آخر الأخبار

spot_img

بالمصالحة الوطنية وإنصاف الحقيقة، يُترك الماضي للتاريخ والتفرغ للمستقبل

“صحيفة الثوري” – (رأي):

اللواء علي حسن زكي

إن المواطن لم يعد اليوم منشغلاً بالماضي الذي يحاول البعض نبشه واستحضاره، سواء ماضي ما قبل 30 نوفمبر 1967م، الذي تم إغلاقه مع مسماه (الجنوب العربي) بالثورة والاستقلال وإعلان وبناء الدولة (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ولاحقاً جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، أو ماضي المنعطفات المؤسفة لما بعد قيام الدولة، التي تم إغلاقها بالتصالح والتسامح. وفي الحالتين، فإن من يحاولون النبش والاستحضار لا يفعلون ذلك للعبرة والاستفادة، وهو أمر طيب، ولكن –للأسف– من أجل الفرقة والتمزيق وتصفية حسابات سياسية ماضوية، واستدعاء مسمى الماضي لإسقاطه على مسمى الدولة التي تم الدخول بها إلى الوحدة، وقبل استعادتها، ليتم أولاً استعادة الدولة، وشعب الجنوب هو من يقرر مسماها.

لم يعد المواطن الجنوبي منشغلاً بكل ذلك، بقدر انشغاله بأمور حياته وضائقته المعيشية والخدمية، بل وبأمنه وسكينته، بفعل انتشار المخدرات لإفساد جيل الشباب، وظاهرة الجريمة الجنائية نتيجة تأثير المخدرات على متعاطيها، والفقر والعوز والمجاعة. ناهيك عن الجريمة السياسية المنظمة والاغتيالات الإرهابية التي شهدتها مؤخراً بعض ضواحي المنصورة، ودقة التخطيط والإعداد والتغطية لها، وتتبع الضحايا وتنفيذها، وعلى نحو ما ورد في اعترافات المتهمين الذين ضبطهم أمن عدن، والتي له تُرفع القبعات.

لقد ملّ الناس حكايات الماضي ومسمياته، وصاروا يتطلعون إلى إخراجهم من جحيم معاناتهم التي تتضاعف يوماً تلو الآخر، ويتوقون إلى استعادة وبناء مستقبلهم في ظل دولة مؤسسات، ومؤهلات، وكفاءات، وخبرات، ونظام، وقانون، وأمن، واستقرار، وسيادة، وقرار وطني مستقل، ومعيشة كريمة، وخدمات أساسية، وأسعار مستقرة، وقيمة شرائية للعملة المحلية، وتنمية مستدامة، وعدالة اجتماعية، ومواطنة متساوية، وتحسين مستوى دخل الفرد، ومرتبات مجزية، ووظيفة عامة. فالناس تأكل عيشاً، وليس اجتماعات ووعوداً.

إن تحقيق كل ذلك لا يمكن له أن يتحقق دون ترك الماضي للتاريخ، والتفرغ للمستقبل، وبالمصالحة الوطنية الجنوبية، باعتبارها أساس وحدة الصف والشراكة، وآلية نفاذ التصالح في الواقع، وإنصاف الحقيقة، وأن يتحمل كل طرف مسؤوليته فيما نتج عن تلك المنعطفات.

ليس الرئيس عيدروس مسؤولاً بمفرده، كما يحاول البعض، ولكن كل قيادة المجلس الانتقالي مسؤولة عن أحداث يناير من هذا العام 2026م، التي نالت من قدرات القوات الجنوبية عدةً وعتاداً، بفعل خارجي، وتشظي القيادة بين الرياض وأبوظبي، بل ومن تراجع الشعار النضالي في مليونيات شعب الجنوب المهيبة، فبدلاً من شعار: «يا عيدروس أعلنها دولة»، أصبح الشعار: «تجديد العهد والوفاء للرئيس عيدروس»، مع المطالبة بعودة الموجودين في الرياض.

وعلى صعيد معاناة الناس، يقود اتحاد نقابات عمال الجنوب تصعيداً نضالياً رفضاً للمعاناة، ودفاعاً عن الحقوق والمرتبات، واحتجاجاً على سوء أحوال المعيشة والخدمات.

إن محاولة نكء الجراح، بعد أن تم تضميدها وإغلاقها بالتصالح والتسامح عام 2006م، قد تسللت من ثغرة عدم إنفاذه بالمصالحة وإنصاف الحقيقة، ومن عدم تفعيل مبدأ ثقافة الحوار بعيداً عن التخوين والعمالة، وغياب رؤية سياسية جنوبية توافقية تستوعب المستجدات الإقليمية الراهنة وآفاق متغيراتها، وكذلك عدم وجود صيغة جبهوية تضم المكونات المدنية والشخصيات الفاعلة في الساحة، وفي مقدمتها كيان المجلس الانتقالي الوازن في المعادلة الوطنية الجنوبية، بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وعن القبلية والمناطقية والجهوية التي لا مكان لها في عصر الحداثة والتغيير، وتحت سقف هدف تحقيق تطلعات شعب الجنوب وأهدافه الوطنية، وتقرير مصيره، واستعادة دولته، فحركة التاريخ لا تنتظر المترددين.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img