“صحيفة الثوري” – (رأي):
د. وجدان الحربي
الحزب الاشتراكي اليمني… حين يُذكر اسمه، يعلو في بعض النفوس هزيز الخوف، وكأنهم يستشعرون قدوم جيش جرار، أو يترقبون دوي مدفع يهز السكون.
غير أن المدهش، بل المعجز، أن هذا الحزب المدني بحكم نهجه وفكره، لا يمتلك في خزائنه لا مدفعاً يدمدم، ولا دبابة تزحف، ولا رصاصة تصل.
سلاحه المعلن: الحرف النابض، والقلم الشجاع، والكلمة التي لا تخاف سطوة الجلبة.
حزب أدواته: الندوة المفتوحة، والرأي المحترم، والحوار الذي لا يسبقه إقصاء، ورؤيته للعالم لا تحمل على الحراب، بل تُطرح كمشروع ثقافي وسياسي يستقبل النقد كما يستقبل النهر الحجارة، فيذيبها بجريانه.
حزب جوهره الفكر، لا الفرية؛ فإن من يتأمل أوراق الرؤى التي قدمها الحزب في مناسبات عديدة، لا يجد فيها سوى همّ الشعب وخلاص الوطن.
قضيته تحرير الإنسان من ربقة الجوع والجهل والتهميش، لا تحرير أرض على حساب أخرى.
هدفه إقامة دولة المواطنة المتساوية، حيث الحق للجميع، لا لفئة دون أخرى، وحيث العدالة الاجتماعية ليست شعاراً، بل ميزاناً تُوزن به مقدرات البلاد.
إنه حزب يؤمن بأن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، بل هو رحمة تثري الساحة وتكسبها نضجاً.
لكن الأعمق في روح هذا الحزب هو منهجه في التعامل مع الذات والآخر.
إنه ليس حزب الانتقام، ولا حزب الماضي الموبوء بالشحن، بل هو مشروع تصالح وطني بامتياز.
يرى في الآخر شريكاً في المصير، لا خصماً يُراد به الزوال.
وسيلته الغالبة هي الحوار، ذلك الجسر الممتد فوق هوة الفرقة، والذي لا يهاب عبوره مهما كانت العواصف.
يؤمن بأن تسوية الخلافات لا تكون إلا على مائدة نقاش شفاف، حيث تُطرح الأفكار عارية من أي غطاء قوة، وتُفنّد بالحجة لا بالسيف.
إنه يمد يده إلى من خالفه، لا ليمسك بمخنقه، بل ليصافح قلبه ويعبر به إلى ضفة الفهم المشترك، مدركاً أن الوطن المنهك لا يُبنى بالدبابات، بل يُوحّد بموائد الحوار المستديرة.
حين يصطدم مشروع الدولة بقيامات الظلام، هنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى؛ فلم يكن هذا الحزب مجرد نادٍ فكري عابر، بل كان الضربة الموجعة التي اهتزت لها قوى الظلام والتحالف العسكري القبلي الديني.
لم يخف أولئك من عدد أتباعه، بل خافوا من مشروعه؛ لأنه كان يحمل في جوفه رؤية الدولة المدنية الحديثة التي تنسف منطق القبيلة، وتحيل الولاءات الضيقة إلى أطلال، وتضع القانون فوق كل عصبية.
ولذا شنت تلك القوى حربها العدوانية الظالمة عليه.
إن حرب 1994 لم تكن مجرد صراع على الكرسي، بل كانت مواجهة بين مشروعين متباينين؛ مشروع الدولة المدنية الحديثة التي حملها الحزب، ومشروع القبيلة والولاءات الضيقة الذي راهن عليه خصومه.
في تلك الحرب العاصفة، لم يكن الحزب وحده من سُحق على مذبح الحرب، بل سُحق معه –ظلماً وعدواناً– شعب الجنوب، تلك الحاضنة الشعبية الوفية التي نشأ في أحضانها، وترعرع في ربوعها، وتنفس من نبضها.
دفع أولئك الناس ثمن إيمانهم بالدولة الحرة غالياً جداً، حين اجتاحتهم آلة التهميش والعقاب الجماعي، وكأن جريمتهم الوحيدة كانت أنهم آمنوا بدولة القانون، لا بدولة العصبيات، وبالمواطنة، لا بالتبعية.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا هذا الخوف الذي يشبه الهلع؟ الإجابة، برأيي، تكمن في أن الخائفين لا يخافون من قوة الحزب، بل يخافون من معناه وصدى مشروعه الذي لا يموت.
يخافون من الفكرة التي تسير على قدمين، وتتحدث بلسان العقل، وتنشر رايتها في ساحات الرأي العام.
هم يخافون من مرآة العدالة التي يعكسها؛ لأنها تريهم وجوههم في غياب الكرامة الإنسانية، ويخافون من مشروع المواطنة المتساوية؛ لأنه يهدم أسوار الامتيازات الموروثة.
إن خوفهم هو اعتراف ضمني بقوة الفكرة؛ لأن المدافع تُسكت الأجساد وتنهي الحياة، لكن الكلمة توقظ الضمائر وتبدد ظلام الخوف، وأما المسامحة فتهدم جدران القلوب وتزرع مكانها جسوراً من نور لا تنطفئ.
هذا الحزب ليس وليد لحظة عابرة، بل هو امتداد لموجات الحداثة والتنوير، حامل هموم الطبقات المقهورة، وصانع أثر في مسيرة الدولة الحديثة حين كان الوطن يخطو خطواته الأولى نحو المؤسسات.
ورغم ما علق بذاكرته من غبار المعارك السياسية، فإنه اليوم ينهض بثقل التجربة، متجاوزاً ذاته نحو آفاق أرحب، راهناً على العقل الجمعي الذي تعب من فوضى السلاح ومن إفلاس خطاب الكراهية.
في النهاية، يبقى السؤال مشرعاً: هل يظل الخوف مسيطراً على بعض النفوس، أم أن الوطن الذي يئن تحت وطأة الحروب، سيدرك أخيراً أن خلاصه ليس فيمن يملك القنبلة، بل فيمن يملك الحلم، وفي حزب لا يطلب من أبنائه إلا أن يكونوا مواطنين أحراراً في وطن يسع الجميع، يعيدون بناء الدولة التي اغتيلت في 94 على مذبح مشروع القبيلة، ليعلنوا أن الفكرة، وإن سُحق جسدها، تظل خالدة في وجدان من آمنوا بأن الوطن يستحق أن يكون دولة، لا مجرد خرائط ميليشياتية وقبلية متناحرة؟

