“صحيفة الثوري” – (كتابات):
خليل الزكري
في مقابلته الأخيرة مع “يمن بودكاست”، وصف محافظ حضرموت سالم الخنبشي المجلس الانتقالي الجنوبي بأنه “بقايا بقايا الاشتراكي”، وبأنه “امتداد للحزب الاشتراكي”.
تبدو العبارة للوهلة الأولى جزءً من السجال السياسي المعتاد، بيد أنها تكشف مشكلة أعمق تتجاوز الانتقالي نفسه، وتتعلق بطريقة التعامل مع التاريخ السياسي لجنوب اليمن.
فالعبارة تحمل في جوهرها حكما سلبياً على الحزب الاشتراكي اليمني، وتتعامل معه كإرث يستدعي الانتقاص وليس النقاش، وكأن الانتماء إليه أو التأثر به تهمة سياسية تحتاج إلى تبرير.
وهنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي يجعل الاشتراكي مادة للقدح بعد كل هذه العقود؟
ارتبط الحزب الاشتراكي بمحطات مفصلية كبيرة في التاريخ اليمني الحديث، وقاد تجربة دولة وطنية امتدت لسنوات طويلة، وأسهم في بناء مؤسسات إدارية وخدمية وتعليمية وعسكرية ما زالت آثارها حاضرة في المجتمع حتى اليوم.
كما شكل أحد أهم الفاعلين السياسيين في مرحلة الوحدة اليمنية، وكان شريكاً رئيسياً في صياغة كثير من التحولات الوطنية الكبرى.
وتبقى تجربة الحزب الاشتراكي قابلة للنقد والمراجعة شأنها شأن أي تجربة سياسية في العالم. فالتاريخ السياسي لا يعرف تجارب معصومة من الأخطاء، غير أن النقد يختلف عن تحويل التاريخ كله وتجربة حزب وطني بحجم الحزب الاشتراكي اليمني إلى مادة للازدراء أو إلى تهمة جاهزة في مواجهة الخصوم.
المفارقة أن كثيراً من الشخصيات، التي تهاجم الحزب الاشتراكي اليوم، تشكل وعيها السياسي داخل مؤسساته ومؤسسات الدولة التي كان يقودها الاشتراكي، أو استفادت من التعليم والإدارة والبنية المؤسسية التي نشأت في تلك المرحلة. وبعضها، ومنهم الخنبشي، شغل مواقع قيادية في الحزب نفسه قبل أن ينتقل إلى مواقع سياسية أخرى.
ولهذا تبدو محاولات التنصل الكامل من ذلك الإرث أقرب إلى إعادة صياغة انتقائية للتاريخ وفق مقتضيات الخصومة السياسية الراهنة، بدلاً من قراءته في سياقه الطبيعي وتناقضاته المعروفة.
أما بالنسبة للمجلس الانتقالي، فإن تقييمه السياسي يحتاج إلى أدوات مختلفة؛ فهو كيان نشأ في ظروف تاريخية جديدة، ويحمل مشروعا سياسياً خاصاً به، ويضم أطيافاً متعددة من الخلفيات الفكرية والاجتماعية.
ولو كان الخنبشي يتحدث عن بعض الجذور السياسية للحراك الجنوبي السلمي، لكان لذكر الحزب الاشتراكي مبرر تاريخي مفهوم بحكم حضور كوادره في تلك المرحلة. أما المجلس الانتقالي فقد تشكل في سياق سياسي مختلف بعد عام 2017، الأمر الذي يجعل هذا الربط أقرب إلى الخلط بين سياقين سياسيين مختلفين.
لذلك فإن ربط الخنبشي “الانتقالي” بالحزب الاشتراكي على نحو اختزالي، يسيء له نفسه أكثر مما يسيء للطرفين معا؛ فهو يختزل الانتقالي في أصل تنظيمي واحد، ويختزل الاشتراكي في صورة نمطية يفقدها صلتها بالتاريخ.
كما أن توصيف الانتقالي بوصفه امتداداً تنظيمياً للحزب الاشتراكي يتجاهل التحولات الواسعة التي شهدها الجنوب، خصوصاً خلال العقدين الماضيين، ويتجاوز التنوع السياسي والاجتماعي الذي تشكلت منه القوى الجنوبية المعاصرة.
فالشعوب لا تقيس الأحزاب بتاريخ خصوماتها فقط، وإنما بما تركته من أثر في المجتمع والدولة.
والحزب الاشتراكي اليمني، سواء تتفق معه أو تختلف، يبقى جزءً أصيلاً من التاريخ السياسي اليمني، وامتداداً طبيعياً للحركة الوطنية، وصاحب تجربة تركت بصماتها في العديد من مناحي الحياة العامة. وهذه حقيقة تاريخية أكبر من أن تلغيها عبارة سطحية في مقابلة إعلامية.
لهذا فإن وصف أي مكون أو طرف سياسي بأنه “بقايا بقايا الاشتراكي” يكشف أزمة في الخطاب أكثر مما يكشف حقيقة الموصوف.
فالسياسة الجادة تبحث في الأفكار والمشاريع والمصالح والتوازنات، أما تحويل حزب كامل بكل إرثه وتاريخه النضالي والوطني إلى شتيمة سياسية، فيكشف عن فقر في أدوات الجدل وعجز عن إنتاج تفسير أكثر عمقاً للواقع.
ويبدو أن الخطاب الذي تبناه الخنبشي بعد مغادرته الحزب الاشتراكي دفعه إلى التعامل مع تجربته السابقة بوصفها عبئاً سياسياً أكثر من كونها جزءً من سيرته العامة ومساره السياسي.
غير أن الواقع والمنطق يقول عكس ذلك، فالأمم التي تحترم ذاكرتها تتعامل مع تجاربها الكبرى بوصفها مادة للفهم والنقد والتعلم، لا بوصفها جمل ومفردات جاهزة للتشهير السياسي.
كما أنه من حق أي سياسي أن يراجع تجربته الفكرية وأن ينتقل من موقع إلى آخر. لكن تحويل تلك الخلفية إلى سلاح يستخدم ضد الآخرين يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول معايير هذا الحكم، والقاعدة التي ينطلق منها.
لهذا تبدو عبارة الخنبشي أقرب إلى محاولة تعبئة ضد خصم سياسي منها إلى توصيف موضوعي لظاهرة سياسية.
فالخطاب الدعائي يبحث عن الاختزال، بينما يبحث التحليل عن التفسير، وبين الاختزال والتفسير مسافة كبيرة تكشف الفارق بين السياسة بوصفها سجالاً والسياسة بوصفها فهماً للواقع.
والتاريخ السياسي لا يقاس بمزاج اللحظة ولا بخلافات اليوم، فالأحزاب الكبيرة تترك آثارها في الثقافة والوعي العام، وتتحول إلى جزء من السردية الوطنية، وليست “بقايا”.
لذلك فإن محاولة الخنبشي التقليل من الآخرين، هي تقليل من قيمة التاريخ نفسه، حيث أراد أن يجعل من الاشتراكي وصفاً للانتقاص من خصومه السياسيين، فانتهى إلى إحياء سؤال أكبر يتعلق بكيفية تعامل النخب اليمنية مع تاريخها السياسي.
فالتجارب الكبرى تقاس بما تركته من أثر في المجتمع والدولة، لا بمقدار ما ينجح الخصوم في تحويلها إلى مادة للسجال اليومي، وحين يصبح التاريخ أداة للقدح، تخسر السياسة إحدى أهم وظائفها المتمثلة في فهم الماضي من أجل قراءة الحاضر.

