«صحيفة الثوري» – (ثقافة وفنون):
د. عبد العزيز علوان
مدخل عام للنشيد الوطني:
النشيد الوطني يُعبّر عن الهوية الوطنية كانتماء فطري، وهو في الوقت ذاته هوية مكتسبة، يكتسبها الإنسان في كل مراحل نموه، ويتصاعد هذا الانتماء في كل المراحل الدراسية.
وتعمل البيئة المحيطة على توجيه هذا الانتماء والمحافظة على مساره الوطني، وحمايته من الانحراف إلى مزالق الهويات المتناحرة أو القاتلة، كما يقول أمين معلوف.
العلم الوطني، والنشيد الوطني، والزي العسكري، والسيادة، والعملة النقدية الوطنية… هي الأسس الرئيسة التي تُبنى عليها الأوطان، وتُحدّد وجهتها وتوجهاتها وعلاقاتها مع الإقليم والمحيط.
وتصنّف الموسوعة البريطانية الأناشيد الوطنية إلى ثلاثة تصنيفات أساسية:
1. أناشيد تدعو للحاكم بالسلامة.
2. أناشيد تشير إلى المعارك التي خاضتها الأمة.
3. أناشيد تُعبّر عن المشاعر الوطنية.
وبحسب هذا التصنيف، فإن التغني بعظمة الشعب، وكبرياء نضاله، وتمجيد بطولاته، وترسيخ معتقداته، والتمسك القويم بحماية السيادة الوطنية للدولة، هي من أهم ملامح النشيد الوطني. ولذا، تغيب العاطفة وقيم التسامح من عبارات النشيد الوطني، بل نجد بعض الأناشيد تتمسّك بخيارات القتال دفاعًا عن الوطن وسيادته، كما نجدها ترفض المساواة مع الآخر أو الوصاية عليه.
مقدمة: النشيد الوطني اليمني (رددي أيتها الدنيا نشيدي)
النشيد الوطني اليمني لدولة الوحدة، والذي كان نشيدًا وطنيًا لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة، يتفرّد عن غيره من الأناشيد الوطنية العربية، إذ ينطلق من الأسس الحضارية والدينية لليمن أرضًا وإنسانًا. وهو يستحث الدنيا ويصدح معها بالقول: «رددي أيتها الدنيا نشيدي».
هذه العبارة جعلت من الذات الفردية ذاتًا جمعية، تنطق باسم الجماهير التي تضم جميع الأفراد دونما تمايز، إذ إن التمازج بينهما تام.
المنطلقات الأساسية للنشيد الوطني اليمني:
1. الفرحة في تذكّر الشهداء:
الدنيا التي تردد نشيد الجماهير اليمنية في مشارق اليمن ومغاربها، شمالها وجنوبها، وتصدح به كل ذرات رمالها وجبالها، هي نفسها التي تذكر، في أثناء فرحتها الوطنية، كل الشهداء عبر التاريخ اليمني، وتُكسيهم حُلَلًا من ضوء هذه الأعياد المتمازجة حدّ التجانس، بعبارة:
«رددي أيتها الدنيا نشيدي
ردّديه وأعيدي وأعيدي
واذكُري في فرحتي كلّ شهيد
وامنحيه حُلَلًا من ضوءِ عِيدي»
2. الوحدة اليمنية:
ينبثق هذا المنطلق من الأسس الراسخة في بناء الوحدة اليمنية عبر التاريخ، قديمه وحديثه. هذه الوحدة التي أصبحت نشيدًا يملأ النفس اليمنية بالروعة والجمال، وصارت عهدًا عالقًا في كل ذمة يمنية حيثما وُجدت.
«وحدتي.. وحدتي
يا نشيدًا رائعًا يملأ نفسي
أنتِ عهدٌ عالقٌ في كل ذمّة»
3. الراية:
الراية عنوان العنفوان، والإباء، والشموخ، وقائدة الانتصارات الشعبية. نسجت ووُحيت من كل شمس: شمس الحرية، وشمس العلم والمعرفة، وشمس الحماسة في خضم النضال، وشمس الرفعة والشموخ، وشمس الثقافة والفكر والأدب. وبهذا النسيج، ستظل خافقة في كل قمة يمنية، طبيعية أو معرفية.
«رايتي.. رايتي
يا نسيجًا حكْتُهُ من كل شمس
اخلدي خافقةً في كل قِمّة»
4. الأمة:
الأمة هي مصدر البأس الشديد، والرأي الأشد، في معتركات الحياة: النضالية، والاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، والتربوية، والتعليمية. وهي مخزون هذا العطاء الوطني كله.
«أمّتي.. أمّتي
امنحيني البأس يا مصدر بأس
واذخريني لكِ يا أكرم أمة»
5. الإنسانية:
باعتبار الإنسانية حاملة الحياة والتعايش السلمي بين الشعوب، فلا بد أن يبدأ النشيد بالتغني بها. ولهذا التغني أسسه الشمولية في الإسلام، ويأتي المسار الثاني لهذا المنطلق أمميًا عربيًا في اللغة والتاريخ والدماء، ثم تأتي الخصوصية اليمنية، مجددة في نبضات القلب، متدفقة في المسار العربي وصولًا إلى الإنساني الأممي.
«عشتِ إيماني وحبي أمميّا
ومسيري فوق دربي عربيّا
وسيبقى نبضُ قلبي يمنيّا»
6. السيادة:
السيادة التي حدّدتها المواثيق الدولية، بكل حدودها البحرية والجوية والبرية، تعني الحفاظ على سلامة أراضي الوطن، وعدم السماح لأيٍّ كان أن ينتقص من هذه السيادة أو أن يكون وصيًا عليها. لذا نجد النشيد يؤكد بملء صوته: «لن ترى الدنيا على أرضي وصيّا».
*لمحات من الجميل والأجمل في النشيد الوطني اليمني:*
الجميل في النشيد الوطني اليمني:
أنه تحقّق وجدانيًا في ذات الشاعر عبدالله عبدالوهاب نعمان (الفضول) قبل أن يتحقق واقعيًا في 22 مايو 1990، كما يشير إلى ذلك د. سلطان الصريمي في محاضرة صوتية.
وإننا حين نردده، نضع على قلوبنا جذوة من جمرة راحة الكف اليمنية، كتقليدٍ صار واجبًا.
الأجمل في النشيد الوطني اليمني:
هو تلك الروح الوثّابة، المنطلقة إلى الأعلى، حين نردده في احتفالاتنا الرسمية، وفي بداية ألعابنا الرياضية، المحلية منها والإقليمية والدولية، وفي بدايات أيامنا الدراسية، وغيرها من المناسبات.
وبين الجميل والأجمل:
نجد أشياء يندى لها جبين النشيد، حين نراه مُغيّبًا في كثير من المحافل اليمنية، أو نجده يشدو بصوت طائر سجين، هنا أو هناك.
خاتمة:
النشيد الوطني لأي دولة، بكل تصنيفاته الثلاثة:
تلك التي تدعو للحاكم بالسلامة وطول العمر، أو التي تشيد بالمعارك التي خاضها الشعب وتدعو للاحتفاظ بسيرورة المقاومة، أو التي تمجد المشاعر الوطنية، تبقى بعيدة بعد الخافقين عن الصوت والصدى، ما لم تحقق للوطن سيادته، وأمنه واستقراره، وللمواطن رخاءه الاقتصادي، ومقوماته الصحية والتربوية والتعليمية والفكرية… تحت راية هذا النشيد الخفّاقة في كل الأرجاء.


