“صحيفة الثوري” – (كتابات):
أ.د. عبدالله غالب المعمري
صرخة “أنا جائع” ليست جملة تُقال على موائد العشاء، ولا شكوى مؤقتة على مائدة إفطار تنتهي برغيف خبز وكوب شاي. إنها العبارة الأكثر رعباً في التاريخ الإنساني؛ لأنها تعني أن الإنسان قد وصل إلى آخر حدود الاحتمال، إلى النقطة التي يبدأ فيها الجسد بأكل روحه تدريجياً، وتأكله الفاقة كل صباح قطعةً قطعة، وتبدأ معها الكرامة بالنزيف الحاد.
أنا جائع لا إلى الخبز وحده، بل إلى وطنٍ لا يُؤكل ولا يُنهب كل يوم، وإلى عدالةٍ لا تُباع، وإلى أرضٍ لا تُؤجَّر للناهبين والفاسدين والطغاة.
مرارة “أنا جائع” تعني أن حقول القمح هُزمت أمام تجار الحرب ومافيا الفساد، وأن خزائن الأغنياء امتلأت حتى التخمة، بينما بطون الفقراء تصفر كالريح في الخرائب، وأن المدن تُطفأ أنوارها بداية كل مساء، ومعها ملايين الأطفال ينامون على صوت معدهم وهي تلتهم أحشاءهم.
الجوع ليس قضاءً مكتوباً في لوح السماء، بل جريمة ممنهجة تنظمها سلطات حاكمة عصبّية غاشمة؛ فحين يجوع الناس في أرض تزخر بالخير والموارد، فهناك لصوص يجلسون فوق موائد الفقراء، وأن سنابل الأرض قد سُبيت إلى قصور لصوص السلطات، وأن بطون الفاسدين انتفخت حتى مؤخراتهم، بينما الأرواح اليابسة تقتات على الصبر.
أعلمُ أنه عندما يموت الأطفال والعجزة عند أبواب الأسواق والمستشفيات، فهناك وحوش تتاجر بالدقيق والدواء والوقود والحياة كلها. وحين يتحول الرغيف عند الناس إلى حلم، فاعلم أن الوطن قد اختُطف، وأن اللصوص يرتدون ربطات العنق أو العمائم أو البزات العسكرية.
أنا بغصّة جائع… أي أنني أحمل في معدتي فراغ وطن بأكمله، أحمل خيبة المزارع الذي باع أرضه، والعامل الذي التهمه الغلاء، والموظف الذي انقطع راتبه، والأكاديمي الذي غادره وطنه قهراً وهروباً من الجوع ذاته، والأم التي تكذب على أطفالها قائلة: ناموا الآن، فالغد سيحمل الطعام. لكن الغد الذي ننتظره لم يأتِ بعد.
إن الجوع لا يقتل الأجساد فقط، بل يقتل الروح، والأحلام، والكتابة، والقراءة، والإبداع، والكرامة، والقدرة على الحب.
إنه يحول الإنسان إلى هيكل مجرد خاوي الروح، ويجعل الوطن مقبرة مفتوحة للأحياء.
أيها الفاسدون الجالسون فوق موائدكم الباذخة، استمعوا جيداً إلى أنين الجياع؛ فالجائع قد يصبر مؤقتاً على الألم، لكنه لا يصبر إلى الأبد. والبطون الفارغة تكتب أكثر الثورات عنفاً في التاريخ، والأمم التي اختُطف خبزها، فتجوع شعوبها، عندها لا تسقط الأرغفة فقط، بل تسقط أصنام السلطة الحاكمة، وتتشقق عروش الطغاة، ويخرج الفقراء من زوايا فقرهم كالثوار الواعين، يحملون في يدٍ الخبز، وفي الأخرى نار الحرية.
أنا جائع، لكنني لست وحيداً. ورائي ملايين الحناجر اليابسة، والبطون الخاوية، وملايين الوجوه التي علقتها الحرب على جدران النسيان، وسرقت حقوقها مافيا الحرب والفساد، وملايين الأيدي اليمنية السمراء التي تنتظر سيف العدالة.
أنا جائع… أقولها بوجع شديد. هذه ليست شكوى، إنها لائحة اتهام كاملة الأدلة تُرفع إلى السماء والأرض معاً. إنها ذكرٌ أحمر.
إنها صفعة في وجه العالم الذي تآكلت أخلاقه، وتصحر ضميره، واضمحلت إنسانيته.
إنها صرخة الإنسان اليمني الأخيرة قبل أن يتحول الجوع إلى غضب، والغضب إلى نار، والنار إلى تاريخ جديد تخطه ثورة الجياع. فعندما تصبح المعدة ساحة حرب، تتحول الروح إلى راية تغيير، ويصبح الجوع نفسه طريقاً إلى الثورة، وطريقاً إلى الله.





