آخر الأخبار

spot_img

صيادو صيرة يواجهون شبح قمع الأرزاق والتعسف الأمني والاستثماري: ثلاث مذكرات عاجلة لمحافظ عدن تكشف أبعاد المعاناة وتضع الحلول على الطاولة

(عدن) – “صحيفة الثوري” – خاص:

حصلت “صحيفة الثوري” على نسخ وثائقية حصرية من ثلاث مذكرات رسمية مرفوعة من قيادة جمعية صيادي خليج صيرة التعاونية السمكية الإنتاجية، ممثلة برئيسها هاشم ربيع، وموجهة إلى وزير الدولة محافظ العاصمة عدن عبدالرحمن شيخ. وتكشف هذه الوثائق والمذكرات، المتفاوتة في تواريخها الممتدة من أبريل وحتى مطلع يونيو الجاري، عن حجم المعاناة الشديدة والتعسفات الممنهجة التي يواجهها مئات الصيادين في صيرة، بدءاً من الحظر البحري والملاحقات الأمنية الجائرة في منطقة المعاشيق، وصولاً إلى التهديدات بمصادرة أراضيهم وحرمانهم من مراسيهم التاريخية لصالح مشاريع استثمارية ضبابية تشوبها الكثير من المخالفات.

وتأتي هذه التحركات القانونية والنقابية من قِبل الجمعية لتضع السلطة المحلية أمام مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية، حيث تضمنت المذكرات تشخيصاً دقيقاً وجذرياً للأزمات، مدعوماً برؤية حلول عملية وموضوعية تضمن الحفاظ على الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في العاصمة، دون الإخلال بالمنظومة الأمنية أو المصلحة العامة.

ملف المعاشيق: حظر عشوائي وقطع للأرزاق واستهداف مباشر للصيادين

أولى تلك القضايا الساخنة وأقدمها، والتي فصّلتها المذكرة الأولى المرفوعة بتاريخ 5 أبريل 2026م، تتمثل في إشكالية “المنطقة الاقتصادية المحظورة” في محيط المعاشيق والمفروضة على الصيادين منذ عام 2019م. وأوضحت الجمعية أن هذا الحظر تسبب في قطع أرزاق مئات الأسر التي تعتمد كلياً على الصيد التقليدي في هذه المياه، فضلاً عن تكبيد الصيادين أعباء مالية هائلة جراء استهلاك المحروقات لقطع مسافات طويلة للالتفاف حول المنطقة المحظورة أثناء مغادرتهم أو عودتهم إلى ميناء صيرة.

ولم تتوقف المعاناة عند الخسائر المادية، بل امتدت لتشمل انتهاكات أمنية خطيرة؛ حيث رصدت المذكرة حوادث إطلاق نار متكررة على الصيادين أسفرت عن مقتل صياد وجرح آخرين، بالإضافة إلى حملات الاعتقال والملاحقة ومصادرة الأسماك وإتلافها، والتي كان أبشعها رمي حوالي 7 طن من الأسماك في البحر بحجة اصطيادها في المنطقة المحضورة، بتوجيهات أمنية عام 2023م، وتكرار هذه التعسفات في عام 2024م، فضلاً عن حجز القوارب والمعدات وتعريضها للتلف والضياع.

الأنكأ من ذلك، كما تشير وثائق الجمعية، هو تحول بعض أفراد حراسة المعاشيق إلى ممارسة مهنة الاصطياد بأنفسهم، مستغلين نفوذهم ومعداتهم العسكرية الحديثة لمطاردة صيادي صيرة ومنعهم من الاقتراب، في حين يُسمح لقوارب اصطياد جائرة (تستخدم الشباك) من خارج المنطقة بالدخول ليلاً للاصطياد مقابل جبايات مالية باهظة تصل إلى ثلث قيمة الإنتاج السمكي.

رؤية الجمعية لحل أزمة المعاشيق: محمية اقتصادية وأمن مشترك

لم تكتفِ جمعية صيادي خليج صيرة بالشكوى، بل قدمت في مذكرتها الأولى حزمة معالجات موضوعية وعملية، طالبت فيها بإعادة النظر في المسافة المحظورة بحيث لا تتجاوز 500 متر، مع تجديد المعالم والعلامات البحرية بوضوح، وتحديد أوقات معينة للاصطياد (من 6 صباحاً حتى 12 ظهراً)، مع منع الاصطياد ليلاً أو استخدام الشباك الجائرة، وتطبيق تحقيق عادل وشفاف لإنصاف المظلومين.

كما تقدمت الجمعية بمشروع استراتيجي يقضي بتحويل هذه المنطقة إلى “مستوطنة بحرية ومحمية اقتصادية”، نظراً لكونها بيئة طبيعية لتكاثر الأسماك الصغيرة. واقترحت الجمعية آلية للتنفيذ عبر رمي مخلفات الحرب والصبيات الإسمنتية المجوفة بمحاذاة جبل المعاشيق لخلق بيئة بحرية حاضنة، بالتنسيق مع مؤسسة موانئ خليج عدن والهيئة العامة للمصائد السمكية، لعمل لسان بحري وكاسر أمواج في منطقة “أبو دست” لحماية قوارب الصيادين. وأكدت الجمعية أن هذا المقترح سيوفر كلفة الوقود على الصيادين، ويضمن تموين المواطنين بأسماك رخيصة، وينهي أي اختراقات أو اختلالات أمنية باتجاه جبل المعاشيق.

إشكالية منتزه صيرة: استثمار ضبابي يهدد الهوية التاريخية للمرسى

الملف الثاني الذي طرقت المذكرات أبواب المحافظ بسببه، يعود إلى النزاع حول “منتزه صيرة” الممتد من خلف محطة الوقود حتى “البمبة”. ووفقاً للوثائق، فإن هذا المنتزه مهجور منذ سنوات طويلة وانتهت فترة تأجيره وتحيط بوضعيته الاستثمارية حالة شديدة من الضبابية، واليوم يواجه الصيادون تهديداً مباشراً بمصادرة هذه المساحة الحيوية المحاذية لمراسيهم التاريخية.

وحذرت الجمعية من الآثار البيئية والاجتماعية الخطيرة للمشروع الاستثماري الحالي، مشيرة إلى خطر رمي أطنان من مخلفات الهدم والرمال في البحر مما يهدد مراسي القوارب بالردم، فضلاً عن الأعباء الاجتماعية الناتجة عن تحول الموقع في فترات سابقة إلى مكان ناءٍ وغير مأهول للممارسات السلبية التي لا تليق بعدن. وأكدت المذكرة أن حرمان الجمعية وقطاع المرأة الساحلية من هذه الأراضي عطل مشاريع حيوية هامة كانت ستمولها منظمات دولية مانحة لتحسين مستوى معيشة الأسر الساحلية.

وطالبت الجمعية بشكل حازم بالحفاظ على مرسى صيرة التاريخي كمرسى رئيسي على مستوى العاصمة عدن، من خلال تخصيص مساحة تمتد من البحر إلى اليابسة بعرض 20 متراً على طول المنتزه، وتخصيص مساحات لإنشاء مقر للجمعية، ومصنع للثلج، ومعرض لمنتجات المرأة الساحلية، وورشة صيانة لمحركات القوارب، وسوق تعاوني لبيع الأسماك بأسعار تنافسية للمواطنين، بالإضافة إلى موقف منظم لسيارات نقل الأسماك وحمامات عامة تعكس الوجه الحضاري للمدينة.

تصعيد خطير قبيل العيد: ملاحقات وتهديدات واعتقال عشوائي

وتوضح المذكرتان الأخيرتان الصادرتان في نهاية مايو ومطلع يونيو، تسارعاً خطيراً ومقلقاً للأحداث؛ حيث كشفت المذكرة المؤرخة في 30 مايو 2026م عن ممارسات تعسفية مباشرة يقودها وكيل مستثمر المنتزة في البمبة صيرة (الشنقيطي)، الذي اتهمته المذكرة بالتهرب من توقيع محضر الاتفاق الذي تم التوصل إليه بحضور الشهود، والبدء في التنكيل بالصيادين بحجة الاستثمار والتوسع من البر إلى البحر، محملين ما تعاني منه الجمعية مدير عام مديرية صيرة، ومدير مكتب الأشغال العامة صيرة، ومدير شرطة كريتر.

وأشارت المذكرة إلى أنه في الوقت الذي حاولت فيه قيادة الجمعية ضبط النفس وتوثيق الوقائع بالصور، أقدم مدير شرطة كريتر وحراسته على انتزاع هاتف أحد قيادات الجمعية والتهديد بسجنه، متسائلة باستنكار عن توقيت هذا التصعيد الذي جاء قبيل إجازة عيد الأضحى المبارك ودون انتظار الحلول المفترضة، ومحملة المسؤولية الكاملة للجهات المذكورة عن أي مترتبات سلبية قد تنجم جراء التعرض للصيادين.

وبلغ التصعيد ذروته، وفقاً لأحدث مذكرة حصلت عليها “الثوري” والمؤرخة في 3 يونيو 2026م، عندما أقدمت زوارق حراسة المعاشيق في سابقة خطيرة بالتقطع للصيادين في ساعة متأخرة من الليل (تحديداً الساعة الثالثة فجراً من يوم الثلاثاء الموافق 2 يونيو 2026م) أثناء مغادرتهم صيرة لطلب الرزق. وأسفر هذا “الزج العشوائي الباطل” عن اعتقال واحتجاز نحو عشرين صياداً مع قواربهم في سجن المعاشيق، قبل أن يتم إطلاق سراح الصيادين في وقت متأخر من الليل (حوالي الساعة 11 ليلاً) بجهود عمليات المحافظة والأمن البحري، مع الإبقاء على قواربهم ومعداتهم رهن الاحتجاز حتى الآن كإجراء تعسفي يتنافى مع أبسط حقوق الإنسان.

صرخة استغاثة ومطالبة بالإنصاف

واختتمت الجمعية مذكراتها المرفوعة لمحافظ العاصمة عدن بصرخة استغاثة نيابة عن آلاف المواطنين والأسر المستفيدة، متسائلة: “من يتحمل هذا الإجراء التعسفي؟ ومن يتحمل قطع أرزاق عشرات الأسر وحرمانهم من طلب الرزق في مثل هذه الظروف الصعبة؟ هؤلاء الذين هم على باب الله وما يعود لهم من رزق يومي يصرفونه لأسرهم دون توفير”.

ودعت قيادة الجمعية وزير الدولة محافظ العاصمة عدن إلى التدخل الفوري والعاجل لوقف هذه الممارسات غير القانونية من قبل الجهات الأمنية والتنفيذية، وإلزام الجميع برعاية حقوق الصيادين وتثبيت مراسيهم وحمايتهم، ووضع حد لهذا الاستهتار المستمر منذ عام 2019 دون حلول منصفة.