“صحيفة الثوري” – (راي وتحليلات)
خاص | للثوري والاشتراكي نت:
حافظ الشجيفي
حين يتأمل المرء تفاصيل المشهد اليومي في مدينة عدن، يدرك على الفور حجم المعاناة الحقيقية التي يكابدها السكان في تفاصيل حياتهم الأساسية، حيث تتحول الخدمات الحيوية من حقوق بديهية إلى تحديات يومية بالغة التعقيد، تشغل بال المواطن وتستنزف طاقته وقدرته على العيش المستقر وبناء واقع مدني طبيعي. ويقودنا التحليل العميق للأوضاع الخدمية الراهنة إلى معاينة أرقام وحقائق تجاوزت حدود العجز الفني والتقني المعتاد، لتتحول إلى معضلة مزمنة تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاجتماعي، وتضع حياة الناس اليومية تحت حدَّي ضغوط إدارية وتنفيذية غير مبررة، تتطلب مراجعة شاملة وسردًا زمنيًا دقيقًا للوقائع القائمة على الأرض، وتفنيد المبررات الرسمية التي لم تعد تقنع الشارع، الذي يطالب بأبسط مقومات الحياة المعيشية.
ويعود بنا المسار التاريخي للمنظومة الخدمية إلى محطة مفصلية عقب أحداث عام ألفين وخمسة عشر، وتحرير المدينة من قوى الانقلاب الحوثية، حيث كانت حينها المحطة الكهربائية البخارية في مدينة الشعب تمثل المنشأة التوليدية الوحيدة التي تعمل في عدن، وتغذي أحياء المدينة ومساكنها بالتيار الكهربائي. وعلى الرغم من محدودية الإمكانيات الفنية والتقنية في ذلك الوقت الفاصل، فقد كان البرنامج التشغيلي يسير بنسق يتسم بالاستقرار النسبي، إذ كان التيار يعمل لمدة ثلاث ساعات كاملة مقابل ساعتين فقط ينقطع فيهما عن مساكن المواطنين، وهو وضع كان يمكن البناء عليه لتطوير المنظومة وتحديثها تدريجيًا، تلبيةً للاحتياجات السكانية المتزايدة في المدينة.
بيد أن التطورات التي شهدها قطاع الطاقة، بعد مرور ستة أعوام كاملة على الوضع المذكور، جاءت غريبة ومغايرة للتوقعات التقنية، حيث جرى إدخال محطة توليدية جديدة إلى الخدمة، وهي محطة الرئيس، التي صممت للعمل بالنفط الخام. وكان الهدف المعلن من إنشائها يتلخص في سد الفجوة التوليدية القائمة وإنهاء ساعات الانقطاع الساعتين، غير أن الواقع العملي أسفر عن نتيجة عكسية تمامًا، إذ اتسعت الفجوة بدلًا من ردمها، وشهد برنامج التشغيل تراجعًا ملحوظًا، ليصبح التيار يعمل لمدة ساعتين فقط مقابل أربع ساعات كاملة من الانقطاع المستمر، دون تقديم تفسيرات فنية مقنعة للمستهلكين الذين كانوا ينتظرون تحسنًا ملموسًا في الخدمة.
ولم تتوقف المفارقات عند الحد الموصوف، بل تكررت بصورة أوضح بعد مضي سنتين إضافيتين، عندما تم تزويد المنظومة بمحطة جديدة تعمل بالطاقة الشمسية، بغية تقليص الفجوة الآخذة في الاتساع بين ساعات التشغيل والانقطاع، إلى جانب الاستعانة بالمحطة القطرية وتوليد الطاقة المستأجرة المكملة. وحينها كان من المفترض، هندسيًا وسياقيًا، أن يتراجع العجز بوضوح، لكن المحصلة الإدارية والتشغيلية جاءت على النقيض تمامًا، ليزداد العجز عمقًا، ويستقر البرنامج منذ ذلك الوقت على تشغيل لمدتين لا تتجاوزان الساعتين، وفي كثير من الأحيان أقل من ذلك بكثير، مقابل ست ساعات متواصلة أو يزيد من الانقطاع التام للتيار الكهربائي عن المنازل والمنشآت الحيوية.
وقد بلغ التردي الخدمي في المنظومة الكهربائية ذروته الكارثية خلال الصيف الحالي من عام ألفين وستة وعشرين، حيث وصلت فترات الانقطاع إلى ثمان ساعات متواصلة كحد أدنى، مقابل ساعتين فقط من التشغيل، الأمر الذي يكشف النقاب عن علاقة عكسية غير منطقية تخالف أبسط القواعد الفيزيائية والهندسية المعتادة. فكلما تضاعفت المحطات الإنتاجية، وزادت القدرة التوليدية النظرية في عدن، ارتفعت بالمقابل فترات الانقطاع، وغابت الخدمة الفعلية عن السكان عوضًا عن تراجعها وصولًا إلى التشغيل الكامل على مدار الساعة، مما يضع علامات استفهام كبرى حول كفاءة الإدارة والتشغيل لقطاع الطاقة.
ويتضح من خلال القراءة الفاحصة لدفتر الأحداث والوقائع عبر السنوات الأخيرة أن المعضلة لا تكمن في عجز بنيوي دائم في منظومات الكهرباء، بل ترتبط بآليات الإدارة والتوجيه ومستويات الجاهزية التشغيلية التي تتبدل تبعًا لظروف متباينة. ويسجل التاريخ المعاصر شواهد واضحة على قدرة الشبكة على العمل بأقصى كفاءة، وتلبية احتياجات المواطنين متى ما توفرت الإرادة الإدارية والقرار التنفيذي الحاسم. ويظهر في السياق ما شهدته المدينة في عام ألفين وثمانية عشر، عندما لم تكن محطة الرئيس قد دخلت الخدمة بعد، وحينها شهدت الشوارع احتجاجات شعبية غاضبة وعارمة تعبيرًا عن الرفض المطلق لتردي الخدمات، مما دفع السلطات المسؤولة فورًا إلى تشغيل المحطة البخارية الوحيدة بمدينة الشعب بكفاءتها القصوى، لتستمر في تزويد المدينة بالتيار لمدة ثلاثة أيام كاملة دون انقطاع لثانية واحدة، بمجرد استشعار الضغط الشعبي المتزايد وحاجته للطمأنينة والاستقرار.
ويتأكد الأسلوب الإداري المذكور بتتبع الأحداث خلال ذات العام والعام الذي تلاه، وتحديدًا إبان الاضطرابات الأمنية والعسكرية العنيفة في المدينة. ورغم ظروف المواجهات واشتعال الأحداث العسكرية في قلب الأحياء بين حكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، استمر تدفق التيار الكهربائي إلى المنازل والمنشآت دون أي انقطاع يُذكر لمدة أسبوع ونصف كاملة، مما قدم دليلًا حيًا وملموسًا على أن المنظومة لا تعاني من اختلالات فنية مستعصية، وإنما تخضع لعمليات تحكم وتوجيه متباينة الأهداف والمقاصد تبعًا للمتغيرات القائمة في المشهد العام. كما ظهرت آليات التشغيل المفاجئ المرتبطة بالمناسبات العامة والزيارات الرسمية قبل عامين، عند عودة القيادات والمسؤولين من الخارج وجولاتهم في المحافظات، حيث دارت عجلة المنظومة بصورة مباغتة لساعات طويلة، على نحو مغاير تمامًا للمعتاد والمألوف، واستمر الاستقرار العالي لمدة ثلاثة أيام متتالية، لتشهد الشبكة، فور انتهاء الزيارة، انتكاسة سريعة وعودة فورية إلى برامج الانقطاع الطويلة التي تؤرق كاهل المواطنين.
وتكرر المشهد في عام ألفين وستة وعشرين الحالي بأسلوب يثير الدهشة، بعد حدوث التغيرات الإدارية الأخيرة، حيث لمس المواطنون خلال فصل الشتاء الماضي طفرة كهربائية واستقرارًا غير مسبوق في الخدمة، بلغت فيه ساعات التشغيل المستمر ست عشرة ساعة في اليوم دون انقطاع، وهو أمر استُغل في حينه لإجراء مقارنات تهدف إلى تحميل أطراف معينة مسؤولية الفشل الخدمي السابق، في حين كانت فصول الشتاء في الأعوام المنصرمة تشهد انقطاعات مريرة تصل إلى ست عشرة ساعة كاملة في عز البرد، مما يطرح تساؤلًا عقلانيًا حول سر الاستقرار الشتوي المفاجئ الذي تبدد سريعًا، ليعود الانقطاع ويتفاقم بشكل مرعب في الصيف اللاهب الحالي، تزامنًا مع تزايد التمسك الشعبي بالحقوق والمطالب العامة والالتفاف حول القضايا الأساسية للشعب.
وتأسيسًا على الوقائع السابقة، يتبين أن المصفوفة المتكررة من المبررات والحجج التي تسوقها الجهات التنفيذية المعنية بقطاع الطاقة، مثل النقص الحاد في الوقود، أو تأخر وصول الشحنات البحرية، أو قيام بعض الجهات ببيع مخصصات الديزل والمازوت في السوق الموازية لتحقيق مكاسب مالية، أو إقدام مجموعات على احتجاز ناقلات النفط القادمة من محافظة حضرموت في الطرقات الطويلة، لم تعد مبررات مقنعة أو قابلة للتصديق لدى الشارع، بل يُنظر إليها كأدوات لتغطية القصور الإداري وسياسات الضغط الخدمي التي تؤثر سلبًا على حياة المواطن، وتستهدف مقايضة متطلباته الحياتية اليومية بالالتزامات المعيشية الأساسية، في وقت يتطلع فيه الناس إلى حلول جذرية تنهي معاناتهم مع صيف قاتل يهدد سلامة الأطفال والمرضى وكبار السن.
ولم تكن خدمة المياه في عدن بعيدة عن المعاناة ذاتها، بل إنها تفوق قطاع الكهرباء في الأثر المباشر على مقومات الحياة اليومية، حيث تتبع إدارة المياه آلية ضخ مجحفة لا تصل بموجبها المياه إلى مديريات المدينة إلا مرة واحدة كل ثلاثة أيام. والمثير للاستغراب أن عمليات الضخ تتم خلال فترات الليل المتأخرة جدًا، في سلوك غريب يربطه المواطنون بآليات تشغيل غير واضحة المعالم، على الرغم من إمكانية وجاهزية الضخ أثناء ساعات النهار، دون عوائق فنية حقيقية تحول دون وصول المياه للمشتركين بكرامة ويُسر.
وتتجلى الأزمة المركبة في الارتباط الوثيق بين قطاعي المياه والكهرباء، إذ يتعذر وصول المياه إلى الشقق السكنية والمنازل الواقعة بدءًا من الدور الثاني في البنايات، وكذا الأحياء المرتفعة على التلال والجبال، إلا عبر استخدام مضخات ومحركات دفع كهربائية قام المواطنون بشرائها على نفقتهم الخاصة. وبسبب انقطاع التيار الكهربائي ببرامج طويلة ومستمرة، تظل المياه غائبة ومعدومة تمامًا عن المنازل حتى في الأيام المخصصة لضخها، مما يضاعف المعاناة والجهد المالي والبدني على العائلات التي تجد نفسها محاصرة بين غياب الطاقة وانعدام شريان الحياة الأساسي.
وتشهد العديد من الأحياء الشعبية المتفرقة في عدن انقطاعًا تامًا للمياه يمتد لأسابيع متواصلة، تحت ذرائع واهية ومختلفة، الأمر الذي يضطر السكان والأسر والتشكيلات المجتمعية إلى تحمل مشقة نقل المياه وحملها من مسافات بعيدة جدًا، أو الاستعانة بمياه المساجد، أو شرائها بأسعار مرتفعة من الأسواق، مما يؤكد أن معضلة المياه تسير بالتوازي مع أزمة الكهرباء، وتدار بذات العقلية الإدارية القاصرة.
ويمتد التوصيف الخدمي الكارثي والتعطيل الإداري المرصود في قطاعي الكهرباء والمياه ليشمل كافة القطاعات الخدمية الأخرى في المدينة دون استثناء، وبخاصة قطاع الصحة العامة، وتدهور المستشفيات الحكومية، وقطاع التعليم، وغيرها من الخدمات الحيوية المرتبطة بالاستقرار المعيشي والمدني. وهي أزمات ناتجة، في جوهرها، عن الفساد وسوء الإدارة وغياب الإرادة الصادقة والنوايا الحقيقية لإصلاح الاختلالات الهيكلية وتوفير العيش الكريم للمواطنين، الذين يتطلعون إلى غد أفضل تتكامل فيه الجهود لتجاوز عثرات الماضي وبناء واقع خدمي مستدام يحترم إنسانية الإنسان، ويلبي تطلعاته المشروعة في الاستقرار والنماء والازدهار المعيشي، بعيدًا عن المناورات والمكايدات السياسية والإدارية الضيقة.

