“صحيفة الثوري” – (رأي):
سعد العجمي السقطري
يُعد كهف حوق في جزيرة سقطرى واحداً من أهم المعالم الطبيعية والتاريخية في الجزيرة، بل وفي المنطقة بأسرها. فهذا الكهف ليس مجرد مزار سياحي يقصده الزوار للاستمتاع بالمغامرة أو التقاط الصور، بل يمثل سجلاً حضارياً مفتوحاً يوثّق مرور حضارات وشعوب متعددة عبر هذه الجزيرة الاستثنائية منذ آلاف السنين.
داخل هذا الكهف لا توجد فقط التكوينات الصخرية المدهشة والمناظر الجيولوجية النادرة، بل توجد أيضاً رسوم ونقوش ومنحوتات جدارية تاريخية كُتبت بلغات متعددة، منها الهندية والفارسية واليونانية والمسندية وغيرها من اللغات القديمة، في دليل واضح على أن سقطرى كانت عبر التاريخ محطة عبور وتواصل حضاري وتجاري بين أمم مختلفة.
ورغم هذه الأهمية الاستثنائية، فإن ما يحدث اليوم داخل الكهف يدعو إلى القلق.
فمع تزايد أعداد الزوار، خصوصاً السياح اليمنيين القادمين من خارج الجزيرة، بدأت تظهر ممارسات مؤسفة تهدد هذا الإرث الفريد، من الكتابة العشوائية على الجدران، والعبث بالصخور والتكوينات الطبيعية، وإحداث تشوهات مباشرة في أجزاء من الموقع، فضلاً عن التعامل مع المكان وكأنه مساحة عادية لا تحمل أي قيمة أثرية أو علمية.
المشكلة أن هذا الكهف ما زال ينتظر المزيد من الدراسات والبحوث العلمية التي يمكن أن تكشف أسراراً تاريخية مهمة عن الجزيرة وعلاقتها بالعالم القديم، لكن استمرار هذا التخريب قد لا يمنح الباحثين الوقت الكافي للوصول إلى تلك الاكتشافات؛ فقبل أن تُقرأ هذه الشواهد التاريخية وتُفهم، قد تُطمس أو تُدمّر إلى الأبد.
إن أخطر ما في الأمر أن الطبيعة حافظت على هذا الكنز آلاف السنين، وتعاقبت عليه حضارات مختلفة، وتركته شاهداً حياً على وجودها، لكننا اليوم قد نفقده خلال سنوات قليلة بسبب غياب الوعي وانعدام إجراءات الحماية.
السياحة مسؤولية قبل أن تكون متعة، وزيارة الأماكن الطبيعية والأثرية لا تعني استباحتها أو ترك أثر سلبي عليها.
إن ما يحدث في كهف حوق يجب أن يكون جرس إنذار للجهات المعنية، وللمجتمع المحلي، وللزوار أنفسهم، فسقطرى ليست مجرد وجهة سياحية، بل إرث عالمي وإنساني، وما نخسره فيها اليوم قد لا يمكن استعادته غداً.
لقد صمد كهف حوق أمام الزمن، لكن السؤال المؤلم: هل سيصمد أمام عبث الإنسان؟

