“صحيفة الثوري” – (رأي):
أ.د/ محمد علي قحطان
في مقالات سابقة، أكدت أهمية سعي الحكومة اليمنية وبنكها المركزي لمواجهة التضخم والكساد، من خلال العمل على تعافي سعر صرف العملة الوطنية ومواجهة الفساد، مبيناً الآثار الاقتصادية الإيجابية المتوقع حدوثها على الوضع الاقتصادي والإنساني، وبالأخص في مواجهة انقسام العملة الوطنية والجهاز المصرفي، وبنفس الوقت مواجهة التضخم المرتفع بصورة حادة والكساد الكبير، وإعادة الدورة النقدية والاقتصادية لحالتها التي كانت عليها قبل الحرب القائمة منذ العام 2015.
إلا أن هناك من يرى بأن هذه الدعوة غير صائبة، ويستدل على ذلك بعدم جواز تصحيح سعر الصرف، إذ إن تعافي سعر الصرف مرهون بالإصلاحات الاقتصادية الأخرى التي من شأنها تقوية الوضع الاقتصادي أولاً. إذ إنه، بنظرهم، أن سعر الصرف متغير يعتمد في تغيره على القوة الاقتصادية. كما يرون بأن ما يقوم به البنك المركزي من تحديثات متعلقة بإنشاء شركات، مثل شركة المدفوعات وسجل المتعثرين، سياسة صائبة من شأنها تحديث وتطوير الأساليب الإدارية والتنظيمية للبنك المركزي، أسوة بالاقتصاديات الحديثة. وردنا على ذلك يمكن إيجازه بالآتي:
لا نختلف بأن سعر الصرف يستمد قوته من القوة الاقتصادية، إلا أن سعر صرف العملة الوطنية اليمنية شهد تدهوراً في قوتها الشرائية، ولم يتدخل البنك المركزي لإيقاف التدهور، لظروف عدم قدرته على ذلك في السنوات السابقة. إلا أنه بعد أن تمكن من السيطرة على الجهاز المصرفي من الناحية القانونية والفنية، وما أفرزته تطورات استعادة مؤسسات الدولة نسبياً، صار بإمكانه التدخل لإعادة التوازن بين القوة الشرائية للدخل وسعر صرف العملة الوطنية؛ أي العودة بالوضع إلى الحالة التي كان عليها قبل الحرب.
الأمر الذي سيكون له بالغ الأثر في مواجهة الانقسام في العملة الوطنية والجهاز المصرفي، وخلق قدر من التوازن بين سعر الصرف والقوة الشرائية لدخول المواطنين، وبالأخص أصحاب الدخول المحدودة، والتخفيف من معاناتهم، وبنفس الوقت رفع مستوى القوة الشرائية للمواطنين، الأمر الذي سيكون له أثر إيجابي في مواجهة التضخم والكساد.
وفي حالة تراجع معدلات التضخم والكساد المرتفعة، لا شك سيرتفع مستوى الطلب على السلع والخدمات، وبالتالي تحفيز المنتجين والمستثمرين لزيادة نشاطهم الإنتاجي والاستثماري، والدفع بالاقتصاد نحو حالة الانتعاش، تمهيداً للاتجاه نحو حالة الازدهار التي تشير إلى عودة الاقتصاد إلى حالة من التوازن التي كان عليها قبل التدهور والانهيار.
ولا ننسى بأن البلد تعيش حالة حرب، ومن الطبيعي أن الدولة في حالة الحرب توجه قدراتها المادية والبشرية لدعم المجهود الحربي. إلا أن ذلك يتطلب حضوراً قوياً للدولة للحفاظ على حياة مقبولة للناس، وذلك من خلال مواجهة حالة التضخم التي عادةً ما تخلقها ظروف الحرب.
ومتابعاتنا للوضع القائم تعطينا إمكانية القول بأن البنك المركزي اليمني، بالظروف التي يعيشها حالياً، يستطيع الاستمرار بسياسة التعافي لسعر صرف العملة الوطنية التي انتهجها، وحقق نجاحاً ملموساً بصورة جيدة، وكان بإمكانه الاستمرار بهذا النهج حتى يعيد للعملة الوطنية تعافيها الذي استقرت عليه في مناطق سيطرة الحوثيين، على الأقل.
كما لا ينبغي تجاهل العلاقة الطردية بين سعر صرف العملة الوطنية والقوة الشرائية للمواطنين في بلد يعتمد بصورة شبه كلية على السوق الخارجية لتلبية الاحتياجات.
كما لا ننسى تأثير حالة الانقسام في الجهاز المصرفي والعملة الوطنية في الدورة النقدية والاقتصادية، الأمر الذي يحتم مواجهة هذا الانقسام قبل الإقدام على تحديث نظم العمل المصرفي، أسوة بالاقتصاديات الطبيعية والحديثة والمتطورة، حتى تستعاد الدولة وينتهي الانقسام في مؤسساتها المالية والمصرفية.

