“صحيفة الثوري” – خاص:
تحليل: خليل الزكري
يكشف تقرير رويترز عن أزمة السيولة في اليمن، عند قراءته جنبا إلى جنب مع الاجتماع الحكومي العاجل الذي عقد الثلاثاء الماضي في الرياض برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، عن بنية أزمة مركبة تتجاوز التوصيفات التقنية إلى مستوى الصراع على السلطة والموارد.
ويعكس التباين بين توصيف الحكومة والبنك المركزي من جهة، ورؤية عديد خبراء في الاقتصاد من جهة أخرى، ما هو أبعد من خلاف تقني؛ إذ يمثل صراعا بين سرديتين متناقضتين:
تتعامل الحكومة مع الأزمة بوصفها “أزمة سيولة”، تربطها بتكدس النقد خارج الجهاز المصرفي وامتناع المحافظات عن التوريد، فيما يقدم الخبراء قراءة مغايرة تعتبرها “أزمة موارد”، أي عجزا فعليا في الإيرادات، ما يجعل الحديث عن وفرة نقدية أقرب إلى وهم حسابي.
هذا التضارب يكشف عن أزمة ثقة داخل بنية القرار الاقتصادي، إذ تستعمل الأرقام كأدوات تبرير سياسي.
ولا يمكن فهم هذا التباين دون النظر إلى تشكل ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد السلطة” وليس “اقتصاد دولة”؛ حيث تدار الموارد كأدوات نفوذ وسيطرة، لا كمكونات موازنة عامة للدولة.
ضمن هذا الإطار، تصبح الإيرادات المحلية مصدر شرعية للقوى المسيطرة، لا مجرد تدفقات مالية يفترض توريدها إلى البنك المركزي.
وعند تتبع آليات التفكك المالي، تتضح ثلاث ديناميكيات رئيسية تغذي هذه الأزمة:
• الأولى: لامركزية قسرية للإيرادات، تتمثل في امتناع محافظات مأرب وحضرموت والمهرة وتعز عن توريد مواردها إلى البنك المركزي في عدن، ما أدى إلى تفريغ الخزينة العامة.
ولا يرتبط هذا الامتناع بخلل إداري بقدر ما يعكس حسابات سياسية بالنسبة للسلطات المحلية الممتعة؛ إذ إن تكلفة التوريد للبنك المركزي – بما تعنيه من فقدان السيطرة على الموارد – تبدو أعلى من كلفة مخالفة القرارات، خاصة في ظل غياب أدوات إلزام فعالة.
• الثانية: اقتصاد الظل والمضاربة، حيث تحتفظ شبكات الصرافة والتجار بالسيولة خارج البنوك، بما يمنحها قدرة فعلية على التأثير في سعر الصرف.
• الثالثة: انقطاع الموارد السيادية، نتيجة توقف تصدير النفط منذ عام 2022 وتراجع الدعم الخارجي، ما أفقد الدولة أهم مصادر النقد الأجنبي.
وتعكس هذه العوامل مجتمعة تآكل وحدة القرار الاقتصادي.
ومع استمرار الأزمة وغياب أدوات حكومية فعالة للاحتواء، تنتقل من كونها أرقاما في التقارير إلى ضغط يومي ملموس، يتجلى في تأخر الرواتب لأشهر طويلة، واعتماد حلول جزئية عبر العملات الأجنبية، وتآكل القدرة الشرائية إلى حد العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية، إلى جانب تراجع حاد في الخدمات.
هنا يبرز البعد الأخطر: انتقال الأزمة من مستوى الدولة إلى مستوى بقاء الأفراد.
ورغم تبني البنك المركزي سياسة نقدية محافظة –تمثلت في الامتناع عن طباعة النقد لتجنب التضخم، ورفع سعر الفائدة إلى 18% لامتصاص السيولة– فإن هذه الأدوات، على أهميتها، تصطدم بحقيقة أن جوهر الأزمة سيادي يتعلق بمن يملك القرار المالي، ويتجاوز كونه خللا نقديا.
وبصياغة أدق، تكمن المشكلة في انفصال القرار عن أدوات فرضه؛ حيث تمتلك الحكومة شرعية إصدار القرارات، بينما تحتفظ الأطراف المحلية بأدوات التنفيذ الفعلية المرتبطة بالموارد والقوة على الأرض.
في هذا السياق، يأتي الاجتماع الحكومي العاجل في الرياض بوصفه استجابة سياسية لضغط اقتصادي، حيث يكشف توقيته أنه أقرب إلى رد فعل منه إلى مبادرة مستقلة.
وبقدر ما يوحي الاجتماع بمحاولة لمعالجة الأزمة، فإنه يعكس في جوهره سعيا لاحتواء الانكشاف إعلاميا وإعادة ضبط الصورة أمام المانحين، عبر الإيحاء بأن الحكومة ما تزال ممسكة بزمام المبادرة.
كما أن حضور محافظي المحافظات الرئيسية، خصوصا مأرب وحضرموت، يحمل طابعا إخراجيا يوحي بالتوافق، أكثر من كونه مؤشرا على حل فعلي لأزمة التوريد.
ورغم التلويح بقرار مجلس القيادة رقم 11 لسنة 2025 كأداة قانونية لإلزام المحافظات بتوريد الإيرادات، فإن ذلك يكشف مفارقة جوهرية: وجود نص قانوني في مقابل قدرة تنفيذية محدودة ومشروطة.
ويكشف الربط بين ما أورده تقرير رويترز ومخرجات اجتماع الحكومة في الرياض عن فجوة تنفيذ واضحة بين توصيف الواقع وآليات الاستجابة، حيث لا تعكس القرارات الحكومية معالجة مباشرة للأزمة بقدر ما تعيد إنتاجها في صيغة خطابية.
فعلى مستوى الإيرادات، يقابل امتناع المحافظات عن التوريد تأكيد متكرر على قرارات قائمة دون أدوات تنفيذ جديدة، ما يحوّل النص القانوني إلى بديل عن الفعل.
وفي ملف السيولة، يتجاور الحديث عن برامج إصلاحية وموازنات عامة مع واقع يومي يعاني فيه المواطن من شح النقد، بما يعكس انفصالا بين المؤشرات الكلية والتجربة المعيشية.
أما في قطاع الكهرباء، فإن طرح خطط لتأمين الوقود يتجاهل سؤال التمويل، في ظل بقاء الموارد خارج السيطرة المركزية.
وفي جانب الفساد والمضاربة، تستبدل الأدوات النقدية المحددة بخطاب عام حول الشفافية، بما يفرغ المعالجة من بعدها الإجرائي.
وهذه الفجوة هي نتيجة بنيوية لازدواج السلطة، حيث من يملك القرار لا يملك أدوات فرضه.
ويشير زمان ومكان انعقاد الاجتماع وطبيعة خطابه إلى أن الرسالة لم تكن موجهة للداخل بقدر ما استهدفت الخارج، خصوصًا المانحين.
فبدل أن يعكس الاجتماع قدرة على فرض القرار، قدم عرضا سياسيا للتماسك، في محاولة لاحتواء أثر الانكشاف الذي أحدثه تقرير الوكالة الذي نشر قبل يوم من الاجتماع.
الأكثر دلالة هو الإشادة بما سمي “الانسجام” بين الحكومة والسلطات المحلية؛ وهي عبارة تحمل معنى معكوسا، إذ إن الانسجام في الدول المستقرة يكون نتيجة قوة الدولة، بينما يعكس في الحالة اليمنية غياب القدرة على الإلزام، بحيث يتحول المركز من موقع القرار إلى موقع التفاوض.
ورغم هذا التفكك، يستمر النظام في حالة تماسك هش، مدفوعا بتوازنات داخلية وضغوط خارجية تمنع الانهيار الكامل دون أن تسمح بالاستقرار.
في المحصلة، يربط بين التقرير والاجتماع الحكومي علاقة سببية عميقة:
الأزمة الاقتصادية تعبير عن تفكك سياسي في بنية الدولة، فيما يمثل الاجتماع محاولة لإدارة هذا التفكك لا معالجته.
وفي هذا السياق، يمتد أثر الأزمة إلى إعادة تشكيل موازين الفاعلين المحليين كنتيجة لإضعاف المركز.
فمع اتساع فجوة التنفيذ وتراجع القدرة الحكومية على فرض القرار، تتسع هوامش الحركة أمام القوى المنظمة على الأرض، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يجد في هذا الواقع فرصة مواتية لإعادة تموضعه السياسي وتعزيز حضوره، مستفيدا من تراجع الدور الخدمي والمالي للحكومة، دون أن يعني ذلك بالضرورة حسم موازين القوة، بقدر ما يعكس قابلية هذا الواقع لإعادة إنتاج الفاعلين وفق ميزان الفراغ القائم.
وتشير تحركات الانتقالي الأخيرة في عدن وحضرموت والضالع إلى محاولة استثمار هذا الفراغ، ليس فقط كاستجابة ظرفية، ولكن كجزء من إعادة ترتيب أوراق النفوذ في الجنوب، في سياق إقليمي تلعب فيه الإمارات العربية المتحدة دورا داعما لبعض هذه التوجهات.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن مسار الأزمة يتجه نحو أربعة احتمالات: استمرار الوضع القائم مع إدارة دورية للأزمة دون حل جذري، تدخل خارجي لفرض حد أدنى من تدفق الموارد نحو المركز، تصاعد الضغوط المعيشية بما يفتح المجال أمام توترات داخلية أوسع، الانزلاق إلى مسار هجين يجمع بين تحسينات خدمية مؤقتة واستمرار التوتر السياسي في الخلفية.
وبتوصيف أدق، يعيش اليمن حالة ازدواج في السلطة المالية، حيث تتوزع السيطرة بين مراكز نفوذ متعددة، بينما تبقى الحكومة في موقع رد الفعل.
وهو ما يفسر لماذا تتحول كل معالجة اقتصادية إلى مفاوضة سياسية، ولماذا تبدو القرارات أقرب إلى بيانات طمأنة منها إلى أدوات تغيير فعلي.
وحين تعجز الدولة عن تحويل مواردها إلى سلطة، تتحول الأزمة من خلل مالي إلى صراع على من يملك القرار المالي ذاته. وهو ما يجعل أي حل اقتصادي مرهونا بإعادة تعريف مركز السلطة، لا بإعادة توزيع الإيرادات فقط.

