صحيفة الثوري – (نيويورك تايمز)
يعاني ما لا يقل عن نصف سكان اليمن من انعدام الأمن الغذائي، فيما لم يحصل ملايين الأطفال على اللقاحات الضرورية، مما أدى إلى انتشار وباء الحصبة في عدد من المناطق.
وعلى مدى أكثر من عقد، واجه اليمنيون آثار حربٍ طويلة أثّرت على ظروفهم المعيشية، واضطر كثيرون منهم خلال الأسبوع الماضي إلى النزوح مرة أخرى بحثًا عن الأمان.
وقد شهدت البلاد مؤخرًا جولة جديدة من القتال بين الحوثيين، التي تتلقى دعمًا من إيران وتتمركز في شمال اليمن، وبين الحكومة المعترف بها دوليًا والمدعومة من السعودية، وهو ما أسهم في اتساع نطاق التوتر الإقليمي المتصاعد منذ مطلع العام عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران.
وقدّرت وكالة تابعة للأمم المتحدة، الجمعة، أن أكثر من 46 ألف شخص فروا من منازلهم خلال الأسبوع الماضي وحده، ولم يحمل بعضهم معهم سوى الملابس التي كانوا يرتدونها.
وكان المقداد هاشم وعائلته من بين هؤلاء النازحين، فقد قرروا في البداية البقاء في منزلهم خلال إحدى ليالي أواخر الأسبوع الماضي، لكن أصوات القصف أبقتهم مستيقظين، وفي صباح اليوم التالي، سقطت قذائف قرب منزلهم في محافظة تعز، التي تشهد معارك ضارية، ما أدى إلى إصابة شخصين، أحدهما ابن شقيق هاشم.
ولم تكن هناك وسيلة لنقل المصابين إلى المستشفى سوى وضعهم على متن شاحنة تُستخدم عادة لنقل مواد البناء.
وقال هاشم إن 34 شخصًا تكدسوا على متنها، بينهم هو وزوجته وأطفالهما الأربعة ووالداه المسنان، ولم يكن لديهم من الوقت سوى ما يكفي لحشر بعض متعلقاتهم في حقيبة صغيرة واحدة.
وقال: “كان من الصعب أن نأخذ معنا أي شيء. نريد أن تتوقف الحرب حتى يتمكن الناس من العودة إلى منازلهم”.
وكانت الحرب الأهلية في اليمن قد دخلت خلال السنوات الأخيرة مرحلة من الهدوء الهش، منذ أن أدى وقف لإطلاق النار توسطت فيه الأمم المتحدة عام 2022 إلى تقسيم البلاد فعليًا بين مناطق تسيطر عليها الحكومة وأخرى يسيطر عليها الحوثيون، لكن اليمن عاد الآن إلى أتون قتال واسع النطاق، ما يفاقم أزمة كانت بالفعل من بين أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
ومما يزيد الوضع سوءًا أن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة يعاني نقصًا حادًا في التمويل، دفعه إلى تعليق المساعدات الغذائية بالكامل، وتقليص صرف المساعدات النقدية الشهرية لتصبح مرة كل شهرين، بحسب كارل سكاو، القائم بأعمال المدير التنفيذي للبرنامج، في مقابلة هاتفية الخميس، وكان سكاو قد زار اليمن الأسبوع الماضي، وقال إن الأطفال في مخيمات النازحين التي زارها لم يكونوا يذهبون إلى المدارس، وإن يمنيين أخبروه بأنهم يبيعون ممتلكاتهم لشراء الطعام، وشاهد طابورًا طويلًا من الأمهات في إحدى العيادات الصحية، ينتظرن دورهن وهن يحملن أطفالًا يعانون سوء التغذية.
وقال: “كانوا يكافحون من أجل توفير ثمن وجبة واحدة في اليوم”.
وأضاف سكاو أن اليمن لا يعاني من القتال وحده؛ إذ أدى اضطراب حركة الملاحة البحرية في المنطقة أيضًا إلى ارتفاع أسعار الغذاء في بلد يستورد معظم احتياجاته الغذائية، وألحقت موجات الجفاف والفيضانات أضرارًا بالمزارع اليمنية.
وقال سكاو: “حتى الكميات القليلة التي ينتجونها في الداخل تقلبها الأحوال الجوية رأسًا على عقب”.
وكان نحو 4.5 مليون يمني قد نزحوا من منازلهم قبل التصعيد الأخير في أعمال العنف، كما أن قرابة نصف المنشآت الصحية في البلاد لا تعمل، فيما أجبرت الهجمات على العاملين في مجال الإغاثة الأمم المتحدة على تعليق عملياتها في المناطق الشمالية الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وسيطرت قوات الحوثيين على المخا هذا الاسبوع، وهي مدينة ساحلية استراتيجية على البحر الأحمر تابعة لإقليم تعز، بالإضافة إلى جزيرة في الممر المائي، وفقًا لمسؤولين يمنيين، مما منح الميليشيا موطئ قدم في باب المندب، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره النفط السعودي في طريقه إلى آسيا.
وقال السيد سكو إن مجمعًا إغاثيًا تابعًا للأمم المتحدة في المخا تعرض لهجوم صباح الخميس، وسُرقت عدة مركبات.
وصرح مسؤول محلي رفيع المستوى تابع للحوثيين يوم السبت بأن سلطات المخا على علم بسرقة عناصر من الميليشيا للمركبات، وأمرت بإعادتها، وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام.
كما هاجمت قوات الحوثيين منشآت نفطية سعودية، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية المرتفعة أصلًا.
وغالباً ما اتهم الحوثيون السعودية باستهداف مواقعهم.
وذكرت قناة المسيرة، الخاضعة لسيطرة الميليشيا، أن السعودية شنت جولتين من الغارات الجوية على ميناء المخا، ولم ترد الحكومة السعودية على طلب للتعليق.
وأعلنت الأمم المتحدة يوم الخميس أن ما لا يقل عن 14 مدنياً قُتلوا في القتال الذي دار خلال الأسبوع الماضي، بينهم طفلان.
في يوم السبت الماضي، فرّ عمر عبد العزيز الحميري، البالغ من العمر 25 عاماً، بعد سماعه دويّ قصف قريب في منطقة مقبانة المتنازع عليها بمحافظة تعز، فتسلّق هو وخمسة من أفراد عائلته لمدة ساعتين سيراً على الأقدام إلى قمة جبلية، كان طريقهم إليها أقرب طريق، ومن هناك، وجدوا سيارةً إلى أقرب مدينة، وقال: “غادرنا بالملابس التي كنا نرتديها. لم نتمكن من حمل أي شيء بسبب الوضع وصعوبة التضاريس”.
وقد تركوا وراءهم جميع ممتلكاتهم الثمينة، بما في ذلك أبقارهم وماعزهم، وخلايا النحل، والحبوب التي زرعوها في حقولهم.
ويقيم السيد الحميري مع صهره في الوقت الراهن ويبحث عن عمل في مدينة تعز، التي تعجّ الآن بالنازحين الجدد، وقد ارتفعت أسعار الدقيق والأرز بشكل كبير في السوق، ويجب جلب الماء من صهريج، وهذا مكلف أيضاً، وقال: “بصراحة، لا أعرف كيف سنُدبّر احتياجاتنا اليومية”.
ويواجه أكثر من 18 مليون يمني ما تسميه الأمم المتحدة انعدام الأمن الغذائي الحاد، حيث يعاني 2.2 مليون طفل من سوء التغذية الحاد.
ولا تزال الأمراض والرعاية الطبية تشكلان مصدر قلق بالغ، فقد أفادت منظمة الصحة العالمية بتسجيل أكثر من 17,600 حالة إصابة بالحصبة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام.
وتم تعليق خدمات الأمومة والولادة في المستشفى الرئيسي بمدينة مأرب الخاضعة لسيطرة الحكومة، لإفساح المجال أمام رعاية الإصابات، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، كما أن عدد الجثث يتجاوز “الطاقة الاستيعابية المتاحة للمشرحة”.
وتتفاقم الأزمة بشكل خاص في شمال اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين، فقد تم تعليق عمليات الأمم المتحدة هناك منذ أكتوبر/تشرين الأول، عندما اعتُقل عمال الأمم المتحدة وغيرهم من العاملين في مجال الإغاثة، وداهمت الميليشيات مكاتب الأمم المتحدة.
وأبلغ رئيس مكتب الإغاثة التابع للأمم المتحدة مجلس الأمن في أغسطس/آب أن 73 موظفًا من موظفي الأمم المتحدة لا يزالون رهن الاحتجاز لدى الحوثيين.
وعلى الرغم من أن اليمن كان في السابق محور اهتمام منظمات الإغاثة العالمية، فقد خفضت العديد من الجهات المانحة الرئيسية للإغاثة، مثل الولايات المتحدة، ميزانيات مساعداتها بشكل كبير.
ويحتاج اليمن إلى 2.2 مليار دولار كمساعدات إنسانية، وفقًا لوكالة الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، التي قالت إنها لم تتلق سوى 20 بالمائة من ذلك المبلغ.
ترجمة: زيد بنيامين

