية وتأمين القطاع النسائي من المضايقات. وكانت مسؤولية تحتاج إلى الحضور والانتباه، وإلى أن أكون قريبًا من الأشخاص الذين أُكلّف بمرافقتهم وتأمينهم.
ثم جاءت اللحظة الأصعب، حين قُصفت اللجنة المركزية. بقيت داخلها أقاوم إلى جانب الرفيقين أمين المساح وعلي محمد نعمان المقطري، وكنت من آخر من خرج منها، برفقتهما، بعد أن أخذنا الوثائق المهمة.
بعد ذلك وضعت السيارة التي كانت معي لدى أحد الأشخاص المعروفين لديّ، كما وضعت لديه بعض الوثائق التي طُلب مني التخلص منها. لكن السيارات لم تسلم؛ صودرت إحداها من قبل الأمن السياسي في صنعاء، والثانية في مدينة إب، والثالثة في تعز.
وفي تعز اعتُقلت لمدة أسبوع عام 1994م. وأُخذت سيارتي من الشارع، ثم أُعيدت إليّ في حالة غير صالحة للاستخدام، بعد دفع مبلغ مالي.
ومنذ ذلك الوقت، ظل وضعي العسكري، برتبة ملازم، حبيس الملفات. كان هناك أمل في ترتيب وضعي لدى وزارة الداخلية برتبة رائد، وأُعلن عن ذلك، لكن الأمر توقف منذ الإعلان عنه.
ومع ذلك، لم ولن أتخلّى عن المبادئ التي تربيت عليها وآمنت بها. عُرضت عليّ مغريات من جهات سياسية أخرى لاستقطابي، لكنني رفضتها. بقيت متمسكًا بما اخترته في حياتي، مهما كانت النتائج.
توقفت عند هذا الغيض ذكريات سلطان الصرفة، لنجد أنفسنا وجهًا لوجه، ننظر إلى ما آل إليه وضع الآلاف ممن تم تسريحهم، وهم يعيشون وضعًا من اللايقين، أو بالأحرى من عدم ترتيب أوضاعهم العسكرية والأمنية والمدنية.
وحاليًا، يعيش سلطان الصرفة، شأنه شأن كثير من المسرّحين من وظائفهم، وضعًا لا يزال عالقًا بين الماضي والحاضر؛ فلا هو عسكري أُعيد ترتيب وضعه، ولا هو تابع لوزارة الداخلية، ولا أُغلقت صفحة سنوات خدمته بما يمنحه وضعًا وظيفيًا واضحًا ومستقرًا.
لكن ما بقي له من هذه الذاكرة، التي عاشها في امتداد سنوات عمره المديد، هو مشاركة رفاقه الذين سلكوا ذات الطريق، والمواقف التي لا تزال حاضرة كلما فتحنا نافذة لنشرف من خلالها عليها.
لأن هذه الذاكرة هي آخر ما لا تستطيع الملفات أن تصادره.
أكتوبر 2026م


