آخر الأخبار

spot_img

تحولات السيادة في نظام دولي متعدد الأقطاب….نحو نموذج هجين

صحيفة الثوري- كتابات

كتب / مصطفى المشولي

ملخص المقال

يحلل المقال تحولات السيادة في 2026 نحو ‘نموذج هجين’، حيث تتراجع مواثيق ويستفاليا أمام ‘النيو-إمبريالية الخشنة’ وعقيدة الصفقات. عبر نماذج فنزويلا وملف جرينلاند، يرصد المقال تسييس القضاء وتصفية السيادة بالذرائع الأمنية. وفي المقابل، تبرز الصين بـ ‘فلسفتها الكنفوشيوسية’ كقطب طامح للسيادة في تايوان والقطب الشمالي.

وبينما تحاول أوروبا وبريطانيا حماية المرجعيات القانونية، تفرض القوى الإقليمية (كمصر والسعودية واليابان والهند) نفسها كـ ‘بيضة قبان’ في نظام يعيد تعريف التدخل وتوازن القوى، موازناً بين الاستقلال الوطني وواقعية الصفقات الكبرى.”

النيو-إمبريالية وتسييس السيادة القانونية (تفكيك ويستفاليا)

يشهد مطلع عام 2026 تحولاً بنيوياً في مفهوم السيادة الوطنية الذي ظهر منذ معاهدة ويستفاليا (1648). نحن لا نرصد مجرد صراع على النفوذ، بل نشهد ولادة ظاهرة “النيو-إمبريالية الخشنة”، حيث يتم إحلال “عقيدة النتائج” محل المبادئ القانونية والأخلاقية التي تأسس عليها نظام الأمم المتحدة بعد عام 1945.
1. عولمة القضاء المحلي: القوة فوق النص القانوني
تبرز الإشكالية الجوهرية اليوم في “تسييس السيادة القانونية”؛ حيث تسعى القوى العظمى لتجاوز الحصانات السيادية التقليدية عبر تمديد ولاية قضائها المحلي ليكون أداة عابرة للحدود. وتعتبر حالة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو “نموذجاً تطبيقياً” لهذا التوجه؛ إذ لم تعد المحاكم الدولية (مثل الجنائية الدولية والعدل الدولية) هي المرجعية الوحيدة، بل أصبح القضاء المحلي للقطب الأقوى أداة “ضبط وإحضار” قارية. هذا التحول يثير مخاوف مشروعة حول مستقبل القانون الدولي، حيث تتحول المرجعيات القانونية الدولية إلى أدوات شكلية أمام تغول “العدالة الإجرائية” التي تفرضها القوى الكبرى لتأمين مصالحها.

2. “الوقاحة السياسية” كمنهج لإدارة المصالح
من منظور تحليلي، نجد أن الدبلوماسية التقليدية أفسحت المجال لما يمكن وصفه بـ “الوقاحة السياسية الاستراتيجية”. هذه الممارسة تعكس جوهر النيو-إمبريالية المعاصرة، التي لا تكتفي بخرق القانون الدولي، بل تسعى لتقويضه من الداخل عبر فرض “قانون القوي” كمرجعية وحيدة. إن استخدام الضربات الاستباقية، سواء كانت عسكرية “جراحية” أو قانونية مباغتة، يهدف إلى انتزاع الموارد وتأمين الأسواق دون انتظار التوافقات الدولية.

هذا التآكل في جدار السيادة يضع الدولة الوطنية في وضع “الطرف المتلقي” ضمن معادلة الصفقات الكبرى، مما يهدد بانهيار العقد الاجتماعي الدولي ويفسح المجال أمام نظام لا يعترف إلا بمنطق “الأمر الواقع” ودفاتر حسابات العمالقة، وهو ما يستدعي إعادة قراءة دور القانون الدولي في حماية الدول الأقل وزناً في ميزان القوى.

مختبرات “الجغرافيا المسلحة” وسيناريوهات التقاسم الاستراتيجي

بينما تمثل فنزويلا ساحة لاختبار “تصفية السيادة قضائياً” في الجنوب، يبرز القطب الشمالي اليوم كمختبر لما يمكن وصفه بـ “الجغرافيا المسلحة”؛ حيث يتم تحويل الأطماع في الموارد إلى “ضرورات أمنية” قسرية تعيد رسم حدود النفوذ فوق رؤوس الدول السيادية.
1. جرينلاند: من السيادة التاريخية إلى “الاستحقاق الهيكلي”
يمثل ملف جرينلاند في عام 2026 جوهر التحول في العقيدة الأمريكية؛ حيث انتقلت واشنطن من مرحلة “الرغبة في الاستحواذ” إلى مرحلة “التنفيذ الهيكلي”. ويبرز هنا دليل ميداني قاطع يتجسد في تعيين واشنطن لمبعوث خاص لجرينلاند. هذا الإجراء يتجاوز التنسيق الدبلوماسي التقليدي ليؤسس لما يمكن تسميته بـ “القناة السيادية الموازية”؛ حيث يتم التعامل مع الجزيرة ككيان مستقل “واقعياً” تحت الوصاية الأمريكية قبل وقوع أي تغيير “قانوني” في علاقتها مع الدنمارك.

هنا تبرز استراتيجية “اختلاق الذرائع الأمنية”؛ حيث يُبرر الوجود العسكري الأمريكي المكثف (كما في قاعدة بيترسن) بضرورة حماية المنطقة من التغلغل الخارجي، بينما الهدف الجوهري هو تأمين المعادن النادرة وطرق الملاحة القطبية الناشئة. هذا التوجه يعكس “وقاحة سياسية” في توظيف مبادئ مثل “حق تقرير المصير” لتفكيك سيادة الحلفاء التاريخيين وتأمين المصالح الإمبراطورية.

2. فرضية “ألاسكا”: هل نحن أمام “يولتا” جديدة؟
في ظل هذا التحول، يبرز تساؤل استراتيجي حول موقف القوى الدولية الأخرى، وتحديداً روسيا. إن الهدوء الروسي النسبي تجاه التحركات الأمريكية يفتح الباب أمام فرضية “الاحتواء عبر التقاسم”، والتي قد تكون نُقشت مسوداتها في لقاءات رفيعة المستوى مثل “لقاء ألاسكا”.

الموضوعية تقتضي قراءة هذا اللقاء كسيناريو محتمل لـ “الصفقات الكبرى” (Grand Bargains)، حيث تُشير القرائن إلى احتمالية مقايضة سيادية تهدف لـ:
تثبيت مناطق النفوذ: احتمال اعتراف متبادل بمجالات حيوية (مقايضة النفوذ في شرق أوروبا مقابل إطلاق يد واشنطن في النصف الغربي والقطب الشمالي).
البرغماتية القطبية: إدراك الطرفين أن الصدام المباشر مكلف استراتيجياً، مما يجعل “تقاسم السيادة” فوق أراضي الدول العازلة هو المسار الأكثر ترجيحاً لإدارة النظام الدولي الجديد.
إن هذا السيناريو، في حال تحققه، يثبت أن السيادة في مناطق التماس الجيوسياسي أصبحت “متغيراً” في غرف المفاوضات المغلقة، حيث تُعاد صياغة مفهوم الأمن القومي ليمتد فوق سيادة الآخرين، مما يرسخ نهج “النيو-إمبريالية” كواقع مهيمن.

صدام النماذج القطبية وصعود “أقطاب الاستقرار” الإقليمية

بينما تمارس واشنطن “عقيدة النتائج” عبر أدوات النيو-إمبريالية الخشنة، تبرز في الضفة الأخرى نماذج استراتيجية تحاول الموازنة بين فرض النفوذ والحفاظ على استمرارية النظام الدولي، مما يخلق حالة من “التكامل التنافسي” المعقد.

1. الاستراتيجية الكنفوشيوسية واختبار بؤر الصدام: من تايوان إلى القطب الشمالي
تتبنى بكين رؤية “المصير المشترك” المستمدة من الفلسفة الكنفوشيوسية، وهي استراتيجية تعتمد “الشراكة القسرية” بدلاً من الصدام العسكري. ومع ذلك، يمتد الطموح الصيني ليتجاوز تايوان وبحر الصين الجنوبي نحو القطب الشمالي؛ حيث تسعى بكين لترسيخ مفهوم “طريق الحرير القطبي”. الصين لا تكتفي بمراقبة الصراع الأمريكي-الروسي هناك، بل تفرض نفسها كشريك تكنولوجي ومالي لا غنى عنه في تطوير طرق الملاحة القطبية.

هذا التمدد “الهادئ” يمثل تحدياً مباشراً لعقيدة الصفقات الأمريكية، حيث تراهن بكين على أن حاجة واشنطن وموسكو للاستقرار الاقتصادي ستجبرهما على قبول الدور الصيني كقطب موازن في “جيوبوليتيك الجليد”.

2. أوروبا وبريطانيا: الصراع بين “المبدأ” و”الواقعية القاسية”
يواجه الاتحاد الأوروبي وبريطانيا تحدياً وجودياً؛ فبينما يحاول الأوروبيون التمسك بمرجعية القانون الدولي وقواعد “ويستفاليا”، يجدون أنفسهم مضطرين للتكيف مع عالم الصفقات الترامبية. تحاول بريطانيا استعادة دور “الوسيط الاستراتيجي” عبر برامج التسلح والتحالفات الأمنية، لكن تآكل حصانات السيادة التقليدية يضع القارة العجوز أمام خيارين: إما التكتل لفرض “سيادة أوروبية” موحدة قادرة على المناورة بين الأقطاب الثلاثة، أو التحول إلى ساحة خلفية لتفاهمات العمالقة.3. القوى الإقليمية العالمية كـ “بيضة قبان”
لم يعد شكل العالم محصوراً في قطبية ثنائية، بل برزت “أقطاب استقرار” إقليمية عابرة للقارات فرضت نفسها كضرورة جيوسياسية.

3- في الشرق الأوسط وأفريقيا: تبرز مصر والسعودية وتركيا كأركان لهذا الاستقرار؛ فبينما تقود السعودية توازنات الطاقة والمال، تلعب مصر دور “المهندس الجيوسياسي” والمؤمن للممرات الملاحية الاستراتيجية وقضايا الأمن الإقليمي، مما يجعلها رقماً صعباً في معادلة الاستقرار المتوسطي والأفريقي.

4 في آسيا: تبرز اليابان والهند كحائط صد استراتيجي؛ حيث تعيد اليابان تعريف دورها الدفاعي والقطبي لمواجهة التمدد الصيني، بينما ترفض الهند التبعية المطلقة.
هذه القوى، بمرونتها وقدرتها على المناورة، تشكل الضمانة الحقيقية لمنع انفراد أي قطب بصياغة مصير الكوكب.
نحو فهم ديناميكي للسيادة (النموذج الهجين)

إن التحليل المعمق لواقع 2026 يشير إلى أننا لا نعيش نهاية السيادة، بل “إعادة تعريفها” ضمن نظام هجين يجمع بين بقاء الدولة الوطنية كوحدة شرعية، وبين ضرورة تقاسم الصلاحيات في ملفات السيادة الرقمية والمناخ وسلاسل الإمداد العالمية.

إن مستقبل النظام الدولي سيتحدد من خلال القدرة على الموازنة بين احترام الاستقلال الوطني ومعالجة التحديات الكونية. النجاح في هذا النظام ليس لمن يمتلك القوة العسكرية الفائقة فحسب، بل لمن يمتلك القدرة على بناء الجسور وتوظيف التكنولوجيا والمال لخدمة استقرار شامل، يمنع تحول العالم إلى إقطاعيات جديدة يحكمها اقطاعيو التنكولوجيا والشركات متعددة الجنسيات.