صحيفة الثوري – (رأي)
نجيب الكمالي
يتداول البعض مقولة «انتهى الحزب الاشتراكي»، وكأن خسارته للسلطة كانت نهاية قصته. لكن هل انتهى الحزب فعلاً، أم انتهت مرحلة من تجربته؟ وهل سقوط النفوذ السياسي يعني بالضرورة سقوط الفكرة التي حملها؟
لا أحد ينكر أن الاشتراكي تراجع، وأن حضوره اليوم ليس كما كان. وهذه حقيقة لا تحتاج إلى تجميل. لكن السياسة لا تُقاس دائماً بعدد المقاعد أو بحجم النفوذ؛ فأحياناً تكشف الخسارة ما إذا كان الحزب يمتلك شيئاً يتجاوز السلطة.
وعندما نستعيد تجربة الاشتراكي، يصعب اختزالها في سنوات الحكم أو في حرب 1994. فقد جاء من رحم الحركة الوطنية والتحرر من الاستعمار، وحمل معه مشروعاً لبناء مجتمع ومؤسسات دولة حديثة.
في الثلاثين من نوفمبر 1967 انتهى الوجود البريطاني، وبدأ امتحان أصعب: كيف يتحول الاستقلال إلى دولة؟ وكيف تنتقل فكرة التحرير من الشارع إلى المؤسسات؟
كانت تجربة الاشتراكي جزءاً أساسياً من محاولة الإجابة عن ذلك السؤال. حققت إنجازات في التعليم والصحة ومحو الأمية وبناء مؤسسات الدولة، وفي الوقت نفسه لم تكن تجربته خالية من الأخطاء والصراعات التي ينبغي الاعتراف بها عند قراءة تلك المرحلة.
ثم جاءت الوحدة، فكان الاشتراكي أحد طرفيها الأساسيين. لكن الشراكة لم تستمر كما أُريد لها، وانتهت حرب 1994 بإخراج الحزب من السلطة ودخوله مرحلة المعارضة.
وهنا ربما كانت المفارقة الأهم في مسيرته: للمرة الأولى وجد نفسه مضطراً للعمل السياسي من خارج الدولة التي كان جزءاً من بنائها.
انخرط في المعارضة، وكان أحد مكونات اللقاء المشترك، وواصل حضوره في القضايا السياسية والوطنية، وظلت قضية الجنوب والديمقراطية والإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية ضمن اهتمامه.
لكن السنوات تغيرت، واليمن تغير معها.
اليوم يعيش اليمن واحدة من أصعب مراحل تاريخه المعاصر. حرب مستمرة منذ أحد عشر عاماً، وانقسام سياسي، واقتصاد منهك، ومؤسسات تراجعت قدرتها على القيام بدورها. وفي وسط كل ذلك، يبحث المواطن عن راتب، وتعليم، وصحة، وخدمات، وقضاء يستطيع أن يلجأ إليه، وقانون لا يتغير بحسب قوة الشخص الذي يقف أمامه.
هذه ليست مطالب أيديولوجية. إنها أبسط تعريف للدولة.
ومن هنا أعتقد أن قيمة تجربة الاشتراكي اليوم لا ينبغي أن تُبحث في استعادة صور الماضي، وإنما في ما يمكن استخلاصه منه. فالدولة المدنية، والمواطنة المتساوية، والعدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، قضايا لا تزال حاضرة في حياة اليمنيين، بصرف النظر عن الحزب الذي يرفعها.
لكن هذا يضع الاشتراكي أمام مسؤولية خاصة.
فالحزب الذي عاش تجربة الحكم والوحدة والحرب والمعارضة يمتلك مادة سياسية كافية ليراجع نفسه بجرأة: ماذا أصاب؟ أين أخطأ؟ ولماذا فقد جزءاً من جمهوره؟ وكيف يمكن أن يخاطب جيلاً جديداً لا تعنيه كثيراً معارك الماضي بقدر ما تعنيه فرص العمل ومستقبل التعليم وأمن الأسرة؟
هذه الأسئلة أهم من الدفاع عن التاريخ.
فالاشتراكي لن يستعيد حضوره بمجرد تذكير الناس بأنه كان يوماً حزب الدولة. عليه أن يثبت أنه قادر على فهم الدولة التي يحتاجها اليمنيون اليوم.
وهنا يأتي السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:
هل يستطيع الاشتراكي أن يكون جزءاً من استعادة الدولة؟
الإجابة ليست في عدد أنصاره، ولا في حجم تاريخه، وإنما في قدرته على تجديد نفسه وتقديم مشروع سياسي واقعي، وبناء علاقة جديدة مع المجتمع.
لا أعتقد أن استعادة السلطة التي فقدها هي الاختبار الحقيقي أمام الاشتراكي. الاختبار هو أن يتحول من حزب يستند إلى إرثه إلى حزب يستفيد من إرثه.
أن يذهب إلى الناس لا ليحدثهم عن الماضي، بل ليسمع منهم: ماذا يريد العامل؟ ماذا يريد الموظف؟ ماذا يريد الطالب؟ وماذا يريد الشاب الذي لم يرَ في السياسة طوال سنوات الحرب سوى الانقسام والخوف؟
إذا استطاع أن يقدم إجابات عملية عن هذه الأسئلة، فقد يجد لنفسه مكاناً جديداً في المشهد.
أما اليمن، فهو بحاجة إلى شيء أكبر من عودة أي حزب.
بحاجة إلى دولة لا تتبع الشخص، ولا تخضع للسلاح، ولا تُدار بالوساطة، ولا تتحول فيها المواطنة إلى امتياز.
وهنا أعود إلى السؤال الأول: هل انتهى الاشتراكي؟
ربما انتهى الشكل القديم للاشتراكي، كما انتهت مراحل كثيرة من تاريخ اليمن. لكن انتهاء مرحلة لا يعني بالضرورة انتهاء كل ما أنتجته من أفكار وتجارب.
فالاشتراكي لن يستعيد الدولة وحده، لكنه يستطيع أن يساهم في استعادتها إذا استطاع أولاً أن يستعيد قدرته على الفعل السياسي، ويقدم لليمنيين مشروعاً يتجاوز ذاكرة السلطة إلى مستقبل الدولة.
وهذا هو الاختبار الحقيقي: ليس هل يستطيع الاشتراكي أن يعود إلى السلطة، بل هل يستطيع أن يكون جزءاً من عودة الدولة إلى اليمنيين.

