صحيفة الثوري – (قراءة وتحليلات)
رئيس التحرير/ سام أبواصبع
قراءة في سلافوي جيجك والربيع العربي.. ومن «الأحلام الخطيرة» إلى «الثامن عشر من برومير»: لماذا استطاعت الجماهير كسر النظام القديم وتعثر بعضها في بناء الجديد؟
حين خرجت الجماهير إلى الشوارع العربية في مطلع عام 2011، بدا للحظة أن التاريخ الذي قيل إنه انتهى قد عاد فجأة إلى الحركة. من سيدي بوزيد إلى ميدان التحرير، ومن صنعاء وتعز وعدن إلى بنغازي ودمشق، تحولت ساحات المدن إلى فضاءات سياسية مفتوحة، وسقط ذلك اليقين القديم بأن الأنظمة العربية قادرة على البقاء إلى ما لا نهاية، أو أن شعوب المنطقة فقدت قدرتها على الفعل والتغيير.
كان 2011 عامًا استثنائيًا بالنسبة إلى الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك، إلى درجة أنه اختار لكتابه الذي صدر في العام التالي عنوانًا يجمع بين الأمل والتحذير: «عام الأحلام الخطيرة» (The Year of Dreaming Dangerously).
لم يكن جيجك يكتب تاريخًا تفصيليًا للربيع العربي، ولا دراسة متخصصة عن الشرق الأوسط. كان يحاول قراءة شيء أكبر: لماذا انفجرت في عام واحد احتجاجات وثورات واضطرابات من القاهرة وتونس إلى أثينا ولندن ونيويورك؟ وما الذي كشفته تلك الانفجارات عن النظام العالمي الذي بدا، قبل سنوات قليلة فقط، واثقًا من نفسه ومن انتصار نموذجه السياسي والاقتصادي؟
لهذا وضع جيجك الربيع العربي إلى جوار حركة «احتلوا وول ستريت» والاحتجاجات الأوروبية والأزمة الاقتصادية العالمية. لم تكن تلك الأحداث بالنسبة إليه متطابقة، ولم تكن تحمل المشروع السياسي نفسه، لكنها كانت تشترك في شيء جوهري: السائد لم يعد قادرًا على إقناع المحكومين بأنه الأفق الوحيد الممكن.
وبعد نحو خمسة عشر عامًا على تلك اللحظة، تبدو قراءة الكتاب أكثر قسوة مما كانت عليه عند صدوره.
ففي 2012 كان السؤال: إلى أين ستذهب الثورات؟
أما اليوم، وبعد الحروب والثورات المضادة والانقسامات وعودة السلطويات وانهيار مؤسسات دول عربية، فقد أصبح السؤال: لماذا استطاعت الجماهير فتح أبواب التاريخ، بينما عجزت في حالات كثيرة عن تحديد القوة التي ستدخل منها؟
هنا تحديدًا يصبح جيجك أكثر راهنية.
2011.. عندما اكتشف الناس أنهم قادرون
كان أحد أهم إنجازات الربيع العربي أنه حطم فكرة سياسية ترسخت طوال عقود: أن تغيير الأنظمة العربية من الداخل مستحيل.
لم يكن الاستبداد قائمًا على أجهزة الأمن والجيش والسجون وحدها، وإنما على شيء أعمق: اقتناع الفرد بأن الآخرين لن يتحركوا، وأن اعتراضه الفردي لن يغير شيئًا.
ثم وقع الحدث التونسي.
وانتقلت العدوى السياسية بسرعة مذهلة.
فجأة اكتشف ملايين العرب أنهم ليسوا أفرادًا معزولين أمام السلطة. وما كان يبدو مستحيلًا قبل أسابيع أصبح يحدث أمام الشاشات: رئيس يغادر، وملايين تحتشد، وساحات تنتزع السياسة من القصور والأجهزة وتعيدها إلى المجتمع.
وهذا هو أحد المعاني العميقة للحظة الثورية عند جيجك: الحدث يغير حدود الممكن.
فالسلطة لا تفقد سيطرتها فقط عندما تهزم ماديًا؛ تفقد جزءًا كبيرًا منها عندما يتوقف المجتمع عن الاعتقاد بأنها غير قابلة للهزيمة.
لهذا كان ميدان التحرير حدثًا عالميًا، وليس مصريًا فقط. وكذلك كانت ساحات التغيير والحرية في اليمن. لقد ظهر الإنسان الذي ظل سنوات موضوعًا للسياسة باعتباره فاعلًا فيها.
لكن هنا يبدأ السؤال الأصعب.
ماذا يحدث في اليوم التالي؟
الثورة في المخيال الرومانسي صورة مكتملة: جماهير، أعلام، هتافات، سقوط الحاكم، ثم انتصار.
لكن التاريخ الحقيقي يبدأ غالبًا بعد انتهاء الصورة.
ماذا تفعل صباح اليوم التالي؟
كيف تنتقل من رفض النظام القديم إلى إنتاج نظام جديد؟
من يمتلك الدولة؟ ومن يدير الجيش؟ ومن يضع الدستور؟ ومن يسيطر على الموارد؟ وكيف تتحول طاقة الشارع إلى مؤسسات؟ وكيف تمنع القوى القديمة من إعادة تنظيم نفسها؟ وكيف تحول التحالف الذي اجتمع على إسقاط الحاكم إلى عقد سياسي قادر على إدارة الخلاف بعد رحيله؟
هذه المسافة بين الاحتجاج والحكم هي واحدة من أهم المسائل التي تتيح أفكار جيجك التفكير فيها.
فالحركة الاحتجاجية تعرف عادة ما ترفضه بصورة أوضح مما تعرف شكل البديل الذي ستقيمه.
يمكن لملايين البشر أن يتفقوا على شعار:
الشعب يريد إسقاط النظام.
لكن السؤال الذي ينتظرهم بعد ذلك أكثر تعقيدًا:
أي نظام يريد الشعب؟
عند هذه النقطة تنتهي وحدة الميدان وتبدأ السياسة.
الميدان يستطيع إسقاط سلطة.. لكنه لا يستطيع أن يكون دولة
هنا يمكن استخلاص أحد أهم دروس التجربة العربية.
هناك فرق بين القوة السلبية للثورة، أي قدرتها على رفض القائم، وبين قدرتها الإيجابية على البناء.
- الأولى تجيب عن سؤال: ماذا نرفض؟
- أما الثانية فعليها الإجابة عن سؤال أصعب: ماذا نبني مكانه؟
الثورات تستطيع في لحظة تاريخية معينة شل النظام وإسقاط رأس السلطة. لكنها تحتاج بعد ذلك إلى أحزاب وتنظيم اجتماعي ومؤسسات وبرامج اقتصادية وتحالفات سياسية وقواعد دستورية، وإلى تصور للدولة التي تريد بناءها.
وهنا اصطدم الربيع العربي بإحدى مفارقاته الكبرى.
فالأنظمة التي ثارت عليها الشعوب أمضت عقودًا في تجفيف المجال السياسي نفسه: إضعاف الأحزاب، وتفكيك النقابات، وإفساد المؤسسات، وإفراغ الانتخابات من معناها، وإلحاق المجتمع المدني بالسلطة أو محاصرته.
وعندما ضعفت تلك الأنظمة، اكتشفت بعض المجتمعات أنها ورثت منها دولة هشة ومعارضة مشتتة في الوقت ذاته.
كانت تلك واحدة من مفارقات 2011 القاسية:
الاستبداد الذي صنع أسباب الثورة كان قد أضعف مسبقًا الأدوات التي تحتاجها الثورة لبناء ما بعد الاستبداد.
الخطر داخل الانتصار
لم ينظر جيجك إلى الثورات العربية بعداء. على العكس، وجد فيها إمكانية تحررية حقيقية وكسرًا لأوهام الاستقرار الأبدي.
لكن الحماسة للحدث شيء، والاعتقاد بأن الحدث قادر وحده على إنتاج المستقبل شيء آخر.
يمكن للثورة أن تفتح المجال السياسي ثم تستولي على نتائجها قوة أكثر تنظيمًا من القوى التي أطلقتها.
وهنا يظهر سؤال بالغ الأهمية:
من يستطيع تنظيم اليوم التالي للثورة؟
في السياسة، لا تذهب السلطة دائمًا إلى الذين بدأوا الحدث أو قدموا أكبر التضحيات. كثيرًا ما تذهب إلى من يمتلك التنظيم والمال والسلاح والمؤسسات وشبكات المصالح والقدرة على ملء الفراغ.
لهذا شهدت المنطقة مفارقة مؤلمة: ملايين الشباب الذين صنعوا لحظة الاحتجاج لم يتحولوا بالضرورة إلى القوة السياسية التي حكمت المرحلة التالية.
لقد امتلكوا قوة الشارع.
لكن قوى أخرى كانت تمتلك تنظيمًا أكثر رسوخًا، أو مؤسسات أقدم، أو سلاحًا أكبر.
مصر.. هل سقط النظام عندما سقط مبارك؟
كانت مصر النموذج الأكثر إثارة في العالم.
خلال ثمانية عشر يومًا بدا أن مجتمعًا كاملًا استعاد السياسة. تحول ميدان التحرير إلى صورة عالمية لإمكان تجاوز الانقسامات الاجتماعية والدينية والسياسية.
لكن رحيل حسني مبارك لم يعنِ اختفاء البنية التي حكمت مصر.
وهنا تظهر مسألة شديدة الأهمية في التفكير في الثورات: الخلط بين سقوط الحاكم وسقوط النظام.
فالدولة العميقة والبيروقراطية والأجهزة والمصالح الاقتصادية والعلاقات الدولية لا تختفي عندما يغادر الرئيس القصر.
انتقلت مصر سريعًا من وحدة الميدان إلى صراعات الانتخابات والدستور والجيش والإخوان والمعارضة، ثم انتهى المسار إلى واقع بعيد جذريًا عن الأحلام الأولى للتحرير.
لكن ذلك لا يعني أن يناير كانت وهمًا.
لقد كشفت يناير إمكانية تاريخية حقيقية، غير أن القوى التي أطلقتها لم تستطع تحويل تلك الإمكانية إلى نظام سياسي مستدام.
والفرق بين الأمرين جوهري.
فشل نتيجة الثورة لا يلغي حقيقة الأسباب التي أنتجتها.
اليمن.. الثورة التي أرادت تسريع التاريخ فانقلب عليها الماضي
ربما يكون اليمن من أكثر بلدان الربيع العربي تجسيدًا للمفارقة الكامنة في عنوان جيجك: الأحلام الخطيرة.
فاليمنيون الذين خرجوا إلى الساحات عام 2011 لم يطالبوا فقط برحيل رئيس. كان هناك، في عمق الحركة، توق إلى تسريع انتقال اليمن نحو المستقبل: دولة حديثة، ومواطنة متساوية، ومؤسسات وطنية، وتداول للسلطة، وإنهاء حكم الفرد وشبكات المحسوبية والفساد التي أضعفت الجمهورية.
كان الشعور السائد لدى قطاع واسع من جيل الثورة أن التاريخ أصبح أخيرًا قابلًا للدفع إلى الأمام.
لكن المفارقة المأساوية أن الثورة التي أرادت اختصار الطريق إلى المستقبل وجدت البلاد، بعد سنوات قليلة، في مواجهة ماضٍ اعتقد اليمنيون أن ثورتي سبتمبر وأكتوبر وضعتاه وراءهم.
وهنا يصعب قراءة التجربة اليمنية بجيجك وحده.
يظهر ماركس.
من «الأحلام الخطيرة» إلى «الثامن عشر من برومير»
في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت وضع كارل ماركس إحدى أكثر ملاحظاته شهرة عن العلاقة الملتبسة بين البشر والتاريخ: البشر يصنعون تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه في ظروف اختاروها بأنفسهم؛ فالماضي الموروث يضغط على الحاضر، وفي لحظات الأزمات الكبرى تستدعى أشباح الأزمنة السابقة.
تكاد هذه الفكرة تبدو مكتوبة لقراءة المفارقة اليمنية.
فالماضي في اليمن لم يعد مجرد شبح.
لقد عاد مسلحًا.
فالانقلاب الحوثي لم يكن مجرد انتقال للسلطة من جماعة سياسية إلى أخرى، وإنما حمل إلى قلب الجمهورية تصورًا للسلطة يستند إلى امتياز سلالي وعقائدي، ويستدعي ميراثًا إماميًا قامت ثورة 26 سبتمبر 1962 والجمهورية في شمال اليمن على نقيضه.
وهكذا لم تعد مأساة ما بعد 2011 أن الثورة تعثرت في الوصول إلى المستقبل فقط.
الأشد قسوة أن تعثر الانتقال أتاح لقوة قادمة من مخزون الماضي أن تستولي على الحاضر.
وكأن التاريخ انعكس اتجاهه.
من الجمهورية الناقصة إلى الدفاع عن فكرة الجمهورية
خرج اليمنيون عام 2011 احتجاجًا، في جانب أساسي، على جمهورية لم تستكمل مضمونها الجمهوري.
كانت الدولة قد اختلطت فيها المؤسسات بشبكات العائلة والقبيلة والمحسوبية والولاء الشخصي، وضعفت فيها المواطنة أمام مراكز النفوذ.
كان الحلم الانتقال من الجمهورية الناقصة إلى الجمهورية الديمقراطية.
لكن اليمن وجد نفسه، بعد سنوات قليلة، أمام سؤال كان يفترض أن أجيالًا سابقة قد حسمته:
كيف نحمي مبدأ الجمهورية نفسه؟
وبدل أن يدور الصراع حول كيفية تطوير الدولة المدنية الحديثة، عادت إلى قلب السياسة أسئلة شديدة القدم: من يملك الحق في الحكم؟ المواطنون أم سلالة تدعي امتيازًا تاريخيًا ودينيًا؟ الدستور أم الحق المقدس المدعى؟ الدولة أم الجماعة؟ الجيش الوطني أم القوة المسلحة العقائدية؟
هنا تصبح عبارة العودة إلى القرن الثالث الهجري ذات دلالة سياسية، لا باعتبار أن اليمن عاد حرفيًا إلى ذلك الزمن، وإنما لأن بعض التصورات التي أعيد إدخالها إلى المجال السياسي الحديث تستمد جذورها من صراعات الشرعية والإمامة التي تعود إلى قرون بعيدة.
وهذه إحدى أكثر مفارقات اليمن قسوة:
جيل خرج إلى الشارع حاملًا الهاتف المحمول وشبكات التواصل ومفردات الدولة المدنية، وجد نفسه بعد سنوات يناقش من جديد شرعية سياسية تستمد بعض منطقها من عالم سابق للدولة الوطنية الحديثة بقرون.
حداثة السلاح وماضوية السلطة
لكن التاريخ لا يعود بالطريقة نفسها.
الحوثية ليست الإمامة القديمة نسخةً طبق الأصل، واليمن ليس يمن القرن الثالث الهجري، كما أنه ليس يمن ما قبل سبتمبر 1962.
وهنا يصبح ماركس مفيدًا مرة أخرى.
الماضي عندما يعود لا يعود كما كان؛ يعاد إنتاجه داخل شروط الحاضر.
لهذا نرى مفارقة شديدة الدلالة:
حداثة كاملة في أدوات القوة، وماضوية عميقة في تصور السلطة.
يمكن لمشروع يستند إلى تصور قديم للشرعية أن يستخدم الصاروخ الباليستي والطائرة المسيّرة والاتصالات الحديثة والإعلام الرقمي ومنصات التواصل.
التكنولوجيا تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين، بينما يستدعي تصور الحق في السلطة مرجعيات سابقة للدولة الوطنية الحديثة.
وهذا ما يجعل الصراع اليمني، في أحد مستوياته العميقة، أكثر من نزاع على الحكومة أو تقاسم المناصب.
إنه صراع بين تصورين للسياسة:
دولة لمواطنين متساوين، شرعية السلطة فيها دستورية وقابلة للتداول؛ ومشروع يعيد إنتاج تراتبية سياسية تمنح النسب والعقيدة والجماعة المسلحة موقعًا فوق مفهوم المواطنة المتساوية.
لكن الحوثيين لم يصعدوا وحدهم
اختزال المأساة اليمنية في الحوثيين وحدهم سيجعل القراءة التاريخية ناقصة.
فهنا يقدم الثامن عشر من برومير أداة تحليل أخرى.
ماركس لم يفسر صعود لويس بونابرت بشخصه فقط، وإنما بحث في التحالفات والمصالح والقوى الاجتماعية التي جعلت صعوده ممكنًا، وفي تحلل النظام السياسي الذي أتاح لقوى مختلفة أن تتجمع حول سلطة جديدة.
والانقلاب الحوثي بدوره لم يحدث في فراغ.
في مرحلة حاسمة من مساره، التقت مصالح الجماعة مع أجزاء من النظام الذي خرج اليمنيون ضده في 2011.
وهنا تبلغ المفارقة التاريخية ذروتها.
جزء من القوى التي استهدفتها الثورة التقى مع قوة تحمل مشروعًا أقدم من الجمهورية نفسها، وأسهم هذا التقاطع في ضرب المرحلة الانتقالية التي ولدت من الثورة.
لهذا لم تكن الثورة المضادة في اليمن مجرد عودة للنظام السابق.
كانت تركيبًا أكثر غرابة:
تحالفًا مرحليًا بين بقايا من النظام الجمهوري المتآكل ومشروع ما قبل جمهوري.
جمهورية اللصوص والانتهازيين والأرزقية
عندما تتحلل الدولة لا ينتقل نفوذها بالضرورة إلى أكثر القوى تقدمًا أو استحقاقًا.
وهنا يستحضر ماركس، في وصف البيئة الاجتماعية والسياسية للبونابرتية، عالمًا من المغامرين والمحتالين والمنبوذين والباحثين عن الغنيمة، وقطاعات هامشية وجدت في السلطة الجديدة مجالًا للصعود.
لا ينبغي إسقاط وصف ماركس حرفيًا على اليمن؛ فالظروف التاريخية مختلفة جذريًا.
لكن الآلية التي يكشف عنها تظل شديدة الأهمية.
فعندما تضعف المؤسسات، وتنهار قواعد السياسة المنظمة، وتتسع الحرب واقتصاداتها، تظهر شبكات من الانتهازيين والسماسرة والمهربين وأمراء الحرب والأرزقية وأصحاب الولاءات المتحركة والباحثين عن الغنيمة.
ويصبح الانهيار نفسه مصدرًا للثروة.
تنشأ طبقات ومصالح لا تعيش رغم استمرار الحرب، وإنما تعيش من استمرارها.
وهنا تحدث الكارثة الثانية.
فبعد أن كانت الدولة هي الجائزة التي تتصارع المشاريع السياسية على كيفية إدارتها، تتحول الدولة نفسها إلى غنيمة يجري اقتسام مؤسساتها ومواردها ومنافذها وإيراداتها.
وبدل جمهورية المواطنة التي حلمت بها الساحات، يظهر واقع يمكن وصفه، باستعارة اللغة الماركسية القاسية، بأنه «جمهورية اللصوص والانتهازيين والنشالين وقطاع الطرق والأرزقية»؛ ليس بوصفه توصيفًا قانونيًا لأشخاص بعينهم، وإنما تعبيرًا سياسيًا عن لحظة يصبح فيها انهيار الدولة سوقًا مفتوحة للغنيمة.
وتتكون حول الحرب مصالح تخشى الدولة بقدر ما تزعم الدفاع عنها.
لأن الدولة الحقيقية تعني القانون، والمؤسسة، والمحاسبة، واحتكار القوة، وانتهاء الأسواق التي صنعتها الفوضى.
الثورة التي لم تستطع حماية المستقبل
هنا يلتقي جيجك وماركس.
جيجك يساعدنا على فهم اللحظة التي ينفتح فيها الممكن.
وماركس يساعدنا على فهم كيف يستطيع الماضي أن يتسلل إلى ذلك الممكن ويعيد تشكيله.
الثورة تفتح التاريخ، لكنها لا تضمن القوة التي ستدخل من الباب.
والإطاحة بالنظام القديم لا تمحو عناصره العسكرية والاجتماعية والاقتصادية دفعة واحدة.
قد يسقط رأس السلطة، بينما تبقى شبكات المال والسلاح والمصالح قادرة على إعادة التموضع.
وقد يظهر فوق ذلك فاعل آخر يحمل مشروعًا أكثر رجعية من النظام الذي ثارت عليه الجماهير.
وهذا تحديدًا ما يجعل اليمن حالة شديدة الخصوصية في قراءة 2011.
فالثورة لم تواجه ثورة مضادة واحدة.
واجهت بقايا النظام القديم، وقوة مسلحة صاعدة، وهشاشة الدولة، وانقسامات المجتمع، وتدخلات الخارج، ثم اقتصاد حرب أنتج مستفيدين جدداً من استمرار الانهيار.
هل فشل الربيع العربي؟
بعد كل ما حدث، تبدو الإجابة السهلة: نعم.
دخلت سوريا حربًا مدمرة، وعاشت ليبيا صراعات طويلة، وغرق اليمن في حرب وانقسام، وانتهت التجربة المصرية إلى واقع بعيد عن أحلام يناير، وحتى تونس التي قدمت لسنوات باعتبارها الاستثناء واجه انتقالها الديمقراطي انتكاسات عميقة.
لكن الحكم على 2011 بهذه البساطة قد يحجب السؤال الحقيقي.
إذا كان معيار النجاح انتقالًا فوريًا ومستقيمًا من الاستبداد إلى الديمقراطية، فقد أخفقت تجارب عربية عديدة.
لكن التاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة.
الثورات الكبرى نفسها عرفت الثورات المضادة والحروب والارتدادات قبل أن تستقر بعض نتائجها بعد عقود.
وقد يهزم الحدث سياسيًا بينما ينجح في تغيير شيء أعمق:
حدود الممكن في وعي المجتمع.
بعد 2011 لم تعد أبدية الحاكم العربي حقيقة بديهية كما كانت قبله.
ولم تعد الشعوب تنظر إلى نفسها بالطريقة ذاتها.
وهذا لا يكفي لصناعة الديمقراطية، لكنه جزء من التحول التاريخي الذي لا يمكن محوه بسهولة.
الثورة المضادة تتعلم أيضًا
إحدى نتائج 2011 التي ينبغي عدم تجاهلها أن الأنظمة تعلمت من الثورات.
تطورت أدوات السيطرة الأمنية والإعلامية والرقمية، وازدادت القدرة على مراقبة المجال العام والشبكات الاجتماعية، وأصبح منع تشكل الاحتجاج جزءًا من هندسة السلطة.
لكن المجتمعات تعلمت بدورها درسًا أكثر مرارة:
إسقاط رأس السلطة أسهل كثيرًا من إعادة بناء الدولة.
في 2011 كان السؤال:
كيف نسقط النظام؟
بعد التجربة أصبح السؤال أكثر نضجًا:
كيف نغير النظام من دون أن تسقط الدولة معه؟
وكيف نحطم بنية الاستبداد من دون فتح الطريق أمام المليشيا أو الحرب الأهلية أو الثورة المضادة؟
هذه ليست دعوة إلى التخلي عن التغيير.
إنها دعوة إلى التفكير في التغيير بوصفه بناءً للسلطة الديمقراطية، لا مجرد إسقاط للسلطة القائمة.
الخبز والحرية.. الثورة كانت اجتماعية أيضًا
هناك جانب آخر في جيجك يستحق الاستعادة.
فقد قرأ أحداث 2011 في سياق أزمة سياسية واقتصادية عالمية، ولم ير فيها مجرد مطالبة بالانتخابات.
وهذا مهم جدًا لفهم الربيع العربي.
البطالة والفقر والفساد والمحسوبية وتركز الثروة وانسداد فرص الصعود الاجتماعي وتهميش الشباب كانت في قلب الانفجار.
لهذا جمعت شعارات الثورات، بصيغ مختلفة، بين:
الخبز والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
كانت الديمقراطية جزءًا من السؤال، لكنها لم تكن السؤال كله.
فالحرية السياسية التي لا يصاحبها أفق اقتصادي واجتماعي قابل للحياة تبقى معرضة للاهتزاز.
والانتخابات وحدها لا تجيب عن سؤال الشاب الذي لا يجد وظيفة، والأسرة التي لا تستطيع دفع تكاليف العلاج، والمواطن الذي يرى الثروة العامة تتحول إلى امتيازات خاصة.
كان سؤال 2011، في جوهره، سؤالًا عن نوع المجتمع الذي يريد الناس أن يعيشوا فيه.
المشكلة لم تكن أن الحلم كان كبيرًا
بعد الكوارث التي أعقبت الثورات ظهرت سردية تقول إن العرب أخطأوا عندما ثاروا.
لكن هذه الرواية تقلب علاقة السبب بالنتيجة.
الثورة لم تصنع الاستبداد والفساد وانسداد المجال السياسي وتفاوت الفرص؛ هذه الظروف كانت بين الأسباب التي صنعت الثورة.
غير أن ذلك لا يعفي القوى الثورية من النقد.
فالرومانسية الثورية قد تكون خطرة مثل اليأس السياسي.
الشارع لا يعوض المؤسسة.
والحماسة لا تعوض البرنامج.
والنقاء الأخلاقي لا يعوض فهم ميزان القوى.
والثورة التي لا تفكر في السلطة ستجد من يفكر فيها نيابة عنها.
والثورة التي لا تبني الدولة قد تجد نفسها مضطرة لاحقًا إلى خوض حرب لاستعادتها.
وهنا يبدو عنوان جيجك أكثر من مجرد استعارة أدبية.
الحلم يصبح خطيرًا عندما يفتح التاريخ بينما لا تكون القوى التي فتحته مستعدة لما سيخرج منه.
ما الذي بقي من 2011؟
بعد نحو خمسة عشر عامًا، تغير ميدان التحرير، وتغيرت ساحات اليمن، وتغير العالم نفسه.
لكن كثيرًا من الأسئلة التي فجرت تلك اللحظة ما تزال قائمة في المنطقة: العدالة، والمواطنة، والفساد، وتوزيع الثروة، والدولة، والحرية، والعلاقة بين المجتمع والسلطة.
ولهذا لا ينبغي قراءة سنوات الأحلام الخطيرة بوصفه كتابًا عن سنة انتهت.
قيمته اليوم أنه يعيد طرح السؤال عن الإمكان السياسي.
فالواقع الذي يبدو أبديًا قد يتغير خلال أسابيع.
لكن سقوط الواقع القديم لا يضمن تلقائيًا ولادة واقع أفضل.
بين الاثنين تقع السياسة.
تقع الأحزاب والمؤسسات والتنظيم والبرنامج والاقتصاد والدستور والجيش وموازين القوى.
وهذه المسافة تحديدًا هي التي دفعت المنطقة ثمنها باهظًا.
من الحلم إلى السياسة
لا تسمح لنا قراءة جيجك، إذا أخذناها بجدية، بالاستقرار في واحدة من روايتين مريحتين: تمجيد الثورة بوصفها خيرًا مطلقًا، أو اعتبارها خطيئة تاريخية كان ينبغي ألا تقع.
كلا الموقفين يهرب من السؤال الأصعب.
الثورة تفتح الإمكان.
لكن الإمكان ليس ضمانة.
يمكن أن يقود إلى الديمقراطية، ويمكن أن تختطفه الثورة المضادة، ويمكن أن تستولي عليه قوة أكثر تنظيمًا، ويمكن أن يتحول إلى حرب، ويمكن للنظام القديم أن يعيد إنتاج نفسه في صورة جديدة، ويمكن، كما حدث في اليمن، أن يفتح انهيار الانتقال الباب أمام عودة مشروع من الماضي بأدوات الحاضر.
لذلك فإن أهم درس يمكن استخلاصه من تجربة 2011 ليس التخلي عن الحلم بالتغيير.
إنه الانتقال من ثقافة الثورة بوصفها لحظة احتجاج إلى ثقافة التغيير بوصفه مشروعًا لبناء الدولة.
الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات.
والحرية تحتاج إلى دولة تحميها.
والعدالة الاجتماعية تحتاج إلى اقتصاد وسياسات عامة.
والجمهورية تحتاج إلى مواطنين متساوين وإلى دولة تحتكر السلاح والقرار العام.
والثورة تحتاج إلى تنظيم سياسي قادر على تحويل مطالب الشارع إلى دستور ومؤسسات وموازين قوة تحمي ما حققته.
وهنا تصبح قراءة جيجك يمنية بامتياز، ويأتي ماركس ليكمل الجانب الذي تركه سؤال المستقبل مفتوحًا.
لقد خرج اليمنيون عام 2011 معتقدين أن بإمكانهم تسريع التاريخ نحو المستقبل.
وبعد سنوات وجدوا أنفسهم أمام مفارقة مروعة: مشروع سياسي يعيد استدعاء منطق الإمامة، أجزاء من النظام القديم تعيد التموضع، أمراء حرب واقتصاد غنيمة ينمون على أنقاض الدولة، وجمهورية أصبحت مطالبة بالدفاع عن الفكرة التي تأسست عليها أصلًا.
كانت الثورة تريد تجاوز الجمهورية الناقصة إلى الجمهورية الديمقراطية.
فوجد اليمنيون أنفسهم يقاتلون من جديد من أجل الجمهورية ذاتها.
وهذا ربما هو المعنى الأشد مأساوية لـ«سنوات الأحلام الخطيرة»:
أن تفتح باب التاريخ بحثًا عن المستقبل، ثم تكتشف أن الماضي كان ينتظر خلف الباب أيضًا.
وإذا كان شباب 2011 قد أرادوا دفع التاريخ إلى الأمام، فإن المهمة التي تركتها السنوات التالية أصبحت أكثر تعقيدًا:
أن يمنعوا أولًا اختطاف التاريخ إلى الماضي، وأن يستعيدوا الدولة، ثم يعيدوا فتح الطريق إلى المستقبل.

