“صحيفة الثوري” – (كتابات):
وسام محمد
خلال السنوات التي سبقت اندلاع الثورة في اليمن عام 2011، تعرّفتُ، من خلال الصحف، على صحفية تُدعى سامية الأغبري. حينها كنت لا أزال أدرس القانون في جامعة تعز. في العادة، كانت سامية تنشر تقارير ميدانية عن انتهاكات يتعرض لها مواطنون بسطاء من قبل نافذين، أو تقارير عن قضايا عامة.
بالطبع، لم يكن هذا وحده ما لفت انتباهي إلى سامية، بل كونها كانت تتصدر الفعاليات الاحتجاجية دفاعًا عن حريات الرأي والتعبير، وعن الصحفيين الذين كانوا يتعرضون لانتهاكات ويُعتقلون بطرق غير قانونية. فقد كانت تتصدر هذه الاحتجاجات، وأحيانًا تقوم بتنظيمها بشكل ذاتي. كانت هذه هي النقطة الأولى: أن سامية الأغبري صحفية حقيقية، تهتم بما يتعرض له زملاؤها من انتهاكات ومضايقات، وتخاطر في سبيل الدفاع عنهم.
النقطة الثانية هي أن سامية كانت تدافع عن زملائها الصحفيين من توجهات سياسية تخالف توجهاتها. ولم يكن الأمر مجرد إسقاط واجب، بل كانت تدافع عنهم بشراسة، أكثر مما يفعل زملاء هؤلاء الصحفيين من نفس التوجه. وأي قضية تتصدى لها سامية كانت تصبح قضية رأي عام، وتتفاعل معها جميع الصحف والمنظمات الحقوقية. في إحدى المرات –وهي اليسارية المتطرفة– كانت تدافع عن صحفي تتهمه السلطات بأنه “إرهابي”.
كان هذا صادمًا لكثيرين، لكنه كان مسألة روتينية بالنسبة لها. فهي لم تكن تدافع عن معتقدات الشخص وما يمثله، كما صرّحت بذلك في أكثر من مناسبة، بل كانت تدافع عن حقه القانوني والإنساني كمواطن يمني، كونه اعتُقل واحتُجز بطريقة غير قانونية ولم يُقدّم للمحاكمة. كان هذا لافتًا لطالب يدرس القانون ويهتم بقضايا الشأن العام، ويرى كيف تجري الأمور؛ حيث يُقدَّم الانتماء السياسي، وأحيانًا الجهوي والطائفي، على المواطنة وعلى القانون والدستور.
بجهد شخصي آنذاك، كانت سامية تحاول التأسيس لحركة تدافع عن حرية الرأي والتعبير في اليمن. وأتذكر أنها نظّمت أول معرض صور حول الانتهاكات بحق الصحفيين والمعارضين في اليمن عام 2010، مع إصدار تقرير رصدي حول انتهاكات حرية الرأي والتعبير لعام 2009. هذا الدور، ضمن أدوار صحفية وحقوقية وسياسية عديدة، شكّل مع أدوار أخرى ساهم بها آخرون، أحد العوامل التي مهّدت لاندلاع الثورة في اليمن في فبراير 2011.
عندما اندلعت الثورة، كانت سامية في صدارة مفجّريها. وقد تعرّضت، في مظاهرات الأيام الأولى، للضرب من قبل مسلحي النظام (البلاطجة)، وسقطت أرضًا ونُقلت إلى المستشفى. لكنها، بعد أيام، خرجت وعادت إلى الساحة، ولم تفعل كما فعل كثيرون حوّلوا ما تعرضوا له من انتهاكات إلى مادة للاستثمار السياسي والعلاقات العامة.
في العادة، يتمتع الناشطون في مجال حقوق الإنسان بشبكة علاقات واسعة، لكنها غالبًا ما تقوم على المصالح والمنافع المتبادلة. ويحرص هؤلاء الناشطون على عدم الدخول في عدوات مباشرة مع أي طرف، ليصبح عملهم في هذا المجال أقرب إلى “البزنس”: دورات، وسفريات، ومشاريع، إلى جانب الترقي الوظيفي في الهياكل الإدارية للدولة.
الأمر مختلف بالنسبة لسامية. فلديها شبكة علاقات واسعة، لكنها ذات طابع مهني وإنساني، ومحكومة بالمواقف المبدئية من قضايا الحقوق والحريات. وفي الوقت نفسه، لديها شبكة عداوات واسعة، بنتها على مدى سنوات طويلة نتيجة مواقفها الواضحة، سواء من منتهكي الحقوق والحريات أو من بعض دوائر الوسط الصحفي والحقوقي. وهو ما جعلها عرضة للاستهداف ومحاولات تصيّد الأخطاء. لكن اللافت أنها، عندما تخطئ، تعترف سريعًا وتعتذر، وتواصل نشاطها بإمكاناتها الذاتية وعلاقاتها، دفاعًا عن كل من يتعرضون لانتهاكات، بغض النظر عن خلفياتهم وانتماءاتهم أو الجهة التي ارتكبت تلك الانتهاكات بحقهم.
قد يبدو غريبًا أن عشرات النساء من مجايلات سامية، وممن جئن بعدها –وغالبًا بأدوار أقل من دورها– قد حصلن على جوائز مختلفة من منظمات حقوقية ومؤسسات صحفية دولية، بينما لم تحظَ سامية بالاهتمام نفسه. لكن هذا ليس مستغربًا؛ فهي لا تسعى إلى ذلك، إذ إن مثل تلك الجوائز تتطلب مواصفات من نوع خاص لا تحرص سامية على توافرها فيها.
لهذا، أعتبر سامية الأغبري نموذجًا ملهمًا في مجال الدفاع عن الحقوق والحريات العامة. وقد اختبرتها السنين والظروف؛ فلم تسقط ولم تتغير، رغم الظروف القاسية التي تواجهها في المنفى الإجباري.

