آخر الأخبار

spot_img

مقاربة أولية لمجموعة “ما الحرب” للشاعر جازم سيف

“صحيفة الثوري” – (ثقافة):

عبدالحكيم الفقيه

شخوص قليلون من يجمعون الشعر والفكر كلازمة في حياتهم وعمرهم الكتابي، ويضيف جازم سيف إلى ذلك السياسة الملتزمة أخلاقياً.

يستظل جازم، في تعامله الفكري والشعري والسياسي، تحت يافطة الوطنية الملتزمة إنسانياً، وبذائقة قرائية رفيعة.

كنت أتابع قصائده النثرية في الصفحة الثقافية في جريدة “الثوري” الغراء، حيث كان يكتب وينشر بغزارة، ووجدت أنه اتخذ له قالباً خاصاً في كتابة القصيدة النثرية؛ فهو يحشد المتناقضات بذكاء وإتقان عفوي، وتتسم نهايات قصائده بحسم فكري وفني، كما كانت تفعل سونيتات الأوروبيين، رغم اختلاف الشكلين الشعريين.

وقعت في يدي بعض مجموعاته الشعرية الإلكترونية، ولأني نادر في الإطلالات النقدية، إلا أن تميز قصائده أجبرني على هذه القراءة النقدية المتواضعة التالية، كانطباع عفوي نقدي يحاول معانقة تلك الشعرية الرقيقة في نثيراته.

فرض النثر نفسه كشكل شعري جديد وحديث، واستطاع أن يكتسب هويته الشعرية بعد أخذ ورد، وتنابز ومعارك هنا وهناك.

في قصائد جازم عمل بنائي في هرم الكلمات، يربطها، ككهرمانات، خيط الفكرة والسياقات المتضادة، ويحسمها في نهاية البناء، وهذا أسلوب يميزه؛ حيث يتسم بالنقد اللاذع للظواهر، وتركيب الواقع تركيباً مغايراً مأمولاً، ويلوح كمهندس لغوي بطاقية فكرية، متسلحاً بثقافة رفيعة وعميقة، وفكر نقي، وغوص أنيق في أعماق الظواهر، واطلاع واسع بثقافة موسوعية ذات رحاب إنسانية بديعة وشاسعة.

النقد خلق ثانٍ يلي الخلق الأصلي الأول، والنقد ليس قانوناً علمياً بمقاييس دقيقة، بل هو انطباع ذاتي يحاول الاتسام بالموضوعية، ويسلط الضوء على ومضات يكتشفها الناقد في بنية النص المنقود. لذا حاولت طرائق ومدارس النقد المتعددة أن تتناول الشعر، كلٌّ من زاوية اهتمامه، وسأحاول في هذه الوريقات المتواضعة الاستفادة من الإطار الشامل لمجمل نظريات النقد.

إن طرح السؤال أهم من الإجابة، كما يقال، وديوان جازم عن الحرب عبارة عن مسلسل طويل من التساؤلات التي تكتنه ماهية الحرب في صور شعرية ساحرة؛ ظاهرها السؤال، وباطنها عمق الإجابة.

الحرب ظاهرة إنسانية بغيضة، فكلما يرتقي الإنسان تعود له غرائزه التدميرية، فيقع في مستنقع الحرب، ويكاد كوكبنا الأزرق الجميل ألا يأخذ إجازة حتى ليوم واحد من الحروب وسفك الدماء وتدمير مقومات الحياة؛ فتتسع المقابر، وينزح ويجوع ويتشرد الملايين.

عمل الشاعر جازم سيف على اندغام مفردات الرهافة الشعرية بمفردات خشونة الحرب، لخلق الفكرة التي جمعت الجمال الشعري بالحضور الفكري البارز، مستخدماً مداميك المحسنات البديعية والسؤال البلاغي المتكرر، كسبيكة وقالب لمعدن الشعر النفيس.

اقترب الشعر من إدراك الحرب قديماً وحديثاً، وتفرغ شعراء للكتابة عن الحرب، وشارك شعراء في الحرب، وفقد شعراء أرواحهم في الحروب، سواء في الأحقاب القديمة أم في وقتنا الحديث الذي شهد حروباً عالمية، وتأسست روابط لشعراء الحرب في بعض البلدان.

جازم سيف، كطبيعته، يغاير المألوف ويدرك حقيقة الإبداع وضرورة الإضافة الجديدة؛ فلم يتعامل مع الحرب كظاهرة تقليدية مألوفة، ولا يتعامل معها بسياق رومانسي، بل تناولها بواقعية خلاقة، مستخدماً قالب السؤال، معطياً مجموعة شعرية كاملة، وليس نصاً محدوداً، لفكرة الحرب، جامعاً في السياق تراكمات الحرب من فكر ولفظ، ومن أعباء واقعية تناولها وجلدها بسياط الاحتجاج والسخرية.

في بداية المجموعة يسأل الشاعر: ما الحرب؟ ثم يحشد صوراً شعرية تحاول رصد البشاعة الحربية في هيئة أسئلة، ويختتم مجموعته بتقديم نبذة عنه وعن حميميه، والإجابة: لا للحرب.

ثمة شخوص يشير إليهم في البدء، كان لهم الدور المحفز لكتابة وإصدار مجموعته المنفردة بالحرب، وثمة اقتباسات لها علاقة بالسياق، ومن جماعة الرفاق والأصدقاء. في البدء تقلص الحرب الشخوص والأمكنة، ليجد الشاعر نفسه بين ذويه وعائلته في مكانه المصغر.

مجموعة “ما الحرب” تناولت ظاهرة الحرب بكل أبعادها، مصورة الوجه القميء للحرب ونتائجها وأسبابها، بأسلوب تصويري يرسم لوحات بكلمات فنان متمكن شعرياً وفكرياً وإنسانياً، معلناً تمترسه الإنساني ضد الموت التعسفي والدمار. وتكاد لوحة “ما الحرب” الشعرية الكبرى تخاطب كافة حواس المتلقي، الذي حتماً يزدري آلات الدمار وتجار الحروب وجنرالات القتل والفناء. ورغم بشاعة المشاهد، يخلق الشاعر من رحم البشاعة الأمل في كشط الحرب وتوق الحياة للإنسان، و”لا للحرب” كما احتج الشاعر في الختام.