آخر الأخبار

spot_img

من الدبلوماسية إلى الأمن.. قراءة في أبعاد زيارة الرئيس العليمي إلى جيبوتي

“صحيفة الثوري” – (كتابات):

علاء توفيق

تتجاوز أهمية زيارة الرئيس رشاد العليمي إلى جيبوتي الإطار الدبلوماسي الاعتيادي الذي يُسرد عادةً في البيانات الرسمية. فالزيارة لا يمكن اختزالها في المشاركة بمراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله، أو عقد لقاءات مع قادة إقليميين في القرن الإفريقي، بل تعكس إعادة ترتيب لموقع اليمن في الإطار الأمني للبحر الأحمر وممر باب المندب، حيث تلتقي المصالح الإقليمية والدولية في جغرافيا شديدة الأهمية.

في ظاهر الزيارة، يبرز تلازم بين الحراك السياسي الدولي والتحولات المتسارعة في بيئة الأمن البحري. وهنا يظهر البحر الأحمر كممر ملاحي استراتيجي، تتداخل فيه اعتبارات الأمن الدولي، وتنافس القوى الإقليمية، وتنامي دور الفاعلين غير الدوليين.

وهنا تحتل جيبوتي، في الضفة الإفريقية، موقعاً مركزياً بوصفها نقطة ربط جغرافية ولوجستية بين اليمن والخليج والقرن الإفريقي، إضافة إلى وجود قواعد عسكرية أجنبية متعددة، تمنحها ثقلاً يتجاوز حجمها الجغرافي.

ضمن هذا الإطار، يمكن قراءة الزيارة اليمنية بوصفها محاولة لإعادة تثبيت حضور الدولة اليمنية في مقاربات أمن البحر الأحمر. فبعد سنوات من تراجع المؤسسات الرسمية وتعدد مراكز القوة داخل اليمن، باتت المشاركة الخارجية أداة لإعادة التأكيد على وجود الدولة في المجال الإقليمي. هذا الحضور لا يقتصر على الخطاب السياسي، وإنما يتجلى أيضاً في تركيبة الوفد المرافق، التي تكشف عادةً عن طبيعة الأولويات الفعلية للزيارات.

ويمثل وجود الفريق الركن محمود الصبيحي في الوفد بُعداً يحمل دلالة خاصة. فالرجل ينحدر من مناطق الصبيحة في محافظة لحج، وهي جغرافيا ترتبط بالامتداد الغربي الجنوبي المطل على مضيق باب المندب وجزيرة ميون. وهذا الامتداد ليس تفصيلاً ثانوياً، بقدر ما هو عنصر أساسي في أي ترتيب يتعلق بالأمن البحري لأحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. كما أن خلفيته العسكرية تربطه مباشرة بملفات الساحل الجنوبي الغربي وترتيباته الأمنية.

ويعكس هذا التكوين إدراكاً لدى القيادة اليمنية بأن باب المندب لا يمكن التعامل معه كملف دبلوماسي، وإنما كمنطقة أمنية تتلاقى فيها الجغرافيا المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. فالمضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، أصبح جزءاً من معادلات الأمن البحري التي تُناقش دولياً، من واشنطن إلى الرياض وأبوظبي وعواصم القرن الإفريقي.

وفي السياق ذاته، يكتسب وجود رئيس جهاز أمن الدولة اللواء الدكتور محمد عيضة دلالة إضافية. فمرافقة مسؤول استخباري بهذا المستوى لرئيس دولة في زيارة ذات طابع احتفالي تشير إلى وجود ملفات أمنية موازية للنقاشات البروتوكولية. ويعكس هذا الحضور احتمال تناول قضايا تتعلق بتبادل المعلومات، والتنسيق الأمني، والتعامل مع تهديدات البحر الأحمر وخليج عدن، خصوصاً في ظل وجود تنسيقات بين أنشطة الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب.

فهذه الأبعاد الأمنية لا تقتصر على الداخل اليمني، بل قد تمتد إلى نطاق إقليمي يشمل الصومال والقرن الإفريقي، حيث تتداخل مصالح دول مختلفة في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. ويعزز ذلك اللقاء الذي جمع الرئيس رشاد العليمي بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، والذي ركز على مكافحة الإرهاب، والتنسيق الأمني، وحماية الملاحة الدولية، في إشارة إلى إدراك مشترك بأن التهديدات لم تعد محصورة داخل حدود دولة بعينها.

وفي هذا السياق، يعكس التناول الرسمي لمصطلحات مثل “المليشيات المسلحة العابرة للحدود” محاولة لإعادة صياغة توصيف التهديدات ضمن الإطار الإقليمي. وهذا التوصيف يدرج الحوثيين ضمن شبكات التهريب ونشاطات الإرهاب العابر للحدود، بما يتجاوز التصنيف المحلي الضيق.

أما وجود اللواء صالح المقالح، مدير مكتب رئاسة مجلس القيادة، فيعكس بُعداً إضافياً مرتبطاً بطبيعة موقعه السابق والحالي داخل المنظومة الأمنية وعلاقاته الخارجية. فمثل هذه الشخصيات غالباً ما تؤدي أدواراً وسيطة بين القرار السياسي والملفات الأمنية الحساسة، بما يشمل التنسيق مع الشركاء الدوليين.

وعند دمج هذه العناصر والمعطيات، يتضح أن تشكيل الوفد لم يكن بروتوكولياً بقدر ما كان وظيفياً، يرتبط بملفات مهمة؛ باب المندب كمنطقة أمنية، والأمن البحري كملف استخباري، والعلاقات الخارجية كإطار سياسي. ويعكس هذا التكوين إدراكاً بأن اليمن، رغم أزماته الداخلية، لا يزال طرفاً مهماً في معادلة الأمن الإقليمي.

ومن جهة أخرى، تحتل جيبوتي موقعاً بالغ الأهمية في هذه المعادلة. فهي تستضيف وجوداً عسكرياً أمريكياً وفرنسياً، بالإضافة إلى القاعدة العسكرية الصينية، وهي القاعدة الوحيدة للصين خارج أراضيها، وتلعب دوراً أساسياً في مراقبة وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا الوضع يجعل أي تواصل مع جيبوتي ذا بُعد يتجاوز العلاقات الثنائية، ويدخله ضمن سياق ترتيبات الأمن الإقليمي والدولي.

وهنا، فإن الحديث عن “تعزيز التعاون” و”تبادل وجهات النظر” في البيانات الرسمية لا يعكس سوى السطح الظاهر لنقاشات أعمق تتعلق بترتيبات الأمن البحري في البحر الأحمر. فالدول المطلة على هذا الممر تدرك أن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي، ما يفسر تزايد الاهتمام الدولي بهذا الملف.

وفي موازاة ذلك، يظل البُعد الأمريكي حاضراً بشكل واضح. فلقاء الرئيس رشاد العليمي مع السفير الأمريكي، وما تضمنه من إشارات إلى التهديدات الإيرانية والحوثيين، يعكس توافقاً في الرؤية بشأن طبيعة التهديدات في البحر الأحمر، حتى وإن لم يكن هذا التقاطع كاملاً من حيث الأدوات أو المقاربات.

وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى زيارة جيبوتي باعتبارها جزءاً من تفاعل بين ثلاثة مستويات مترابطة؛ المستوى الداخلي اليمني المرتبط بإعادة تنظيم المؤسسات، والمستوى الإقليمي الذي يتمحور حول القرن الإفريقي والبحر الأحمر، والمستوى الدولي الذي تقوده قوى كبرى معنية بأمن الممرات البحرية.

ويبرز في الخطاب المرتبط بالزيارة مفهوم “الأمن الجماعي”، الذي يعكس إدراكاً بأن التهديدات البحرية لا يمكن التعامل معها بشكل منفرد، وإنما عبر تنسيق دولي وإقليمي. غير أن نجاح هذا التصور يظل مرهوناً بقدرة الدولة على تقديم نفسها كطرف موثوق وقادر على الالتزام المؤسسي.

فعلى المستوى الداخلي، تحمل الزيارة رسالة سياسية تتعلق بإبراز قدرة الدولة اليمنية على التحرك خارج حدودها رغم التحديات. فوجود وفد يضم قيادات عسكرية وأمنية رفيعة المستوى يعكس محاولة لإظهار مستوى من التماسك المؤسسي، حتى في ظل الانقسامات الداخلية.

لكن هذا التصور يصطدم بواقع معقد يتمثل في تعدد مراكز القوى العسكرية والسياسية داخل اليمن، ما يحد من القدرة على صياغة سياسة موحدة. ومع ذلك، فإن الزيارة تعكس محاولة، ولو نسبية، لإعادة إدماج اليمن في الترتيبات الإقليمية المرتبطة بأمن البحر الأحمر.

ويمكن النظر إلى زيارة جيبوتي كجزء من مسار إعادة تعريف موقع اليمن في الأمن الإقليمي؛ مسار يقوم على الربط بين الجغرافيا الاستراتيجية لباب المندب، وطبيعة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، والحاجة إلى تنسيق إقليمي ودولي.

غير أن هذا المسار لا يزال في بداياته، ويظل مشروطاً بقدرة الدولة اليمنية على تحقيق قدر من التماسك المؤسسي، وبمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية للتعامل مع اليمن، ليس فقط كملف أزمة، وإنما كطرف في معادلة أمن بحري تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الإفريقي.