صحيفة الثوري – (مقال رأي)
د. مصطفى ناجي الجبزي
نالت مدينة المخا الساحلية الواقعة غرب تعز نصيباً أكبر من صواريخ ومسيرات الحوثيين، إذ قارب عدد الصواريخ الباليستية التي سقطت على المدينة الساحلية الواقعة غرب تعز 40 صاروخاً، وما يزيد على 15 «مطيرة» انتحارية. وتأتي هذه الزخات بالتزامن مع عمليات عسكرية حوثية في البحر، عبر استهداف سفن بالصواريخ أو استخدام زوارق مفخخة، ما خلف ضحايا مدنيين وعسكريين، بينهم جنسيات غير يمنية.
فلماذا يكثف الحوثيون استهدافهم للمخا؟
سنجيب عن هذا السؤال من خلال مقاربته عبر خمس نقاط:
1. المخا عقدة استراتيجية
تقع مدينة المخا في الجنوب الغربي لليمن، وتطل على البحر الأحمر، وهي من أكبر المدن اليمنية وأقربها إلى باب المندب، وتربط أكثر محافظات الجمهورية كثافة سكانية ؛تعز، بالبحر والتبادل الموانئي. وقد استفادت من مشاريع خدمية في الآونة الأخيرة رفعت من كفاءة الميناء، وقدمت للمدينة مطاراً دولياً جديداً لم يعمل بعد.
إلا أن المدينة/الميناء، التي اتسعت في السنوات الأخيرة واحتضنت الآلاف من اليمنيين من مناطق مختلفة، ليست مجرد مدينة ساحلية ذات سواحل خلابة ونشاط صيد. فهي واحدة من أهم مدن الساحل الغربي اليمني على البحر الأحمر، وتنافس موانئ بحرية أخرى مثل الحديدة والصليف.
لكنها من الناحية العسكرية تعد واحدة من أهم قلاع القوات المناهضة للجماعة الحوثية، التي نشأت في سنوات الحرب بدعم إماراتي وتدريب رفيع. بهذا، فإنها تمثل السهم المباشر لجبهة الحديدة ومركز عمليات خطوط المواجهة في هذه الجبهة.
فضلًا عن أنها تحظى بميناء ذي قدرات تشغيلية عالية نسبياً، مدنية أو عسكرية، وكذلك مطار دولي، فهي مركز خطوط الإمداد الرئيس للقوات الموجودة في المخا وما بعد الخوخة، من تشكيلات عسكرية وأمنية متعددة المشارب تعمل تحت لواء حراس الجمهورية، سبق وأن كانت بعض وحداتها على مشارف ميناء الحديدة.
فهل يستهدف الحوثيون المخا لإضعاف المدينة، أم لمنع تحولها إلى منصة لهجوم أوسع باتجاه الحديدة؟
2. تعطيل الإمداد
تخشى الجماعة الحوثية من عملية عسكرية باتجاه ميناء ومدينة الحديدة، ستكون، بالطبع، منطلقة من القوات المتمركزة في المخا في محافظة تعز والجبهات المتقدمة بعد الخوخة في أقصى جنوب الحديدة. وبالنظر إلى المعطيات أعلاه، فإن كثافة هذا الاستهداف تأتي ضمن تكتيك لاستهداف المنشآت والمخازن ومرافق الميناء، بما يمثل قطعاً مبكراً لخطوط إمداد محتملة لعملية عسكرية واسعة.
3. استباق معركة الحديدة
تدرك الجماعة غياب استخدام سلاح تكتيكي من طرف الحكومة قادر على الوصول إلى قلب مناطق سيطرة الحوثيين، رغم الحديث عن وحدة المحاور ومركزية العمليات العسكرية. ومن خلال هذه العملية الشديدة والمتلاحقة في غضون أيام قليلة، يمتحن الحوثيون مقدار الترابط بين جبهات الحكومة. وتكثيف القصف محاولة لعزل القوات المرابطة هناك عن بقية الجبهات، التي إن لم تشكل ضغطاً هجومياً، تضع قوات المخا في عزلة ومواجهة منفردة.
في الحقيقة، الحوثيون لا يختبرون فقط قدرة القوات الحكومية على الرد، بل يختبرون قدرة الحكومة والقوى المناهضة لهم على تنسيق الرد، وحجم الدعم السياسي والعسكري الذي يمكن أن تحصل عليه المخا عند تعرضها لضغط متصاعد.
إلى اللحظة، تمثل فيها الاستجابة الإعلامية المدروسة لقوات المخا نقطة قوة، تبدد دلالات القصف الحوثي، وتثبت الترابط المعنوي بين مختلف القوات الحكومية المناهضة للحوثيين.
4. الردع والمقايضة
لا أظن أن رغبة الحوثيين تقتصر على منع هجوم وشيك، أو منتظر على الأقل، على الحديدة، بل يريدون إيصال رسالة مفادها أن أي تحرك عسكري على سواحل غرب اليمن ستكون له كلفة على المدن والمنشآت الواقعة خلف خطوط المواجهة. وبهذا تولد الجماعة الحوثية ورقة ردع قبل اندلاع أي معركة واسعة.
فالقصف تكتيك لتكوين أوراق تفاوضية مسبقة، بحيث يصبح تدمير المنشآت الحيوية على الساحل ورقة يمكن استخدامها لاحقًا في أي ترتيبات لوقف التصعيد أو تبادل الضربات على المنشآت الحيوية. وربما تكون ورقة التفاوض مندرجة في هدف تسريع العمل بخارطة الطريق وإعادة فتح مطار صنعاء.
5. اختبار الموقف السعودي
هناك بُعد سياسي حساس من وراء القصف،ك الذي يمكن قراءته على مستويين: الأول عسكري، تناولناه أعلاه، وقلنا إنه يتمثل في تعطيل الميناء والمطار والمخازن وخطوط الإمداد، وعزل قوات الخطوط الأمامية عن مراكز القيادة في المدينة.
لكن هناك مستوى سياسي آخر، بمقتضاه الضربات الحوثية هي اختبار فعالية الغطاء السعودي لقوات طارق صالح، وإثبات أن خروج الإمارات سيؤدي إلى فراغ في الحماية والدعم.
والغرض من ذلك هو قضم الثقة التي تنمو بين قوات المخا والمملكة بصفة خاصة، وبين القوات الحكومية والمملكة العربية السعودية بصفة عامة، لا سيما بعد اقتصار العلاقة في التحالف مع السعودية.
من صفحة الكاتب على منصة إكس:

