آخر الأخبار

spot_img

التفاوضية الجديدة”.. هل يعيد الخليج تعريف دوره الإقليمي

“صحيفة الثوري” – خاص:

تحليل: خليل الزكري

الخروج من فخ الثنائيات

غالبا ما يجري تناول موقع دول الخليج في الشرق الأوسط من خلال ثنائيات حادة: دولة وظيفية أو دولة فاعلة، تبعية أو استقلال، طرف يُعرّف الإقليم أو طرف تفرض عليه تعريفات الآخرين.
تكمن مشكلة هذه المقاربات في أنها تفترض أن النظام الإقليمي يصاغ من مركز واحد، وأن الفاعلين الآخرين يتحركون بين موقعين لا ثالث لهما.
بيد أن المشهد الإقليمي الذي تشكل خلال العقد الأخير يبدو أكثر تعقيدا، حيث تتوزع القوة بين مستويات متعددة، وأدوات التأثير لم تعد تقتصر على التفوق العسكري.
كما أن تعريف الأولويات الأمنية والاقتصادية بات نتيجة تفاعل مستمر بين أطراف متفاوتة القدرة، وليس قرارا يصدر من عاصمة واحدة ثم يجري تعميمه على الجميع.
لذلك قد يكون السؤال الأجدى هو: ما حجم التأثير الذي تمتلكه دول الخليج في تشكيل البيئة الإقليمية؟ وأين تبدأ حدود هذا التأثير وأين تنتهي؟
لفهم ذلك، يمكن النظر إلى الشرق الأوسط بوصفه نظاما غير متجانس، ففي المجال الأمني الصلب ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بأكبر قدرة على الحسم العسكري وبنية الردع.
في المقابل تتوزع مراكز التأثير الاقتصادي والدبلوماسي بصورة أوسع بين قوى إقليمية ودولية متعددة، تشمل دول الخليج والصين وتركيا وإيران وروسيا.
ومن هذا التداخل تنشأ مساحة تفاوضية مستمرة حول شكل النظام الإقليمي واتجاهاته.
وربما تكمن السمة الأبرز للمشهد الخليجي الراهن في ما يمكن تسميته بـ”التفاوضية الجديدة”. فالتأثير هنا لا يقاس بقدرة الدولة على فرض إرادتها، وإنما بقدرتها على منع تجاهل مصالحها، وتعديل بعض الشروط، وفرض حضورها على طاولة التفاهمات الإقليمية والدولية.

إعادة التفاوض على العقد القديم

قامت العلاقة الخليجية الأمريكية لعقود طويلة على معادلة واضحة، تتمثل في استقرار أسواق الطاقة مقابل المظلة الأمنية الأمريكية.
وجرى توصيف هذه العلاقة في كثير من الأدبيات السياسية باعتبارها نموذجا لـ”الدولة الوظيفية”، حيث يرتبط الوزن الإقليمي للدولة بالدور الذي تؤديه داخل استراتيجية القوى الكبرى.
إلا أن التحولات الاقتصادية التي شهدتها المنطقة أعادت تشكيل طبيعة هذه العلاقة، مع توسع اقتصادات الخليج نحو الاستثمار العالمي والخدمات اللوجستية والتقنيات الرقمية والموانئ وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، ولم تعد تعتمد على تصدير النفط وحده.
هذا التحول غير طبيعة المصالح التي تحتاج إلى الحماية، حيث يتجاوز معنى الأمن حماية منشأة نفطية أو خط أنابيب، حتى أصبح مرتبطا باستقرار بيئات استثمارية معقدة وشبكات مالية وممرات بحرية وتقنيات رقمية تتداخل فيها المصالح المحلية والعالمية.
ومن هنا أخذت العلاقة مع واشنطن شكلا أقرب إلى إعادة التفاوض المستمر، بالرغم من أن العقد الأساسي ما يزال قائما، غير أن موازين التفاوض داخله تغيرت جزئيا. وأصبحت دول الخليج تمتلك أوراقا إضافية تمنحها قدرة أكبر على الاعتراض أو طلب تعديلات على ترتيبات معينة، دون أن يعني ذلك انتقالها إلى موقع الاستقلال الأمني الكامل.
ويمكن ملاحظة ذلك في عدد من المحطات خلال الأعوام الأخيرة. فقد أظهرت هجمات بقيق وخريص عام 2019 حدود الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية، بينما عكست اتفاقات التطبيع التي وقعتها بعض الدول الخليجية مع إسرائيل عام 2020 قدرة متزايدة على إعادة تموضع الأولويات الإقليمية وفق حسابات وطنية متباينة.
كما أبرزت الخلافات التي رافقت قرارات الإنتاج داخل تحالف المنتجين (اوبك+) خلال عام 2022 أن تجاهل المصالح الخليجية في أسواق الطاقة بات أكثر كلفة وتعقيدا بالنسبة للقوى الدولية الكبرى.
ولا تعني هذه التطورات انتقال موازين القوة بصورة جذرية، لكنها تعكس قدرة أكبر على التفاوض حول بعض الشروط والتفاهمات التي كانت تدار سابقا بدرجة أعلى من المركزية.

مستويات التأثير من الاعتراض إلى صناعة القواعد

بدلا من التعامل مع النفوذ بوصفه حالة مطلقة، يمكن فهمه كمجموعة مستويات متدرجة من التأثير.
ويتمثل أول هذه المستويات في القدرة على العرقلة أو الاعتراض؛ أي منع ترتيبات معينة من التبلور عندما تتعارض مع مصالح حيوية. ويظهر ذلك حين يصبح تجاهل موقف دولة ما مكلفا سياسيا أو اقتصاديا.
أما المستوى الثاني فيتمثل في القدرة على التعديل، حيث يمتد إلى إعادة صياغة بعض الشروط والبنود بما يراعي مصالح الطرف المعني، أكثر مما يقتصر الدور على الرفض أو القبول.
ويبرز هذا النمط بوضوح في مشاريع البنية التحتية الإقليمية ومسارات التجارة والطاقة والاستثمار.
ويرتبط المستوى الثالث بالقدرة على طرح أجندات جديدة تتحول تدريجيا إلى جزء من النقاش الإقليمي.
ويشمل ذلك موضوعات مثل الأمن الغذائي والاقتصاد الرقمي وأمن الممرات التجارية والتحولات المرتبطة بالطاقة.
ويبقى هناك مستوى أكثر تعقيدا يتعلق بتحويل أنماط معينة من السلوك أو التفاهمات إلى قواعد مستقرة يأخذها مختلف الفاعلين بالحسبان.
وهذا المستوى هو الأصعب، لأنه يتطلب تداخل أدوات اقتصادية وسياسية وأمنية على مدى زمني طويل.
وإذا طبقنا هذا التصنيف على الحالة الخليجية، فإن الحضور يبدو أكثر وضوحا في مستويي الاعتراض والتعديل، مع مؤشرات متزايدة على القدرة على طرح أجندات جديدة، بينما تبقى القدرة على إنتاج قواعد إقليمية مستقرة محدودة ومحل اختبار.

عمان ودبلوماسية البنية التحتية السياسية

تمثل سلطنة عمان نموذجا مختلفا لفهم النفوذ في بيئة إقليمية مضطربة.
وتستند عمان في قوتها إلى القدرة على إدارة موقع جغرافي حساس وتحويله إلى وظيفة سياسية ذات قيمة مستمرة.
ونجحت مسقط على امتداد عقود، في ترسيخ نفسها كقناة اتصال بين أطراف يصعب جمعها في مساحة تفاوضية واحدة.
وتكمن أهمية هذا الدور العماني أنه تحول إلى جزء من البنية السياسية الدبلوماسية التي يلجأ إليها الخصوم عند انسداد قنوات التواصل الأخرى.
ومع مرور الوقت تحولت مسقط إلى محطة لا يمكن تجاوزها كلما انسدت قنوات الاتصال بين الخصوم.
فهي لا تفرض قواعد الأمن في الخليج، ولا تمتلك القدرة على إعادة رسم موازين القوى، لكنها تساهم في تشكيل الكيفية التي تدار بها الأزمات وتفتح من خلالها قنوات التفاهم.
وهذا نمط مختلف من التأثير، يقوم على إدارة العلاقات أكثر مما يقوم على فرض الإرادات.

التباين الخليجي ضعف أم توزيع للمخاطر؟

يثير اختلاف السياسات الخليجية تجاه قضايا المنطقة نقاشا مستمرا حول ما إذا كان هذا التباين يعكس غياب رؤية مشتركة أم يمثل شكلا من أشكال توزيع المخاطر.
فالإمارات اتجهت إلى تطوير علاقات أوسع مع إسرائيل، فيما حافظت قطر على قنوات مفتوحة مع إيران، بينما لعبت سلطنة عمان أدوار وساطة، وركزت السعودية على توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي.
وهذا التباين لا يقرأ بشكل كامل دون النظر إلى إسرائيل كفاعل إقليمي صاعد في مجالات التكنولوجيا والأمن السيبراني والاستخبارات.
وتنظر بعض الدول الخليجية إلى تل أبيب كورقة تفاوضية مع واشنطن، وأخرى كحليف أمني محتمل ضد طهران، وثالثة تتعامل معها بحذر شديد، خصوصا الرياض، التي دائما ما تربط العلاقة معها بالقضية الفلسطينية، ومسألة حل الدولتين.
وفي الوقت نفسه لا تتحرك العلاقة في اتجاه واحد، فإسرائيل تمثل أيضا منافسا متناميا لبعض الطموحات الخليجية في مجالات التكنولوجيا والاستثمارات والممرات الاقتصادية. ولذلك تبدو المقاربة الخليجية تجاهها أكثر تعقيدا من ثنائية التحالف أو الخصومة، إذ تجمع بين فرص التعاون ومجالات التنافس في آن واحد.
ويمكن النظر إلى هذا التنوع في المقاربات بوصفه شكلا من أشكال توزيع المخاطر على المستوى العملي، سواء كان نتاج تنسيق واع بين الدول الخليجية أو نتيجة مباشرة لاختلاف أولوياتها الوطنية.
وتتمثل المحصلة النهائية في حضور خليجي موزع على مسارات متعددة داخل الإقليم، بما يوسع هامش الحركة ويقلل من مخاطر الارتهان لمسار واحد.
كما أن هذا التوزع يمنح بعض العواصم قدرة على التواصل مع أطراف يصعب على عواصم أخرى القيام بالدور نفسه، الأمر الذي يضيف طبقات مختلفة من التأثير داخل البيئة الإقليمية.
ويصعب التعامل مع هذا الواقع باعتباره نقطة قوة أو ضعف بصورة مطلقة.
فمن جهة، يتيح تنوع المقاربات مساحة أوسع للمناورة ويمنح الخليج حضورا في مسارات مختلفة، ومن جهة أخرى، يحد من إمكانية بلورة مشروع إقليمي موحد قادر على إنتاج أولويات مشتركة بصورة مستقرة.
لذلك يبدو الخليج اليوم أقرب إلى شبكة مصالح متداخلة منه إلى كتلة سياسية متجانسة، وهذه الحقيقة تفسر في الوقت نفسه قدرته على التأثير في ملفات متعددة، وصعوبة تحوله إلى مركز موحد لصناعة القواعد الإقليمية.

حدود القوة الاقتصادية

أنتجت الطفرة الاستثمارية الخليجية، التي بلغت أصول صناديقها السيادية أكثر من 3.4 تريليون دولار وفق تقديرات 2024، نفوذا اقتصاديا واسعا تجاوز حدود المنطقة، بالرغم من أن العلاقة بين الثروة والنفوذ السياسي ليست علاقة تلقائية.
وإذ تمنح القدرة على توجيه الاستثمارات أو التأثير في أسواق الطاقة أدوات ضغط ومساومة مهمة، فإن تحويل الثقل الاقتصادي إلى نفوذ سياسي يظل عملية غير تلقائية.
وتتوقف هذه العملية على قدرة الدول في توظيف مواردها ضمن استراتيجيات طويلة الأمد، ومؤسسات قادرة على تحويل المصالح الاقتصادية إلى أوراق تفاوضية مستدامة.
لكنها لا تتحول بالضرورة إلى قدرة موازية في المجال الأمني، وما يزال المجال العسكري يخضع إلى حد كبير لحسابات مختلفة تتعلق بالتفوق التكنولوجي وشبكات التحالفات والقدرات الردعية.
ولهذا تبدو القوة الخليجية أكثر فاعلية في تشكيل البيئات الاقتصادية والاستثمارية، وأقل قدرة على فرض ترتيبات أمنية مستقلة في الإقليم.

هل ارتفع النفوذ أم تراجعت الهيمنة؟

ثمة قراءة أخرى تستحق التوقف عندها؛ فما يفسر باعتباره صعود في النفوذ الخليجي، قد يعكس في جانب منه تراجعا نسبي في قدرة الولايات المتحدة على إدارة المنطقة بصورة أحادية.
فخلال العقود السابقة كانت واشنطن قادرة على فرض أولوياتها بدرجة أكبر، أما اليوم، فقد أدى صعود الصين، وعودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد تعقيد الأزمات الإقليمية، إلى توسيع مساحة الحركة أمام الفاعلين المحليين.
ومن المرجح أن التحولين تزامنا معا، من حيث تنامي القدرات الخليجية من جهة، واتساع هامش المناورة الناتج عن تغير البيئة الدولية من جهة أخرى. وهذا ما يفسر سبب ارتفاع التأثير الخليجي في الاقتصاد والدبلوماسية بوتيرة أسرع من ارتفاعه في المجال الأمني.
ويقدم قرار تحالف المنتجين (أوبك+) في خريف 2022 مثالا دالا على هذا التداخل بين صعود النفوذ الخليجي وتراجع القدرة الأمريكية على فرض أولوياتها. ففي وقت كانت واشنطن تدفع باتجاه زيادة الإنتاج لخفض أسعار الطاقة قبل انتخابات التجديد النصفي، اتجهت السعودية والإمارات إلى دعم قرار خفض الإنتاج بمليوني برميل يوميا، رغم الضغوط الأمريكية العلنية والانتقادات التي أعقبت القرار.
تكشف هذه الواقعة تحولا مهما في طبيعة العلاقة بين الطرفين، حيث استطاعت دول الخليج الدفاع عن تقديرها لمصالحها الاقتصادية في قضية شديدة الحساسية بالنسبة لواشنطن، من دون أن يقود ذلك إلى أزمة استراتيجية أو إلى تراجع جوهري في التعاون الأمني القائم بين الجانبين.
وبذلك ارتفعت كلفة تجاهل المصالح الخليجية، واتسع هامش الحركة المتاح أمامها داخل التحالف نفسه.
لكن الواقعة ذاتها تكشف حدود هذا التحول، فالقرار تعلق بسياسة إنتاج النفط، أي بمجال يسمح بقدر من المناورة والتعديل، بينما بقيت معادلات الأمن الإقليمي والردع العسكري قائمة على الأسس نفسها.
ومن هنا تظهر إحدى السمات الأساسية لـ”التفاوضية الجديدة”، من حيث القدرة المتزايدة على الاعتراض وإعادة التفاوض حول بعض الشروط، مقابل قدرة أكثر محدودية على إنتاج قواعد بديلة للنظام الإقليمي أو توفير بدائل مكتملة لترتيباته الأمنية.

بين تكلفة التجاهل وصناعة القواعد

ويبقى السؤال الأهم: هل يعكس هذا المسار مشاركة فعلية في صياغة قواعد النظام الإقليمي، أم أنه يرفع فقط تكلفة تجاوز المصالح الخليجية؟
الفارق بين الحالتين جوهري، فارتفاع تكلفة التجاهل يمنح قدرة على الاعتراض والتعديل والمساومة، لكنه لا يكفي وحده لإنتاج قواعد جديدة.
أما صناعة القواعد فتتطلب قدرة على دفع الآخرين إلى تبني ترتيبات مستقرة حتى في غياب الضغوط المباشرة.
والمقصود بصناعة القواعد هنا ليس السيطرة على الإقليم أو فرض الإرادة على بقية الأطراف، وإنما القدرة على ترسيخ ترتيبات مستقرة تصبح مرجعية متكررة في إدارة القضايا الإقليمية.
وقد تتخذ هذه القواعد شكل تفاهمات دائمة حول أمن الممرات البحرية، أو مبادئ ناظمة للتكامل الاقتصادي والاستثماري، أو أطر معترف بها لتسوية النزاعات الإقليمية.
وكلما تحولت هذه الترتيبات إلى ممارسات مستقرة يأخذها مختلف الفاعلين بالحسبان، وتقترب من مستوى القاعدة الإقليمية.
ويبدو أن الخليج يتحرك حاليا داخل المساحة الفاصلة بين هذين المستويين، وأصبح تجاهله أكثر صعوبة وكلفة من أي وقت مضى، بينما ما تزال عملية تحويل هذه المكانة إلى قدرة مؤسسية مستقرة على إنتاج القواعد قيد التشكل.

“التفاوضية الجديدة”

لا يعكس التحول الخليجي انتقالا كاملا من التبعية إلى الاستقلال، كما لا يمكن اختزاله في استمرار النموذج القديم بأي صيغة كانت.
فما يجري أقرب إلى إعادة صياغة للطريقة التي تندرج فيها دول الخليج داخل النظام الإقليمي.
فهذه الدول لم تعد مجرد ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين، لكنها أيضا لم تصل بعد إلى موقع الطرف القادر بمفرده على تحديد اتجاهات النظام الإقليمي.
وبين هذين الحدين تتشكل حالة جديدة، يمكن وصفها بـ”التفاوضية الجديدة”، لجهة القدرة المتزايدة على الاعتراض والتعديل وطرح الأولويات، داخل نظام ما تزال أدوات القوة الصلبة فيه موزعة بصورة غير متكافئة.
وبتوصيف أدق، “التفاوضية الجديدة” ليست بديلا عن القوة، ولا تعبيرا عن الاستقلال الكامل، وإنما نمط من التأثير يقوم على امتلاك ما يكفي من الموارد والأوراق لفرض التفاوض على الشروط، دون امتلاك القدرة الكافية لفرض القواعد منفردا.
تكشف التجربة الخليجية خلال العقد الأخير أن النفوذ لا يقاس فقط بعدد القواعد العسكرية أو حجم الترسانات، بل أيضا بالقدرة على فرض التفاوض حول المصالح والأولويات.
وتفتح هذه الملاحظة سؤال الاستمرارية قبل سؤال الصعود، إذ ترتبط “التفاوضية الجديدة” بمجموعة شروط اقتصادية وأمنية وسياسية تتفاعل مع بعضها، أكثر مما تقوم على تحول ثابت أو مكتمل.
وفي هذا السياق تبرز أربعة عوامل رئيسية تشكل الإطار الحاكم لهذه الحالة: تراجع مركزية النفط في الاقتصاد العالمي، أو اندلاع حرب إقليمية واسعة، أو تقلص مساحة التنافس الدولي نحو اصطفافات أكثر صلابة، أو انتقال التباين الخليجي من اختلاف في المقاربات إلى صراع مفتوح.
وأي تغير جوهري في أحد هذه المسارات يعيد ضبط وزن التفاوض وحدوده، ويؤثر مباشرة في كثافة هذا النمط من التأثير.
أما الضغوط القصوى، مثل حرب إقليمية كبرى أو انهيار حاد في أسواق الطاقة، فتعيد توزيع مراكز الثقل بين الركائز الأمنية والاقتصادية في آن واحد.
وفي هذه الحالات يتقلص هامش التفاوض تدريجيا، وتتراجع مستويات التأثير الأعلى لصالح أنماط أكثر تحفظا وأضيق نطاقا، دون أن يؤدي ذلك إلى توقف كامل للديناميات التفاوضية، بل إلى إعادة تشكيلها داخل حدود أكثر صرامة.
ومن هذه الزاوية تبدو “التفاوضية الجديدة” التعبير الأقرب عن موقع الخليج الراهن: حضور يصعب تجاوزه، وتأثير يتسع تدريجيا، وطموح ما يزال يبحث عن صيغة مستقرة للانتقال من المساومة على القواعد إلى المشاركة في صياغتها.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img