آخر الأخبار

spot_img

السلفيون وغياب الآخر

صحيفة الثوري – (رأي)

خالد طربوش 

ربما يكون من أكثر المواضيع تداولاً اليوم في مجالس النقاش أن السلفيين يزداد حضورهم ويتمددون سياسياً وعسكرياً، وأن وراء هذا التمدد دعماً سعودياً. في تقديري، في هذا الكلام قدر من الصحة، لكنه لا يفسر وحده المشهد ولا يكفي لفهم أسباب صعود السلفيين بهذا الشكل.

فالسلفيون لم يظهروا اليوم فجأة، ولم يبدأ حضورهم مع هذا التمدد الأخير. كانوا قبل ذلك جزءاً مهماً من المعركة ضد الحوثي، شاركوا في القتال ودفعوا الثمن، وحققوا إنجازات عسكرية لا ينكرها إلا من ينظر بعين واحدة. والأهم أنهم راكموا خلال سنوات الحرب صورة واضحة عن قدرتهم على مواجهة الحوثيين، واستعدادهم للقتال، وثباتهم في الميدان، وتحولت هذه الصورة إلى واحدة من أهم أوراق قوتهم.

لكن الأمر لا يتعلق بالسلفيين وحدهم بقدر ما يتعلق بالفراغ الذي تركته القوى الأخرى.

فالساحة السياسية والعسكرية لم تكن ثابتة خلال سنوات الحرب، تراجعت أدوار كثير من المكونات التي كانت حاضرة وفاعلة في مراحل سابقة، وانكمش حضورها تدريجياً بفعل الحسابات السياسية الخاصة بها، وعجز بعض قياداتها عن مواكبة التحولات.

ومع استمرار الحرب، أصبح الميدان يعيد تشكيل موازين القوى. ففي الوقت الذي ظل فيه كثير من القيادات والقوى السياسية يتحركون خارج اليمن، ويقيمون في القاهرة وإسطنبول وغيرها، كانت قوى أخرى حاضرة على الأرض، تتحرك وتبني علاقاتها وتراكم حضورها السياسي والاجتماعي.

القصة إذن ليست أن السلفيين قرروا فجأة أن يتمددوا، لكن المساحة أمامهم اتسعت كلما تراجع الآخرون عنها.

المكانة والدور السياسي في النهاية لا يُمنح لمن كان أحق بها تاريخياً، وإنما لمن يكون حاضراً وقادراً على شغلها.

ولهذا فإن اختزال صعود السلفيين في الدعم الخارجي وحده فيه تبسيط للمشهد. فالدعم قد يساعد على التوسع، لكنه لا يصنع حضوراً يستمر لسنوات. الصعود نتاج عوامل متداخلة، أبرزها ما راكمه السلفيون من حضور وتنظيم وخبرة في الميدان، وما فقدته قوى أخرى من حضور وتأثير.

الحرب مع الحوثي أتاحت أمام معظم المكونات السياسية فرصة لإعادة بناء علاقاتها إقليمياً ودولياً، وتقديم مبادرات وأفكار جديدة، وصناعة صورة سياسية مختلفة لقواها الوطنية. لكن المشكلة لم تكن دائماً في غياب الأفكار بقدر ما كانت في غياب القدرة على تحويلها إلى حضور جماهيري وسياسي مؤثر.

ومع مرور الوقت، أصبح الفارق واضحاً: قوى موجودة وفاعلة على الأرض، وأخرى تراجعت أو بقيت أسيرة حساباتها وتحركاتها المرتبطة برواسبها.

وعندما يبحث الإقليم والمجتمع الدولي عن شريك محلي، فإنه لا يبحث بالضرورة عن الاسم الأقدم أو الحزب الأبهر، وإنما عن الطرف الذي يمتلك حضوراً على الأرض، وقوة منظمة، وقدرة على الفعل.

لذلك فإن السؤال الحقيقي في تقديري ليس: لماذا تمدد السلفيون؟

بل: لماذا ترك الآخرون كل هذا الفراغ حتى أتاحوا لهم أن يتمددوا؟

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img