آخر الأخبار

spot_img

نبش الماضي والرهان على الخارج، لا يعيد دولة ولا يبني وطنًا

صحيفة الثوري – (مقال رأي)

اللواء علي حسن زكي

إن بعضنا قد توقّف عقله عند مسمّى نهاية ستينات القرن الماضي اتحاد “الجنوب العربي” الذي كانت بريطانيا قد أنشأته عشية استعدادها للخروج من عدن، وتأليفه من سلطنات وإمارات ومشيخات ما كانت تسمى بالمحميات الغربية دون الشرقية: سلطنتي الكثيري والقعيطي حضرموت والمناطق الشرقية الأخرى.

ولا يزال هذا البعض مسكونًا به ويريد استحضاره في واقع اليوم وخطابه السياسي والإعلامي، ومع علمه أن “ماء النهر لا يتكرر مرتين، وحركة التاريخ لا تعود إلى الوراء”، وأن ذلك فقط يسيء إلى نضالات وتضحيات شعب الجنوب ومنجزاته الوطنية والتاريخية وثورته ١٤ أكتوبر ٦٣م المجيدة واستقلاله الوطني ٣٠ نوفمبر ٦٧م، ودولته الوطنية على كامل التراب الوطني الجنوبي الواحدة الموحّدة من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا بعد ليل من التجزئة والتفكيك إلى كيانات قام على بعضها اتحاد “الجنوب العربي”.

ولكل ذلك يكون من نوافل القول: أي شعب هذا الذي يراد له أن يكون قد ظل بدون هوية وتاريخ وثورة ودولة على مدى ستون عامًا ٦٧-٢٠٢٦م حتى اليوم، يتم البحث له عن هوية ودولة بمسمّى ماضوي لا بمسمّاها وبمركزها القانوني الدولي والإقليمي ومقعدها وتمثيلها الدبلوماسي وحدودها الدولية السياسية والجغرافية المتعارف عليها دوليًا حتى ٢٢ مايو ١٩٩٠م.

ناهيك عن كون المسكونين بنبش الماضي ربما يرومون من خلال ذلك إدانة تاريخ الثورة والاستقلال وبناء الدولة الوطنية المهابة بتجربتها الفريدة المشهود لها، وكما لو كان ذلك خطيئة.

وعلى صعيد متصل بنبش الماضي، هناك من يريد نبش ماضي المنعطفات التي مرّت بها التجربة ٦٩-٧٨-١٩٨٦م، وهو ما يتم وبخبث سياسي ويتلقفه آخرون ويؤجّجونه بطريقة غير مباشرة قد تكون ببراءة، من خلال تكرار الحديث عن مثلث شرقي والمقصود به أبين وشبوة، ومثلث غربي وأبناء المثلث والمقصود به ردفان ويافع والضالع، وفي استحضار مقيت للماضي.

وضدًا على التصالح والتسامح والتضامن الجنوبي الذي انطلق من جمعية ردفان يوم ١٣ يناير ٢٠٠٦م وقيمه الإنسانية وثقافته الحضارية، وطالما ظل مجرد خطاب دون تجسيد في الممارسة والسلوك في الواقع العملي الملموس.

إن نبش الماضي والرهان على الخارج لا يعيد دولة ولا يبني وطنًا ولا يحقق استقرارًا للشعب وحقه في الحياة الحرة والعيش الكريم، بل يزيد المشهد تعقيدًا ويرسّخ التشظي والتجزئة، بما أن الوطن أيضًا لا يحتاج لولاءات خارجية، بل يحتاج لوحدة أبنائه، فبهم سينتصر.

من هنا ولأسباب سنذكرها تاليًا، فضلًا عن أسباب خارجية ومآربها، يمكن فهم انتشار المكونات ومشاريع الهويات الصغيرة على حساب الهوية الجامعة بحثًا عن الذات المحلية.

إن مشاورات الرياض على طريق الحوار الجنوبي الجنوبي، وعلى أهمية الحوار بشكل عام كقيمة إنسانية وحضارية، غير أنه وفي ضوء ما أسلفنا ذكره، قد جاء تعبيرًا ولا ريب عن البحث عن تأمين الذات المحلية، وإلا فلماذا الحوار البيني طالما كان الجنوب وطن كل أبنائه وفي مصلحته مصلحتهم، غير أن ما يجري بعكسه يأتي لأسباب:

غياب المشروع / الرؤية الوطنية الجامعة التي تحدد مهام الحاضر وكيفية إنجازها، ومهام المستقبل وشكل الدولة وسيادتها وقرارها الوطني المستقل ووظائفها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وسياستها الخارجية ومكانة المرأة وضمانة الحقوق والحريات العامة والخاصة، ويرسل تطمينات للمجتمعات المحلية: أين سيكون مكانها وحقها في إدارة ذاتها وشؤونها بأبنائها بعيدًا عن أي هيمنة.

غياب تفعيل قيم وثقافة التصالح والتسامح وتجسيدها في الممارسة والسلوك في الواقع العملي الملموس.

غياب وحدة الصف واصطفاف وطني فاعل، ومؤشرات شراكة ندّية ومتوازنة بعيدًا عن الإقصاء والتهميش، وتأليف جبهة وطنية من كل ألوان الطيف الجغرافي والمجتمعي والمدني والسياسي، وفي مقدمتهم المجلس الانتقالي، كحامل للمشروع الجنوبي الجامع حتى إنجاز مهامه وحل قضية شعب الجنوب واستعادة دولته.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img