صحيفة الثوري – (ثقافة وفنون)
خالد طربوش
لعل الوجه الإيجابي الوحيد، أو من الوجوه القليلة المضيئة، لهذه السنوات العجاف التي مررنا ونمر بها، أنها دفعت إلى نبش الذاكرة اليمنية والتنقيب في كنوزها المنسية، وفي مقدمتها الأغنية اليمنية على وجه الخصوص.
ما يجري اليوم من بحث وتعقيب وجمع وإعادة تقديم للأغنية اليمنية ليس مجرد استعادة لأغانٍ قديمة، ولا حنينًا إلى زمن مضى للأجداد، هو في تقديري واحدة من أعمق عمليات اكتشاف الفن اليمني وإعادة قراءته. ربما لم يحدث هذا من قبل بهذا القدر من الوعي والاحتراف والتراكم.
ويبرز في هذا الجهد أسماء تستحق التوقف عندها، في مقدمتهم جمال حسن، ومحمد عبد الوهاب الشيباني، والمخضرم المتقن رشاد سلطان، ومصطفى راجح، وغيرهم ممن جعلوا من البحث في الأغنية اليمنية عملًا يتجاوز الاستماع العابر إلى الجرد والتوثيق والتحليل وإعادة تقديم المادة الفنية في سياقها الصحيح.
وهذا التعاطي مع الأغنية اليمنية بدأ يتحول من مجرد الإعجاب بالصوت واللحن إلى وعي ببنيتها ومصادرها وخصوصيتها، من الإيقاع الحميني إلى ألوان الغناء في تهامة وحضرموت ولحج ويافع وأبين وتعز وغيرها، ومن تنوع اللهجات والمفردات إلى تنوع الشعر الغنائي، ومن الموروث الشعبي إلى الألحان التي صاغها الفنانون وأضافوا إليها من تجاربهم.
وهنا تكمن قيمة هذا العمل؛ فحين نعيد اكتشاف أغنية مثل «صبوحة خطبها نصيب»، أو نتوقف عند لون من ألوان الغناء الصنعاني أو اللحجي أو الحضرمي، فنحن لا نستعيد أغنية فقط، وإنما نستعيد جزءًا من شخصية المكان والإنسان واللغة والذاكرة اليمنية.
لقد جعل هذا الجهد كثيرًا من الأغاني التي كنا نسمعها باعتبارها مجرد أغانٍ قديمة تبدو لنا اليوم كوثائق فنية واجتماعية، فيها صورة للمدينة والقرية، ولعادات الناس ولهجتهم، ولطريقة تعبيرهم عن الحب والعتاب والحنين والفراق.
والجميل أن هذا التنقيب لا يعيد الماضي إلى الحياة فحسب، بل يجعلنا نفهم الأغنية اليمنية بوعي أكثر نضجًا، ونلمس تنوع إيقاعاتها وثراء شعرها الغنائي.


