“صحيفة الثوري” – (رأي):
أحمد حرمل
آه يا ثعلب الملاعب… أرحلت فنبكيك، أم نبكي الزمن الجميل الذي رحل معك؟ أم نبكي القيم التي دفنتها الأيام تحت ركام الجحود؟
اليوم الجمعة، توقف القلب الذي كان ينبض بكرة القدم، وارتدت المدرجات السواد حزناً على فارس كان يلبس المستطيل الأخضر تاجاً له.
لكن الحزن اليوم أكبر من مجرد رحيل لاعب؛ إنه حزن على عصر كامل، عصر كانت للكرة فيه روح، وللرجال فيه مبادئ، وللجماهير فيه ذوق.
لم تكن مجرد مهاجم في جوف المنطقة، بل كنت شاعراً يلقي قصائده بقدمه اليمنى الساحرة. تلك القدم التي كانت تراوغ المدافعين وكأنها ترسم لوحات على أرضية الملعب، تمضي بهم يميناً ويساراً، ثم تسكن الكرة في الشباك كهمسة عابرة.
وإذا ضاقت بك الأرض، ارتفعت في السماء برأسك الذهبي، ذلك الرأس الذي كان يعلو في عنان المرمى كالصقر المنقض، ليحوّل الكرات البعيدة إلى أهداف مستحيلة، وكأنه يهمس للكرة: تعالي، فهذا بيتك.
وهل ننسى لقبك الشهير “الثعلب”؟ لقد منحك إياه النقاد لأنك كنت تقرأ دفاعات الخصوم ككتاب مفتوح، تكمن في صمت وصبر، ثم تنقض في لحظة غفلة كالبرق الخاطف.
لم تكن تنتظر الكرة، بل كنت تستفزها لتأتي إليك، وبلمحة من عينيك تخدع الحراس، وترسل الكرة في الزاوية الضيقة كالسهم المسموم. كنت شبحاً يمر من بين الحشود، لا يدركه مدافع، ولا يحجزه حارس.
كان الخصوم يحسبون لك ألف حساب، بل ويقضون ليالي السهر لوضع الخطط لإيقافك، فيخصصون لك أكثر من رجل للمراقبة، ويضيّقون عليك المساحات، لكنك كنت كالريح، تأتي من حيث لا يحتسبون.
كنت ترعبهم بلمستك الأولى، وبحركة واحدة من كتفيك تجعل ثلاثة مدافعين يصطدمون ببعضهم، لتترك لهم ظهرك وترحل نحو المجد.
وما أروع تلك الأيام التي كنت فيها نجم الجميع! كم فرحت جماهير فريقك بأهدافك الخاطفة، وكم أهديتهم انتصارات ظلوا يرددونها سنوات طوال.
بل إن جماهير الخصوم أنفسهم، رغم احتراق قلوبهم بهزائمهم، كانوا يقفون تصفيقاً لموهبتك الفريدة، معترفين بأنهم أمام ساحر لا يقاوم.
كنت تجمع القلوب على حبك حتى في ملاعب الغير، فلم تكن مجرد لاعب يهدف، بل كنت فناناً يبهر حتى من يسقطون على يديه.
لكن يا كابتن علي، ما كان أجمل أخلاقك داخل المستطيل الأخضر وخارجه! كنت فارساً نبيلاً، لا تعرف الكبر ولا الغرور، تمد يدك لمن يعثر، وتبتسم في وجه من يعتدي، وتحترم الخصم قبل الصديق.
كنت كبيراً بأهدافك، وأعظم بأخلاقك التي جعلت الجماهير تحبك حتى في ملاعب الخصوم. كنت في الزحام نجماً متواضعاً، وفي النصر فارساً كريماً.
رحلت اليوم… لكن يا للأسف، رحلت في زمن غير الزمن الجميل الذي كنت فيه نجماً وفارساً في الملاعب، لا يشق له غبار.
ذلك الزمن الذي كانت للكرة فيه روح، وللرجال فيه قيم، وللأخلاق فيه مكان.
أما اليوم، فقد أصبح الكبار يُنسَون، والوفاء ضائعاً في زحام الجحود، والتقدير غائباً حتى عن أولئك الذين وهبوا حياتهم للوطن.
رحلت، ورحل غيرك من الأوفياء الأطهار، في زمن انعدم فيه الضمير، وتضاءلت فيه الأخلاق، وصار المجد يُباع بأبخس الأثمان، والإنسان لا قيمة له إن لم يتكئ على منصب أو قبيلة أو منطقة، أو يتسلق فوق جراح الآخرين.
فنبكيك اليوم يا ثعلب الملاعب، أم نبكي معك ذلك الزمن الجميل الذي غادرنا جميعاً؟ نبكي الأخلاق التي كانت عنواناً للرياضة، نبكي الوفاء الذي صار كالمستحيل، نبكي القيم التي ذوت تحت لهيب الأيام.
رحلت أنت، ورحل معك جزء من روح الكرة، ورحل جزء من ذاكرة الوطن الذي كان يعرف كيف يكرم أبطاله.
لكنك، مع ذلك، تبقى استثناءً يشرق في هذا الغسق المدلهم.
كل هدف سجلته في شباك التاريخ سيظل شاهداً على عبقريتك، وكل جمهور هتف باسمك سيظل يردد ذكراك جيلاً بعد جيل.
ستبقى صورة الكابتن علي نشطان محفورة في ذاكرة الكرة اليمنية، ذلك الثعلب الذي لا يُنسى، وذلك الإنسان الذي علّمنا أن اللعبة ليست مجرد كرة، بل فن وأخلاق وروح.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
نبكيك يا ساحر الملاعب، ونبكي معك زماناً كان للرياضة فيه هيبة، وللأخلاق فيه مكان، وللأبطال فيه تقدير لا يُباع ولا يُشترى.
وداعاً أيها الثعلب، وداعاً أيها الزمن الجميل.

