“صحيفة الثوري” – (كتابات):
اللواء علي حسن زكي
إن شعب الجنوب يعاني من نهج جحيم الإفقار والتجويع: غلاء الغذاء والدواء والملابس والمحروقات ومستلزمات الأطفال، وهبوط قيمة العملة المحلية الشرائية قياساً بالارتفاعات السعرية، وعدم انضباط سعر البيع، وبهبوط مستوى دخل الفرد أيضاً، وتدهور الخدمات الاجتماعية الأساسية، وترنّح خدمة الكهرباء والماء، فيما فصل الصيف واشتداد حرارته على الأبواب، وهو الأمر الذي أدى إلى انفجار غضب شعبي حتى الآن في حضرموت.
وفي موازاة ذلك، يعاني شعب الجنوب من مسلسل نيران الجرائم الإرهابية والمخدرات، حيث عاودت الجماعات الإرهابية ظهورها، بدءاً بمناطق شرق أبين وارتكاب جرائمها الإرهابية، فمن التقطعات واستهداف السيارات والقيادات العسكرية في الطرقات العامة أثناء مرورها، وما نتج عنه من خسائر في الأرواح، إلى جريمة اغتيال رئيس انتقالي مودية عبد ربه الميسري، وصولاً إلى العاصمة عدن واغتيال القيادي التربوي والإصلاحي الدكتور عبد الرحمن الشاعر في المنصورة، ومحاولة اغتيال نائف المحثوثي، إمام وخطيب مسجد في إنماء بالمنصورة أيضاً.
وبشأن اغتيال الدكتور الشاعر، ووفقاً لمدير أمن العاصمة، فقد تم القبض على المتهمين على ذمة الجريمة واعترفوا بارتكابهم لها، وأضاف أن الغرض خلط الأوراق في عدن، وهو ما كنا قد استنتجناه، وبمهنية أمنية مكتسبة، واختزلناه في عنوان مقالنا: (الجريمة الإرهابية واختيار عدن مدينة تعايش الأديان مكاناً لتنفيذها)، بشأن اغتيال الشاعر بالمنصورة، الذي تم نشره بتاريخ 27 إبريل المنصرم في صحيفة الأيام وصحيفة الثوري ومواقع إلكترونية ومجموعات واتسآب.
وفي السياق، اختُطف مدير عام الصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، مع سيارته من أمام منزله في مدينة إنماء بالمنصورة، من قبل مسلحين مجهولين، وبعد ساعات وجدوه مقتولاً بداخل سيارته في الحسوة، مديرية الشعب.
وتزامناً مع ارتكاب تلك الجرائم، وفي إطار تتبّع ومعرفة مرتكبيها وضبطهم، تمكّن رجال أمن عدن الأبطال من ضبط عصابة إرهابية، وبحوزتها كشف بقيادات حكومية وخطباء وأئمة مساجد، وكذلك أدوات تنفيذ الجرائم الإرهابية.
واللافت بالنسبة لأئمة وخطباء المساجد، أن ذلك يُعتبر ظاهرة جديدة لم تشهدها الساحة الجنوبية من قبل بهذا الشكل، وهو ما ينطبق عليه استنتاج مدير أمن العاصمة الحصيف: (خلط الأوراق في عدن).
وفيما يرتبط بجرائم الإرهاب بصورة عامة، يكون من المفيد التنويه إلى أن النشاط الاستخباري لا ينحصر على اختراق الأهداف، وعلى المعلومة والإحداثيات وحسب، بل يمتد ليشمل أيضاً تصدير خلايا الاغتيالات أو تحريك الخلايا النائمة وقت الحاجة. وعلى هذا الأساس، وعلى أساس القاعدة الأمنية ومفادها أن التتبّع للمشتبهين، حين يكون الفاعل مجهولاً، يبدأ من عند نقطة: من المستفيد؟ يمكن فهم خلفية تلك الجرائم.
على أن الحقيقة المؤكدة هي التي تظهرها نتائج التحقيقات النهائية بعد أن يتم القبض على المتهمين ومساءلتهم، وفي هذا الإطار، فإن جريمة اغتيال مدير صندوق التنمية الاجتماعي تأتي –كما يُقال– على خلفية نجاحه في نقل أصول وأموال الصندوق من صنعاء إلى عدن.
فيما جرائم المخدرات أيضاً قد اتسع انتشارها وتهريبها عبر البر والبحر، وتخزينها وبيعها، فمن الكبتاجون إلى شمة الحوت إلى البج، حتى الآن، إذ هي الوجه الآخر للإرهاب، طالما كانت وظيفتها إفساد جيل الشباب في صحتهم وعقولهم وذاكرتهم وعطاءاتهم الذهنية والجسدية، بما أن الأوطان تُبنى بسواعد وعقول أجيالها.
وحيث يأتي كل ذلك متلازماً مع استهداف للمجتمعات المحلية أيضاً، من خلال تغذية النزاعات القبلية والقروية، ومحاولة بعث ظاهرة الثارات وانتشار الجريمة الجنائية ونتائجها الكارثية في تفتيت تماسك النسيج الاجتماعي، ورابطة القربى وصلة الجوار، وكذا تهديد السلم الأهلي والأمن المجتمعي.
وثالثة الأثافي الفساد والعبث بالمال العام والاحتيال عليه، طالما كان الفساد يندرج، برأينا، في إطار الجرائم الإرهابية، فإذا كانت نتيجة الجرائم الإرهابية الموت السريع للنفس التي حرّم الله باستخدام السلاح، فإن نتيجة جرائم الفساد الموت البطيء للنفس، باختطاف لقمة العيش من الأفواه.
مما يستوجب كل ما سلف استعراضه، ولخطورة ذلك، التصدّي له ومواجهته بالمزيد من تضافر وتكامل وتنسيق الجهد الأمني، مسنوداً بصحوة مجتمعية ونشر التوعية الأمنية في أوساط المجتمع، باضطلاع الأحزاب والمكونات السياسية والقبلية والدينية والصحفية والإعلامية والقانونية والنقابية والشبابية والنسوية، وبقية منظمات المجتمع المدني، وكل أحرار الجنوب، بواجبها تجاه كل ذلك….

