صحيفة الثوري- كتابات
د. فائزة عبدالرقيب
حين يعجز بعض السياسيين عن تفسير الحاضر يلجؤون الى إعادة كتابة الماضي، وحين تضيق مساحة الحجة يتسع مجال التأويل والانتقاء في السرديات والتفسيرات ، وفي أزمنة الازمات الكبرى تبرز الحاجة الى قراءة التاريخ بموضوعية ومسؤولية، لا إلى توظيفه في المعارك السياسية الآنية أو إعادة صياغته بما يخدم مصالح اللحظة ، فالحروب الطويلة والصراعات الممتدة لا تكتفي بإعادة تشكيل موازين القوى، بل تكشف أيضاً طبيعة المواقف السياسية وقدرة اصحابها على الثبات او التبدل امام المتغيرات.
وخلال السنوات التي أعقبت الانقلاب على الدولة وما رافقها من صراعات شمالاً وجنوباً، وتأخر في الحسم السياسي والعسكري بفعل تعقيدات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية، شهد اليمن تحولات عميقة دفعت كثيراً من القوى والشخصيات الى مراجعة مواقفها أو تغيير اصطفافاتها، وفي خضم هذه التحولات برزت خطابات تحاول تفسير الواقع الجديد عبر قراءة انتقائية للتاريخ السياسي اليمني.
ومن هذا المنطلق يمكن النظر الى حديث الخنبشي عن المجلس الانتقالي بوصفه امتداداً لـبقايا الاشتراكي، فمثل هذا التوصيف يثير تساؤلات أكثر مما يقدم اجابات، لأنه يتجاهل حقيقة أن الحزب الاشتراكي اليمني ظل كياناً سياسياً قائماً بمؤسساته وبرنامجه وخياراته الوطنية، ولم يكن يوماً مجرد مجموعة أفراد يمكن اختزال تاريخه في مواقف من غادروه أو اختلفوا معه في مرحلة من المراحل ، والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الطرح يصدر عن شخصية كانت جزءاً من التجربة ذاتها، واسهمت في مراحل مختلفة من مسيرتها التنظيمية والسياسية والفكرية.
ولذلك كان من المتوقع أن تقدم قراءة أكثر عمقاً للتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدها الجنوب واليمن عموماً، بدلاً من اختزال تشكل الوعي السياسي وتجارب الصراع الاجتماعي في نماذج مبسطة لا تعكس ثراء الواقع وتداخل عوامله التاريخية والاقتصادية والثقافية.
لقد مر الحزب الاشتراكي بمحطات سياسية وتنظيمية متعددة، بدءاً من الجبهة القومية، ثم التنظيم السياسي الموحد، وصولاً الى الحزب الاشتراكي اليمني بصورته المعروفة، وخلال هذه المسيرة ظل جزءاً اساسياً من الحركة الوطنية اليمنية، وأسهم في صناعة التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد، وفي مقدمتها مشروع الوحدة اليمنية الذي آمن به ودافع عنه وقدم في سبيله تضحيات معروفة.
كما أن الحزب، رغم ما تعرض له من هزات وانقسامات وتحولات، ظل حاضراً ضمن إطار العمل السياسي الوطني، وشارك في مختلف الاستحقاقات السياسية بعد الوحدة، وظل ممثلاً في الحياة العامة ومدافعاً عن مبدأ التعددية السياسية والشراكة الوطنية. واستمر جزءاً من القوى السياسية المؤيدة للشرعية والدولة في مواجهة المشاريع التي سعت الى فرض الوقائع بالقوة، وهذه المواقف لا يمكن تجاوزها او القفز عليها عبر احكام انفعالية او توصيفات تختزل تاريخاً سياسياً طويلاً في خلافات او مواقف فردية.
والحقيقة أن الاحزاب السياسية لا تقاس بمن غادروها، بل بما بقي فيها من أفكار وبرامج ورؤى وطنية، أما الأشخاص فتتغير مواقعهم ومواقفهم بحكم الظروف والخيارات السياسية، ولهذا فإن الانصاف يقتضي التمييز بين تاريخ حزب سياسي عريق وبين مسارات أفراد اختاروا طرقاً مختلفة لاحقاً.
إن المشكلة ليست في الاختلاف السياسي، فالاختلاف حق مشروع، وإنما في محاولات توظيف التاريخ كأداة للمكايدة أو الابتزاز السياسي ،حين يتحول النقاش من قراءة الوقائع الى إعادة تصنيف القوى الوطنية وفقاً لحسابات اللحظة، يصبح الهدف خدمة الاستقطاب أكثر من خدمة الحقيقة.
غير أن الحقيقة التي تتجاوز كل الحسابات السياسية أن السلطة متغيرة، والنفوذ لا يستقر على حال، والتحالفات السياسية تتبدل بتبدل الظروف، أما الوطن فهو الباقي ، و سجل المواقف الوطنية يظل شاهداً على أصحابه، عصياً على محاولات التزييف والنسيان.
ولذلك فإن المسؤولية السياسية والاخلاقية تقتضي إحترام التاريخ وعدم تحويله الى مادة للاستهلاك السياسي المؤقت.
ما هكذا تورد الإبل يا خنبشي؛ فالاوطان أكبر من الحسابات الضيقة، والتاريخ أكبر من أن يختزل في رواية عابرة، والكرامة الوطنية ابقى من كل سلطة ونفوذ.

