آخر الأخبار

spot_img

إضرابات النقابات.. معركة أشباح في دولة منهكة

صحيفة الثوري – (رأي)

أحمد حرمل

المعلمُ هو الركيزة التي تقوم عليها نهضة الأمم، وهو الصانع الحقيقي للأجيال، يحمل على عاتقه أمانة بناء العقول وترسيخ القيم، فيقضي ساعات طويلة امام السبورة، يبذل جهداً مضاعفاً، ويتحمل ضغوطاً نفسية ومهنية لا تُحصى.

لكن المعلم في بلادنا ، يعيش واقعاً مريراً لا يليق بمقامه، إذ يُمنح أجراً هزيلاً لا يغطي أبسط احتياجاته المعيشية، فيصبح معاناةً يومية بين حرصة والتزامه على القيام بواجبه ومتطلبات الحياة ، بينما يُنتظر منه العطاء بلا حدود.

هذا التناقض الصارخ بين ما يقدمه وما يتلقاه جعله يعيش حالة من الإحباط والخذلان، وكأن رسالته السامية صارت مجرد شعارات ترفع في المناسبات، دون ترجمة فعلية على أرض الواقع واوصدت في وجهه كل ابواب الامل في تحسين حالته المعيشية ولم يجد غير الاضراب كوسيلة للتعبير عن معاناته.

وفي مشهد يتكرر في كل بقاع العالم، تمسك أحزاب اليسار بخيوط الاحتجاج الشعبي، وتختار بدقة أنقى أدواتها وأكثرها تأثيراً وهو الإضراب.

ففي البلاد المتقدمة، حين تمتلك تلك الأحزاب زمام المبادرة، فإنها تمسك بخيوط اللعبة من أطرافها الذكية؛ فتستهدف خمس عقد حيوية في جسد الدولة هي سكك الحديد، شركات الطيران، المطارات، الموانئ، والمصارف.

فهذه القطاعات، إن أوقفت نبضها للحظة، أصيبت الدولة بالشلل التام، واضطرت الحكومات إلى الركض خلف النقابات طلباً للتفاوض، خشية انهيار الاقتصاد قبل انهيار المواعيد.

أما في بلادنا ، فتأخذ الأمور منعطفاً آخر أكثر مرارة.

هنا، لا نملك تلك القوة لشل الشرايين الكبرى، أو قد تكون تلك القطاعات محصنة بفعل نفوذها، فيُختار الطريق الأسهل والأكثر إيلاماً وهي المدارس والمستشفيات .

وكأن سلاح الاحتجاج يتحول إلى سيف يقطع حبال الأمل عند أفقر الفقراء، حين تُغلق المدارس في وجوه أطفالنا، بينما يدرس أبناء الأغنياء والمسؤولين في قاعات خاصة لا تعرف للإضراب طريقاً.

فما الجدوى من تعطيل الدراسة، ومن هو المتضرر الحقيقي؟ الحقيقة الموجعة أن الضحية هم أطفالنا، أبناء الفقراء الذين لا يملكون خياراً سوى التعليم العام.

كل يوم تغلق فيه المدرسة، يُسرق من مستقبلهم عام، وتُهدر من أحلامهم خطوة، بينما يواصل أبناء الأثرياء رحلتهم العلمية في هدوء، وكأن الأزمة لا تعنيهم.

والأغرب من ذلك، أن نقابة المعلمين تمتلك ثلاثة أشهر كاملة من العطلة الصيفية، تظل فيها في سبات عميق لا حوارات تجريها، ولا بدائل تطرحها، ولا حلولاً تبحث عنها مع الجهات المختصة.

فلا صوت يعلو، ولا طاولة تفاوض تنعقد. وحين يُشرق أول أيام العام الدراسي، وكأنها ساعة منضبطة، تفاجئ النقابة الجميع بإعلان الإضراب، وكأنه موسم سنوي لا يكتمل فرح العودة إلى المدارس إلا به.

وهكذا، تتكرر الكرة ذاتها عاماً بعد عام، حتى وصل الأمر في السنوات القليلة الماضية إلى تعطيل عام دراسي بكامله، وكأن مستقبل أجيال بأكملها صار رهينةً بطقس احتجاجي متجدد.

غير أن المفارقة الأكثر إيلاماً وقسوة، أن هذه الإضرابات في واقعنا اليوم كثيراً ما تنطلق في ظل حالةٍ من العبث السياسي الموغل، حيث تعيش الدولة بين مطرقة الحرب وسندان السلام المزعوم، في وادٍ ضيق يُسمى “لا حرب ولا سلم”.

هنا، تتجلى المأساة بأجلى صورها؛ فمعظم مؤسسات الدولة إما معطلة بالكامل، أو تتحرك بجسد شكلي خاوٍ من الروح، والاقتصاد يئن تحت وطأة انهيارٍ متوحش توسعت معه رقعة الفقر حتى صار الجوع عنواناً يومياً.

الخدمات الأساسية شبه منعدمة، والرواتب -إن صرفت- تأتي متأخرةً أو غير قابلة للصرف بفعل انعدام السيولة، بل قد تصل إلى الموظفين كسرابٍ لا يروي ظمأً، أو لا تصل أصلاً إلى مستحقيها فتضيع في متاهات المصارف.

وفي خضم هذا الفراغ السياسي المخيف، لا تجد سلطة حاكمة تملك زمام القرار، ولا توجد معارضة سياسية حقيقية تقوم بالاحتجاج وفق الأصول المتعارف عليها في العمل السياسي.

إنها معركة أشباح، إضرابات تُطلق في فضاء فارغ، تتصادم فيها دمى سلطة عاجزة مع دمى نقابات جامدة ، بينما يبقى المواطن الفقير وحيداً في حلبة الخسارة، لا يرى من كل هذه الجلبة سوى أن جوع أطفاله يزداد، وأيام غدهم تضيع في متاهة بلا مخرج.

وكذلك الحال حين تعلن نقابات أخرى إضراباتها في قطاع الصحة أو الخدمات العامة، يظل المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر.

يتوقف المستشفى عن استقبال المرضى، وتنقطع الخدمات الأساسية عن الأحياء الفقيرة، بينما يجد الأغنياء بدائلهم الخاصة، ولا يشعرون بوهدة الأزمة.

في النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي الثقيل الذي لا مفر منه هو في دولة منهكة بهذا القدر، حيث السلطة غائبة والمعارضة غير موجودة ، فمن المخاطب بهذه الإضرابات؟ ومن صاحب القرار الذي يُراد إرغامه على الجلوس إلى الطاولة؟

ربما آن الأوان أن نعترف بأننا ندير ظهورنا للقضية الحقيقية، وننشغل بمعارك وهمية، بينما يدفع الفقراء وأطفالنا الثمن الأغلى من مستقبلهم، في صمتٍ لا يسمعه أحد.

وفي الوقت الذي نؤكد فيه تضامننا الكامل مع حقوق المعلمين العادلة، ونشعر بمدى المظلومية التي يعانونها حيث يمنح المعلم اجرا هزيلا لا يفي بتوفير أدنى مقومات الحياة الكريمة، إلا أننا ندرك أن توقيت المطالبة بهذه الحقوق قد لا يكون ملائماً في ظل عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها في مختلف مناحي الحياة ، مما يجعل صوت الإضراب – رغم مشروعيته – كمن يؤذن في مالطا، ومع هذا وذاك يظل الرهان على ضمير المعلم بانه يسمو على المعاناة وبانه سيضع مصلحة الجيال ومستقبلهم فوق كل الاعتبارات .

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img