آخر الأخبار

spot_img

في حضرة الوطن .. فرقاء لا أعداء

صحيفة الثوري – (مقال رأي)

أحمد حرمل

ليس عيباً أن نختلف، وليس نقيصةً أن تتعدد الأصوات، وليس انحرافاً أن تتشعب الرؤى. إنما العيب كل العيب أن نتوهم أن الاختلاف شر، وأن التعدد خطر، وأن من خالفنا في الرأي قد خاننا في الوطن.

تأملوا معي هذا الكون العظيم، وتلك المخلوقات التي تنبض بالحياة في أرجائه؛ أليست قائمةٌ على التنوع؟ ألم يخلق الله البشر مختلفين في ألوانهم، وألسنتهم، وأشكالهم، وأحجامهم، وعقولهم؟ أبيضُ البشرة وأسودها، طويل القامة وقصيرها، رفيع البنية ومكتنزها، غني اللغة وفقير البيان، حاد الذهن وبطيء الفطنة.

كل هذا التنوع لم يكن عبثاً، ولم يكن خللاً في الخلقة، بل كان آيةً باهرة على عظمة الصانع، وحكمةً بالغة في تصميم الوجود.

فإذا كان الله الذي لا إله إلا هو، خالق السماوات والأرض، قد شاء أن يجعل التنوع سمةً راسخة في هذا الكون، وسنةً ماضية في خلقه، فكيف بنا نحن البشر نتجرأ على أن ننفي الآخر، ونغلق باب الوطن في وجه المخالف، ونظن أننا نملك وحدنا الحقيقة المطلقة، وأن من سوانا على خطأ أو في ضلال؟

ومن هذا المنطلق الجنوب ليس ملكيةً خاصة لأحد، وليس غرفةً ضيقة يمكن إغلاقها بالضبة والمفتاح، وليس نادياً حصرياً يسمح لأعضائه فقط بالدخول، ويمنع الآخرين بالعصا أو بالرفض.

الجنوب فضاءٌ مترامٍ يتسع للجميع، ارضه تحتضن كل الخطى، وسماؤه تظلل كل الرؤوس، وماضيه يروي حكايات الجميع، ومستقبله يكتب بأقلام الجميع.

لا يعقل أن نطلب من الناس أن يحبوا وطناً يضيق عليهم، وأن يضحوا من أجل ترابٍ يلفظهم، وأن يدافعوا عن حدودٍ تغلق في وجوههم.

الجنوب الذي لا يتسع لأبنائه المختلفين، يهدم نفسه بنفسه، ويضعف كيانه بيديه.

المشكلة ليست في الاختلاف، فذلك سنة كونية وأمر إلهي.
المشكلة الحقيقية هي في كيفية إدارة هذا الاختلاف.

هل نجعله جسراً للتواصل والحوار، أم نجعله سوراً للعداوة والخصومة؟ هل نستثمره لإثراء الحياة السياسية والاجتماعية، أم نخافه ونهرب منه إلى دائرة التماثل المزيف الذي يخنق الإبداع ويقتل الحوار؟

الفن الحقيقي في السياسة، والذكاء الحقيقي في المجتمع، لا يكمن في إلغاء الخلاف، بل في احتوائه، وفي تحويل طاقته من صراع هدام إلى تنافس بناء، وفي جعل التعدد مصدر قوة لا مدعاة للضعف.

وهنا يمكن ان نقول بانه عبارة “فرقاء السياسة شركاء الوطن”.
ليس شعاراً بروتوكولياً، بل هو اعترافٌ صريح بأن الجنوب ، مهما اتسعت هوامش الخلاف بين أبنائه، فهو منزلنا جميعاً، وحلمنا جميعاً، ومسؤوليتنا جميعاً.

وإننا كلما أدركنا أن الاختلاف رحمة، وأن التعدد قوة، وأن الوطن يتسع للجميع، كنا أقرب إلى نضج سياسي يليق بعظمة الشعب وقدسية الوطن.

وفي زمنٍ تتصارع فيه الأصوات، وتتشابك فيه الرؤى، وتتداخل الأهواء، يبقى الوطن هو الثابت الوحيد الذي لا يحتمل التجزئة، والسقف الذي لا يعلوه سقف، والأرض التي مهما اختلفنا في طريق الوصول إليها، فإننا جميعاً نسكن أديمها ونستظل بسمائها.

عبارة “فرقاء السياسة شركاء الوطن” ليست نخبوية تتلى في المناسبات، ولا جملة إنشائية تذبل في طوايا البيانات؛ بل هو عقدٌ أخلاقي، وميثاقٌ ضميري، يلزم كل قادر على حمل راية الرأي بأن يدرك أن الخصومة في السياسة ليست عداوة في النفس، وأن الاختلاف في البرامج ليس تشظياً في الولاءات.

أولاً: فك مغالطة “العدو”

لكي نترجم شراكة الوطن إلى سلوك عملي، علينا أن نبدأ بتجريد لغتنا السياسية من مفردات التخوين والتهميش.

السياسة ليست معركة إبادة، بل هي ساحة تنافس على تقديم الأفضل.

عندما نفهم أن الطرف الآخر ليس “خصماً يجب تحطيمه”، بل “شريكاً في المصير” نختلف معه في طريقة العبور، لا في منتهى الرحلة، حينها يتحول المشهد من ساحات للجدل العقيم إلى ورش للبناء المتقن.

ثانياً: السلوك العملي هو “إدارة الاختلاف”

الترجمة العملية للشراكة الوطنية تقتضي منا أن نرفع سقف التوافق على الثوابت الوطنية، وأن نخفض سقف الخلاف على المتغيرات الفرعية.

السلوك المطلوب هو أن نختلف في الرأي، ولا نختلف في مصير الوطن؛ أن نتجادل في الوسيلة، ولا نتشاجر على الغاية.

إن احترام الاخر، والاعتراف بالتعدد والتنوع في اطار وحدة الهدف، وتحويل الحوار الى ثقافة وجعله لغة مشتركة بين الجميع هو أول درجات هذه الشراكة.

فقدسية الوطن ومصلحة الشعب هي من يمنع الفرقاء من التحول إلى أعداء، ويحول تنافسهم إلى رحمة تسقي جذور الدولة.

ثالثاً: الشراكة في المحن قبل المنح

إن أصدق اختبار للشراكة في الوطن هو لحظات الأزمات.
ففي الشدائد، ينكشف معدن الشركاء، والسلوك العملي هنا يتجلى في تغليب المصلحة العامة على المكاسب الضيقة.

فالوطن حين يشتعل على أطرافه، أو تمر به رياح عاتية، فإن كل الأصوات يجب أن تصطف في خندقٍ واحد، ليس لأن الخلافات قد انتهت، بل لأن وجود الوطن هو الشرط الأول لبقاء هذه الخلافات أصلاً.

وكما قال الأولون: “نحن جميعاً في سفينة واحدة، فمن حفر فيها خرقاً، أغرقنا جميعاً”.

رابعاً: لغة الحوار لا لغة التصادم

من السلوكيات الجوهرية هنا تحويل الإعلام والخطاب العام من منبر للاتهام إلى جسر للتواصل.

الشراكة الحقيقية تقتضي أن نجلس معاً، لا أن نتحدث عن بعضنا البعض. أن ننصت للرأي الآخر، لا لنقمعه، وأن نعترف بخطأنا حين نخطئ، لنكسب احترام الجميع قبل أن نكسب النقاط السياسية.

واخيرا نقول حين ندرك أن “فرقاء السياسة” هم في النهاية أبناء هذا الوطن وشركاء فيه، وأشقاء في النسب الوطني، ندرك أن الشراكة ليست فضيلة اختيارية، بل هي ضرورة وجودية.

إن الاعتراف بأن كل منا يمسك بقطعة من فسيفساء الوطن، وأن الصورة النهائية لا تكتمل إلا بتظافر كل هذه القطع، مهما تباينت ألوانها.

فلنجعل من السياسة رحمة، ومن الخلاف تنوعاً، ومن الوطن قبلةً تجمعنا، لا حداً يفصلنا.

إنه الموعد مع نضج سياسي يليق بعظمة الشعب وقدسية الوطن، حيث نكتب بأفعالنا، لا بأقوالنا، أننا فرقاء في الرأي، شركاء في المصير، وأبناء في حضرة الوطن.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img