آخر الأخبار

spot_img

رحلة استكشافية في ذاكرة التعليم… المَعْلامة في بعض قرى عزلة الأصابح والقرى المجاورة (1)

صحيفة الثوري – دراسات 

د. عبد العزيز علوان

مقدمة

لستُ هنا بصدد تقديم ورقة بحثية عن هذا المسكوت عنه في مسيرة التعليم في الريف اليمني، وتحديدًا في بعض قرى منطقة الشمايتين، قبل انتشار التعليم النظامي؛ وإنما أقدّم هذه المحاولة المتواضعة بوصفها رحلة استكشافية إلى ذاكرة تعليمية منسيّة، تسعى إلى استعادة أسماء بعض الذين أسهموا في وضع اللبنات الأولى للتعليم، واستثارة ما تختزنه الذاكرة المجتمعية من شواهد وحكايات وسِيَر عن عطائهم وأثرهم.

كان التعليم الأولي، الذي يُطلق عليه التعليم عند الفقيه في المَعْلامة، أو التعليم لدى الكُتّاب في مناطق أخرى، بمثابة البذرة المعرفية التي تأسس عليها البناء المعرفي بتفرعاته الدينية والإنسانية والعلمية والهندسية وغيرها.

(فقد مثّلت المَعْلامة الملاذ التعليمي الأول لتعلّم أساسيات القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وتقسيم الفرائض، فضلًا عن دورها في تشكيل الوعي الديني واللغوي والمعرفي للأجيال التي تتلمذت على أيدي فقهائها.)

ولم يقتصر هذا التعليم على البنين، بل دفعت بعض الأسر ببناتها إلى المَعْلامة، حيث كان تعليم النشء مختلطًا في بعض القرى. وكانت الفتيات، في الغالب، يكتفين بحفظ أجزاء من القرآن الكريم، أو ختمه في أحسن الأحوال، بينما واصل بعض الفتيان تعليمهم النظامي في مدارس عدن أو تعز أو صنعاء أو الحديدة، وتابع آخرون دراستهم في البلدان التي هاجروا إليها.

وقد أتاح لهم ما تلقّوه في المَعْلامات من معارف أولية الالتحاق أحيانًا بالصف الثاني أو الثالث مباشرةً في التعليم النظامي.

ومن هنا يبرز سؤال هذه الرحلة: لماذا تُغفل بعض كتب السِّيَر الذاتية والتراجم أسماء فقهاء المَعْلامات الذين غرسوا البذور المعرفية الأولى في عقول الأجيال، ومهّدوا لهم الطريق نحو مجالات إنسانية وثقافية وتربوية وعلمية وأدبية وسياسية واقتصادية شتى؟

وكيف غابت أسماء هؤلاء عن المدونات المكتوبة، رغم حضورهم في الذاكرة المجتمعية التي تناقلتها الأجيال وحفظت لهم بعض ملامح عطائهم وأثرهم؟

ما تزال شواهد هذا الأثر حاضرة في ذاكرة بعض من تتلمذوا على أيدي هؤلاء الفقهاء، ممن يلهجون بالخير والدعاء لهم، تقديرًا لمن علّموهم القراءة والكتابة، وأرسوا في وعيهم أسس المعرفة التي انطلقوا منها إلى مراتب علمية ومهنية واجتماعية، وتقلّد بعضهم مناصب قيادية عليا.

ولا يدّعي هذا الجهد المتواضع الإحاطة بتاريخ هؤلاء الفقهاء أو تقديم سير موثقة ومتكاملة عنهم، وإنما يسعى إلى وضع إشارات أولية على طريق استكشاف هذه الذاكرة، والتعريف ببعض الذين كانت تشدّ إليهم الرحال من قرية إلى أخرى، لما عُرف عنهم من مكانة علمية وتربوية. وسأورد ما تيسّر جمعه من معلومات عنهم، استنادًا إلى الروايات المتناقلة وإفادات من أسهموا في تلبية طلبي، مع ترتيبها وفقًا للمعلومات المتاحة.

إنها محاولة لفتح نافذة على جانب من تاريخ التعليم في الريف اليمني، واستعادة حضور رجال ونساء ربما غابت أسماؤهم عن كتب التراجم، لكن آثارهم بقيت حاضرة في ذاكرة تلاميذهم وفي حياة مجتمعاتهم. ولعلّ إثارة هذا الموضوع تكون بدايةً لالتفاتة توثيقية تنصف هؤلاء الرواد، وتستعيد أسماءهم وسِيَرهم قبل أن تتلاشى الشواهد وتطويها الأيام.

أولًا: المَعْلامة: مكوّناتها وطرائق التعليم ومراحله ونظامها

كانت المَعْلامة رافدًا من روافد العلم والتعلّم، أسهمت في تربية النشء وتعليمهم من خلال تقليد تعليمي توارثته الأجيال، قوامه تحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة، وما يرتبط بها من معارف أولية.

1. مكوّنات المَعْلامة
.
أ. المكان

كانت المَعْلامة تُقام في غرفة صغيرة مستقلة تُسمّى «ديمة»، أو في ملحق بالمسجد يُعرف باسم «مقصورة»، وقد تكون في غرفة داخل البيت نفسه.

ب. الفقيه

يمثّل الفقيه الركيزة البشرية الأساسية في هذه المرحلة التعليمية؛ إذ يتولى بمفرده تعليم التلاميذ والإشراف عليهم، مقابل أجر زهيد، في ظل إمكانات محدودة ووسائل تعليمية بسيطة.
ولم تقتصر مكانته على دوره التعليمي، بل كان شخصية اعتبارية تحظى بمكانة اجتماعية متميزة، لما يؤديه من دور ديني وتربوي، وما يضطلع به من مسؤولية في تنشئة الأجيال. وقد امتد تقديره واحترامه إلى محيط القرية، بوصفه معلمًا ومربيًا ومرجعًا في شؤون الدين والتعليم.

ج. اللوح

قطعة خشبية مستطيلة يُكتب عليها ما يُراد حفظه من الآيات القرآنية، وتُمحى الكتابة عنها باستخدام مادة طبيعية بيضاء تُسمّى «القَطاط».

د. القلم

قلم يُصنع من شجر الحَرْع، ويُبرى بتقنية متقنة تُمكّن الفقيه من الكتابة على اللوح.

هـ. الدواة

وعاء يحتوي على مادة سائلة سوداء تُصنع من السُّخام وبعض المواد الطبيعية، وتُستخدم للكتابة على اللوح.

2. طرائق التدريس

اعتمدت المَعْلامات طرائق تقليدية في التعليم، من أشهرها القاعدة البغدادية، التي اتبعتها كثير من المَعْلامات، وبدأ التعليم فيها بطريقة التهجّي، وفق ما تتضمنه هذه الطريقة من أسس لتعلّم القراءة. ويمكن الرجوع في هذا السياق إلى المصادر التي تناولت هذه الطريقة.

وكان التعليم في المَعْلامة يسير وفق نظام تراتبي؛ إذ يتولى التلميذ الأكثر حفظًا لآيات القرآن الكريم تعليم من يليه في مستوى الحفظ، تحت إشراف الفقيه الذي يتابع التلاميذ جميعًا، ويوجّه المتقدمين منهم في الحفظ والتعليم.

وقد أتاح هذا النظام، في حدود إمكاناته، استمرار العملية التعليمية رغم اعتمادها على فقيه واحد ومحدودية الوسائل المتاحة.

3. مراحل التعليم في المَعْلامة

مرّ التعليم في المَعْلامة بثلاث مراحل رئيسة، ارتبطت كل مرحلة منها بمستوى التلميذ في حفظ القرآن الكريم، وكانت تُتوّج بمظاهر احتفالية تعبيرًا عن الإنجاز والتشجيع.

المرحلة الأولى: من سورة الفاتحة إلى سورة النبأ

تبدأ هذه المرحلة بحفظ سورة الفاتحة، ثم متابعة الحفظ حتى سورة النبأ.

وعند إتمام التلميذ هذا المقدار، يُزيَّن لوحه، وتُقام له حفلة مصغّرة احتفاءً بإنجازه وتشجيعًا له على مواصلة التعلّم.

المرحلة الثانية: حفظ الأجزاء الخمسة الأولى

ينتقل التلميذ إلى مرحلة أوسع من الحفظ، تبدأ من سورة الفاتحة وتمتد إلى سورة الأحقاف، وفق الترتيب الوارد في الرواية المحلية لهذه المراحل.

وعند إتمامها، يُزيَّن اللوح وتُقام حفلة أكبر من حفلة المرحلة الأولى، تقديرًا لما أنجزه التلميذ من حفظ.

المرحلة الثالثة: ختم القرآن الكريم

تمثّل هذه المرحلة ذروة الإنجاز التعليمي في المَعْلامة، وتُتوّج باحتفال خاص بختم القرآن الكريم.
ويُزيَّن اللوح بزخارف تتضمن سورة الفاتحة والصفحة الأولى من سورة البقرة، وتُحضَر بغلة مخصّصة للاحتفال. ثم يُزفّ التلميذ الذي أتمّ ختم القرآن من المَعْلامة إلى منزله، بمشاركة زملائه والفقيه، وهم يردّدون الأناشيد.

وفي المنزل، تُقام وليمة متواضعة تُوزَّع فيها التمور والحلوى، ويُكرَّم الفقيه بما تيسّر من النقود، تقديرًا لجهده في تعليم التلميذ ومرافقته حتى إتمام حفظ القرآن الكريم.

4. نظام المَعْلامة والانضباط

كان نظام المَعْلامة يقوم على الانضباط والالتزام بالحضور، ويُعرَّض التلميذ الذي يتغيّب عن الدراسة دون عذر لجزاء صارم، بما يعكس أهمية التعليم ومكانته في حياة المجتمع آنذاك. وكان الالتزام بالتوجيهات والتدرج في الحفظ من السمات الأساسية لهذا النظام التعليمي.

وقد ارتبط هذا الانضباط بمكانة الفقيه وسلطته التربوية، إذ كان يتولى متابعة التلاميذ وتقويم سلوكهم، إلى جانب تعليمهم. وبذلك لم تكن وظيفته مقتصرة على تحفيظ القرآن الكريم، بل امتدت إلى غرس قيم الالتزام واحترام المعلم والمحافظة على آداب التعلّم.

وهكذا، لم تكن المَعْلامة مجرد مكان لتحفيظ القرآن الكريم، بل كانت مؤسسة تعليمية واجتماعية ذات تقاليد راسخة، جمعت بين التعليم والتربية والانضباط والاحتفاء بالإنجاز. كما مثّل الفقيه محورها البشري، بما يحظى به من مكانة دينية وتربوية واجتماعية، وأسهمت هذه المؤسسة في بناء الأسس المعرفية الأولى لأجيال من أبناء الريف اليمني، قبل انتشار التعليم النظامي.


يتبع…

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img