صحيفة الثوري- حوارات:
اعدها للنشر وسام محمد
_ الحل يكمن في “دولة اتحادية ديمقراطية” تعترف بالهويات الفرعية والحقوق الثقافية لكل المناطق (حضرموت، تهامة، الجوف.. إلخ) دون شعور بالظلم أو الغبن.
_ المشروع أكبر من المجتمع.. نحن نساق ضمن مخطط دولي وإقليمي قد نكون جميعا ضحاياه.
_ الحقيقة المرة هي أنه لا توجد نجاة فردية؛ إما أن ينجو المجتمع اليمني كله أو يغرق كله.
_ المشروع الحوثي لا يمكن أن يكون جزءا من الحل لأنه لا يؤمن بالمواطنة المتساوية.
قال د. معن دماج، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، أن المستفيد الأكبر مما يحدث في الجنوب وفي المحافظات الشرقية من اليمن، هو الحوثي؛ حيث يراقب انتحار خصومه سياسياً وعسكرياً، مما يعزز شرعيته الأخلاقية أمام جمهوره بأن خصومه “طلاب سلطة” لا يحترمون حرمة الدم.
وخلال مقابلة تلفزيونية في برنامج على “طريق السياسة” مع الإعلامي عارف الصرمي، بثت على الهواء من قناة “اليمن اليوم” في القاهرة مساء الجمعة 2 يناير/ كانون الثاني 2026، أكد دماج أن انفجار الصراع الأخير لا علاقة له باليمنيين كونه انعكاس لصراع جيوسياسي وتصادم مصالح إقليمية، خاصة مع وصول التناقضات بين الأقطاب الإقليمية (السعودية والإمارات) إلى مستوى يصعب إخفاؤه. وهناك إسرائيل التي قال انها تلعب في “تخوم” المشهد وتريد إعادة رسم التوازنات في المنطقة لفرض اندماجها كشرطي للمنطقة ومركز اقتصادي مهيمن.
اعتبر دماج أن إعلان عيدروس الزبيدي الأخير (المرحلة الانتقالية) هو “هروب للأمام” بعد انكسارات ميدانية في حضرموت، وأنه يدفع بالمعركة لتكون “صفرية” قد تمتد لاحقاً إلى شبوة وأبين وعدن، وأضاف بأن الخوف ليس من عودة اليمن لدولتين، بل من “تفتته” إلى كانتونات متصارعة وحرب أهلية شاملة تأكل الأخضر واليابس. ويؤكد دماج أن اليمن حالياً لا يملك مقومات بناء دولة ذات سيادة واقتصاد مزدهر بمفرده، فكيف بتجزئته؟ معتبراً أن الانفصال في ظل الظروف الراهنة هو “انتحار سياسي”.
قال بأن هناك تقاطع نادر حالياً بين المصالح العليا للسعودية والمصالح العليا للشعب اليمني في الحفاظ على كيان الدولة، مضيفا الموقف الصارم للرئاسة اليمنية (رشاد العليمي) مدعوماً بسقف سعودي عالٍ، يشكل “طوق نجاة” أخير لمنع تفتت البلاد
دعا الدكتور معن في نهاية اللقاء زملائه المثقفين إلى ممارسة “النقد الذاتي” وعدم الانجرار خلف الممول الخارجي، مؤكداً أن دور الأكاديميين في الأزمة كان “مخجلاً” في كثير من المحطات بسبب التبعية السياسية.
نص المقابلة:
• عارف الصرمي: السلام عليكم، أهلاً بكم في هذه الحلقة على “طريق السياسة”. ما الذي يجري في حضرموت والمحافظات الشرقية؟ لا غبار سوى أصداء المدافع والدبابات وقصف الطائرات. سكتت كل العقول وتحدث الرصاص مجدداً في اليمن. فلتان الأعصاب الموجود في جنوب اليمن، إلى أين يمكن أن يأخذ اليمن والأمن القومي الخليجي والمصالح العربية؟ بل كيف نفهم تفرّج إيران وتفرّج الحوثي وتفرّج إسرائيل؟ وكيف فهمنا في اليمن اعتراف إسرائيل بجنوب الصومال؟ هذه اللحظة التاريخية التي يعيشها شرق اليمن، إلى أين يمكن أن تذهب بدول التحالف التي جاءت في 2015 لتنقذ اليمن، وإذا بها تختصم مع بعضها في اليمن في 2025؟ وإذا باليمن قد لا يكون مجرد ضحية، وإنما قد يتحول إلى مصيبة قد تعصف ليس فقط بالأمن القومي الخليجي، وإنما بمستقبل الاستقرار في المنطقة. نتوقف اليوم بإعادة قراءة مسؤولة وهادئة: ما الذي يجري في اليمن؟ إلى أين يمضي بنا؟ هل له من نهاية قريبة؟ هل هناك 10 سنوات في الجنوب بعد 10 سنوات في الشمال؟
يشرفني أن يكون معي السياسي والأكاديمي الأستاذ معن دماج، وهو مدرس مساعد للفلسفة بجامعة صنعاء ومن كبار الباحثين المتعمقين. أستاذ معن، شرف كبير لي أنك ضيفي بالاستوديو في القاهرة وأنت المقيم في تونس.
– د. معن دماج: أهلاً ومرحباً بك، الشرف لي وأنا سعيد أن ألتقي معك دائماً.
* عارف الصرمي: أستاذ معن، سياسياً ومعرفياً، هذا الذي يجري اليوم في حضرموت.. فلتان أعصاب، الكل يريد أن يقاتل. قبل قليل أعلن عيدروس الزبيدي إعلاناً دستورياً ومرحلة انتقالية لسنتين لاستعادة ما سماه “دولة الجنوب العربي”. قل لي، نحن في اليمن كيف يجب أن نفهم الصورة وما يجري؟
– د. معن دماج: ما حدث اليوم هو مرحلة جديدة في تحلل الدولة الوطنية اليمنية، وهو أيضاً مرحلة في سقوط مشروع الوطنية اليمنية الذي هو مشروع حديث في الواقع، بدأ ربما في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو يختلف تماماً عن الهوية الثقافية اليمنية. هذا مشروع سياسي كان له آفاق لا علاقة لها فقط بالإطار السياسي والتوحيد القومي، بقدر ما كان له آفاق اجتماعية تحولت لمفهوم الجمهورية والمشروع الاشتراكي.
هذا المشروع شهد صعوبات تعود لطبيعة حجم التخلف الاجتماعي الشامل الذي كانت تعيشه اليمن، الشمال بصفة خاصة مع المتوكلية والإمامة، وأيضاً الجنوب. هذا التخلف جعل المهام التي وضعتها الوطنية اليمنية لنفسها بالغة التعقيد، خصوصاً أنها وضعت سقفاً عالياً؛ كانت أول جمهورية تنشأ في الجزيرة العربية، وفي الجنوب تحولت لمشروع تحرر وطني برفع آفاق اشتراكية.
أنا أقول إن هذا المشروع اليوم واجه صعوبات بدأت تجلياتها منذ الثمانينات، وأعتبر أن “13 يناير” كانت أول ضربة في مشروع الوطنية اليمنية، ثم وصلنا لعقدة أخرى بوحدة أُعدت على عجل، وبممارسة متعسفة وإعداد سيء قادنا لوصول حرب صيف 94 وعودة الإمامة الجديدة.
* عارف الصرمي: أستاذ معن، نريد أن نفكر بعمق. هذا الذي يجري في حضرموت، المواجهة بين جسم الشرعية الذي انقسم فجأة، والمواجهة بين الحلفاء الخليجيين.. إلى أين يمضي باليمن؟
– د. معن دماج: الذي يحصل في حضرموت يتعلق بمسارين: مسار محلي له علاقة بتعقيدات الاندماج الوطني وانهيار الدولة، ومسار آخر يتعلق بالصراع الجيوسياسي ومصالح إقليمية ودولية. لحظة الصراع الحالية، رغم أن الإعداد لها قد يكون من وقت طويل، لكنها انفجرت لأسباب غير محلية؛ بسبب تصادم مصالح مسار إقليمي معين يتعلق بملفات أخرى مثل الملف السوداني، وبسبب صعود الخلافات بين دول الخليج الأساسية (الإمارات والسعودية) التي وصلت تناقضاتها لمستوى لم يعد يمكن إخفاؤه.
* عارف الصرمي: كيف تفهم الحوثي وهو يتربص؟ وصمت إسرائيل وتفرّج إيران؟
– د. معن دماج: بالنسبة للحوثي، هو يتبع سياسة “إذا رأيت عدوك ينتحر فعليك أن تتركه يستمتع”. هو مستفيد كبير لأن خصومه الذين ينازعونه على الشرعية السياسية بدا أنهم مثله طامحون للسلطة ولا يحترمون حرمة الدم. بالنسبة لإيران، هي تعيش نشوة أن خصومها يذبحون بعضهم. أما الموقف الإسرائيلي فغامض، لكن إسرائيل تخوض منذ سنتين معركة تغيير التوازنات في الإقليم وتريد رسمه ضمن مصالحها.
* عارف الصرمي: أستاذ معن، كيف ترد أو تعلق أو تقرأ صيغة أن إيران لا تريد الانفصال لأن الأطراف جميعاً ستضعف وسيكون هناك فرصة في المستقبل للحوثي أن يبتلع اليمن كلها وليس فقط نصف اليمن؟ فإذا ما تم انفصال سيكون أمام الحوثي أن يبقى في نصف اليمن.. وهناك من يقول بأن هذه هي الفرصة التاريخية لأن يتقارب الجميع مع الحوثي ويتسابقوا للتقارب معه، فينتقي مشروع الجنوب العربي أو الانفصال بأن يترك الحوثي يحتل أكثر من محافظة جنوبية كالضالع وأبين وغيرها وبالتالي تُخلط الأوراق بشكل كثيف. المشهد في حضرموت يأخذنا إلى أين؟ هل يأخذنا إلى أن نقدم اليمن هدايا على قوالب كيك لإسرائيل وإيران والمتصارعين في المنطقة؟ أم أننا يمكن أن ننجو؟ كيف تبدو الصورة؟
– د. معن دماج: إذا قرأنا المشهد الذي حصل خلال الثلاثة أو الأربعة الأيام الماضية، هناك مستويان لقراءة هذا المشهد: من ناحية، هو منعطف كبير وربما وصول إلى مرحلة “اللا عودة” في صراع الأطراف التي كانت محسوبة على الشرعية اليمنية. لكن من داخل هذا السواد الحالك، ظهرت إشارة على إمكانية استعادة مسار لاستعادة الدولة اليمنية؛ الموقف القوي الذي بدأت تأخذه الرئاسة اليمنية، لأنه في الواقع الموقف يُحسب للدكتور رشاد العليمي بشكل رئيسي، ربما معه ثلاثة من الأعضاء، لكن في الأخير هو الموقف الذي بلوره بشكل شخصي، إضافة طبعاً إلى الدعم والسقف العالي الذي أخذته المملكة العربية السعودية.
أنا أتصور أن هذا مشهد يمكن أن يعيد التوازنات في الإقليم كله. الأمر الآخر أن ما بدا أنه سيكون معركة مكلفة ودموية ومؤلمة في حضرموت، الساعات الماضية تشير إلى أن المعركة لن تكون بتلك القسوة ولا بتلك الضراوة، ولن يكون ذلك الثمن الفادح الذي كلنا نخشاه، لأن في الأخير كل هؤلاء الجنود يمنيون من أهلنا، أبناء الفلاحين والقبائل والمدن المساكين الذي انخرط جزء منهم بدافع الحاجة.
رغم أنني لا أنكر أبداً طبيعة شعبية مشروع القضية الجنوبية وبما فيها موضوع الانفصال، لكن كنا لا نريد هذه المواجهة أن تحدث. المواجهة في الساعات الماضية تشير إلى أنه ربما قد تُحسم الأمور ميدانياً بطريقة أسهل وبثمن أقل، إذا تم تأكيد الأخبار بخصوص السقوط السريع في الخشعة وصولاً للاقتراب من سيئون. نحن إزاء معركة سريعة وخاطفة ومفاجئة. وبالتالي الأسوأ في كل هذا المشهد، هو أن الأمور كانت يمكن أن تقف هنا وتتحول إلى ثمن سياسي كبير سيدفعه كل من هو محسوب على المجلس الانتقالي، لكن إعلان عيدروس خلال الساعات الماضية، بيانه ثم الإعلان الدستوري..
* عارف الصرمي (مقاطعاً): كيف نقرأ إعلان عيدروس للإعلان الدستوري وسنتين حددهما لما سماه استعادة دولة الجنوب العربي؟ قدم لي قراءة لهذا المشهد.
– د. معن دماج: قد تكون النتيجة المؤسفة لهذا الإعلان هو أنه يدفع باتجاه “معركة صفرية”. أنا كنت قد بدأت أشعر أن مخاوفي من معركة دموية قاسية لن تتحقق، وأن المسألة ستقتصر على خسارة كبيرة في حضرموت والمهرة، لكن هذا الإعلان دفع المعركة باتجاه معركة صفرية ستذهب لاحقاً إلى شبوة وأبين وربما عدن، وهذا أمر خطير لأنه سيضعف كل الأطراف أمام الحوثي وسيكون له كلفة إنسانية مؤلمة.
ما سرّع بهذا الإعلان هو ربما الانكسار الذي حصل في الخشعة وفي سيئون وفي وادي حضرموت، فوجد اللواء عيدروس الزبيدي نفسه أمام ضرورة التصعيد والهروب للأمام، لأن هذا الإعلان قبل أسبوع ربما كان سيكون له صدى أكثر، لكن عندما تخسر الأرض فأنت لن تؤسس لشرعية قانونية، ولكنك ستفرض نظام أمر واقع، وهذا الأمر الواقع من الواضح أنه يتسرب من يديك.
* عارف الصرمي: سأقاطعك بنقطة مهمة يا أستاذ معن، حكاية أن تقاتل كصحفي مع الوحدة أو تصطف مع طرف، هذا أمر مكرر ولا نريد أن يحتاجنا أحد في هذا الموال. لكن فكرة أن تعيد النظر وفق المصلحة الوطنية وتقول: سواء ظلت الوحدة (وهذا ما نتمناه) أو أن الوحدة ليست صنماً يُعبد، ليعاد ترتيب ملفاتنا اليمنية ونبحث عن مخرج.. هناك من يصفعنا جميعاً بنقطة: هل فعلاً عيدروس الزبيدي والانتقالي قادر على تحقيق الانفصال أم أنه غامر وانتحر سياسياً بما يجعله قاب قوسين أو أدنى من الخروج من الحياة السياسية هو ومشروعه؟ أين نضعه وفق موازين الأمر الواقع؟
– د. معن دماج: للاسف الشديد أن الإعلان الأخير جعل المعركة صفرية. هناك مشروعية وحيثية للقضية الجنوبية وتيار شعبي لا يمكن إنكاره، لكن هناك أيضاً حقيقة أن المجلس الانتقالي -رغم عموم النزعة الجنوبية- إلا أن تركيبته بناء مناطقي يعتمد أساساً على هيمنة أبناء منطقة واحدة (الضالع) وعلى تشكيل من مناطق نافذة (الضالع ويافع وبدرجة أقل ردفان). هذا الأمر يجعل ادعاء التمثيل السياسي محل شك، وتحقيق الإنجاز السياسي محل شك.
أنا لا أرى أن له فرصاً كبيرة إلا أنه سيمثل دفعة جديدة في انهيار الدولة الوطنية اليمنية. لا يمكن القول إذا كان ميزان القوى يميل للانتقالي فنفتش عن مصالحنا معه، وإذا كان لا يخدمه فعلينا أن ننصحه أن يتدارك نفسه. أنا شخصياً لست من أنصار الوحدة “بأي ثمن”، لكن بالتاكيد لن أقبل بموقف الانفصال “بأي ثمن”. نحن نعيش في عالم، ومن المؤكد بالنسبة لي أن اليمن بشطريها لا تملك مقومات بناء دولة وطنية ذات سيادة واقتصاد مزدهر وقدرة على الحماية، فما بالك بتجزئتها؟
لا تتوفر هوية سياسية تسمح بنشوء دولة تقاوم المجتمع. نحن في القرن الـ21 ولستنا في القرون الوسطى لنعلن دولة لمجرد أننا نستطيع. هناك إطار قانوني ومصالح دولية وإقليمية، والسياسي يلزمه أن يضع غاياته في إطار الواقع والقانون والمصالح الدولية واختيار اللحظة السياسية المناسبة. لا يمكن أن تُنشئ دولة في عداء مع حاضنتها الجغرافية والبشرية الطبيعية.
انظر للقضية الكردية؛ لدينا القومية العظيمة هذه وتوفرت لها فرص، لكن من غير الإطار الإقليمي والدولي لا يمكن أن تتحول لحقيقة. الإخوة الكرد في سوريا لعبوا مع الأمريكان دوراً في القضاء على “داعش” ولم يحصلوا على دولة ولا يطالبون بها لأنهم يعرفون الواقع، وأن قوى كبرى مثل تركيا لن تسمح بذلك. الأكراد في العراق أنشأوا كيانهم ويمتلكون مقومات وحقوقاً تاريخية لا أشكك فيها، لكن إنشاء الدولة بحاجة لسياق إقليمي ودولي وقانوني، وليست المسألة بـ “الرغبة” فقط.
في الجزء التالي يتعمق الدكتور معن في تحليل الدور الإسرائيلي في المنطقة، وتأثير اعتراف إسرائيل بـ “صومالي لاند” على المشهد اليمني، وكيف بدأت السعودية تعيد ترتيب عداواتها بناءً على الأخطار الجديدة.
* عارف الصرمي: تحدثنا عن الحوثي وهو يتفرج ويحد السكين، وعن إيران وهي تتفرج. إسرائيل قبل أيام أعلنت اعترافها بجنوب الصومال (شمال الصومال – صوماليلاند)، كيف تفهم هذا الأمر؟ وإن كان له من صلة بمشهدنا في اليمن في حال انفصل اليمن؟
– د. معن دماج: في كل المشاهد هي لها علاقة ببعض. إسرائيل أرادت بعد حرب هذه السنتين أن تعيد رسم المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، ولديها طموحات مربوطة بسياق إقليمي. هي تريد أن تفرض إرادتها بالقوة، ومن ناحية أخرى لا تستطيع أن تغامر بمواجهة “الجائزة” التي تريدها من كل هذا التغيير الاستراتيجي، وهي في الأخير العلاقة مع المملكة العربية السعودية والاندماج في المنطقة للحصول على ثرواتها.
إعلان العلاقة (مع صوماليلاند) ربما له أسباب بعضها يتعلق بالحصول على ميناء أو موقع عسكري، لكن الهدف الأساسي هو ممارسة الضغط لفرض اندماجها في هذه المنطقة لتصبح لديها شرعية معينة في الهيمنة. العلاقات التي نفذتها إسرائيل في الفترة الماضية مع دول مثل البحرين والإمارات والمغرب هي خطوة في هذا المشروع، لكن لا يمكن أن تكتسب الشرعية دون الحصول على علاقة مع العربية السعودية.
هذه العلاقة أهميتها أنها سوف تسمح بتحويل إسرائيل إلى مركز اقتصادي مهيمن وإلى “شرطي المنطقة”. هي الآن شرطي المنطقة بحكم الأمر الواقع، لكن ليس هنالك اعتراف بهذا الدور. طبعاً هناك تحالفات ضمن هذا السياق (مشروع إبراهيم) لم تكن مجرد علاقات نشأت بعامل الضرورة مثل مصر أو الأردن، بل هي علاقات دول تمت بشكل اختياري وضمن تصور مصلحي معين وتحالف لإعادة تشكيل مراكز القوة في الإقليم.
هذا الأمر يسنده إمكانيات عسكرية واستخباراتية هائلة لإسرائيل وإمكانيات مالية هائلة لدولة مثل الإمارات، لكنه يتغافل عن أن المصالح الجيوسياسية للدولتين العربيتين الوحيدتين الباقيتين في المشرق بعد انهيار الدول التاريخية في اليمن وسوريا والعراق -وهما مصر والسعودية- داخلة في صدام له طابع وجودي مع هذا الأمر.
المملكة العربية السعودية، التي كانت في حالة حرب وجودية مع إيران، بعد أن تم تكسير جزء من وكلاء إيران وإضعاف قلب إيران، بدأت تستفيق على خطر هذا “الغول الإسرائيلي” الذي يريد أن يلتهم المنطقة. فحصل نوع من ترتيب العداوات بشكل مختلف؛ أصبحت تشعر أن عدوها (إسرائيل) قد يشكل خطراً أكبر حتى من العدو المعلن (إيران). ومن هنا رأينا نوعاً من الاستدارة ومحاولة تسوية وتخفيض الصراع مع إيران مقابل الحذر الشديد من صراع قد لا يكون معلناً لكنه يبدو هو الذي يحدد السياسة في الإقليم بشكل عام.
* عارف الصرمي: في حال كانت إسرائيل تتفرج، والكل يخدم الحوثي بانقسامهم، والكل يخدم إسرائيل بضعف العالم العربي.. هذه الحرب والصراعات داخل حضرموت إلى أي مدى هي مكسب لإسرائيل؟
– د. معن دماج: من حيث المبدأ، عدوك يستفيد من ضعفك وحربك الداخلية، وهذا ينطبق على الحوثي كما على إسرائيل. لكن الحرب التي تجري للأسف الشديد في حضرموت ربما “تنتزع ورقة” كانت تراهن عليها إسرائيل. ربما كان المؤمل في مخطط إقليمي معين أن يتمكن الانتقالي فعلاً من السيطرة على كل الجنوب من دون مقاومة كبيرة، وأن السعودية ستتكيف، وأن الشرعية ليس لديها أدوات عسكرية كافية، وبالتالي يصير لدينا “جنوب لاند” مثلما لدينا “صوماليلاند” ويتم البناء عليه حتى وإن لم يحصل على الشرعية القانونية.
ما حدث الآن في حضرموت، رغم الفائدة المباشرة للحوثي وإسرائيل، إلا أنه يلوح بفرصة “استعادة الشرعية” التي كنا على بعد ساعات أو أيام من انتهائها. بقاء الممثل القانوني للدولة اليمنية بما يحمله من آمال لليمنيين رغم كل رأينا في الطبقة السياسية، وفي هذه اللحظة التي كنا فيها على وشك الاصطدام بالقاع، ظهر خطاب الدولة لأول مرة وبالموقف السعودي.
نحن أبناء مدرسة اليسار الذين كنا نعتبر السعودية في يوم من الأيام هي العدو التاريخي لليمن، لأول مرة تبدو أن المصالح العليا للدولة السعودية تتطابق إلى حد كبير مع المصالح العليا للشعب اليمني في منع تفتت البلد ومنع تكوين أمر واقع يخدم الانفصال. ورغم أن هناك أمراً غريباً في السياسة السعودية (ما الذي تعده للعلاقة مع الحوثي؟ ولماذا هذا الصمت على التسوية المرتقبة؟)، لكن إذا استمرت العملية العسكرية في حضرموت والمهرة وتمكنت القوات الشرعية من استعادتهما، وربما اتجهت لاحقاً نحو شبوة، فإن هذا المشروع الذي كان على وشك أن ينجح ويخدم إسرائيل وقوى إقليمية أخرى سيفشل.
أنا لا أتهم الإخوة في الانتقالي ولا في الجنوب، فأنا من أول من رفعوا علم الحزب الاشتراكي في الجامعة عام 95، وأعرف الجذور الطبيعية للقضية الجنوبية ونتائج الوحدة المريرة، لكن المشروع الحالي هو أكبر من الجميع، هو مشروع دولي وإقليمي كنا سنكون ضحاياه.
في الجزء التالي يركز الحوار على البحث عن “خيال سياسي” للخروج من المأزق، وتحليل أسباب فشل مدينة عدن في أن تصبح نموذجاً للدولة، وصولاً إلى الموقف الدولي والعربي المعلن من الوحدة اليمنية.
* عارف الصرمي: هل يمكن التفكير بخيال سياسي ونبحث عن مخارج لليمن؟ أين يلوح المخرج؟ كيف لنا أن نحقن الدماء وتتوقف المشاريع التي تعصف باليمن؟ أم أننا قد أكلنا الطعم وبطريقنا لابتلاع ليس فقط استقرار اليمن، وإنما استقرار المنطقة بأكملها؟
– د. معن دماج: لقد ذكرت جزءاً من الحل، وهي فكرة “التفكير بحل لنا جميعاً”. ليس أن ينجو كل يمني أو جماعة بنفسه وتأتي له فرصة فلا يهتم بالآخرين. إذا كان من نجاة لليمنيين فهي نجاة للجميع. نحن لا نعيد اختراع العجلة؛ أزمة اندماج اليمن التاريخي المستقل والمناطق المختلفة والهويات الفرعية حقيقة ثابتة، والذي ينكرها يريد إدامة الانقسام حتى وإن بقيت دولة واحدة.
الناس قطعوا خطوات كبيرة باتجاه الحل: دولة يمنية لا مركزية، دولة فيدرالية تعترف بالحقوق الثقافية والسياسية والاجتماعية لعموم المناطق والمكونات. هذا الأمر يسمح بتحقيق إرادة الناس والاحتفاظ بالكيان القانوني، لأن الدول عندما تنهار لا تُستعاد بـ “كبسة زر”. أمامنا فرصة أن ننجو، لكنها ضعفت لأن الطبقة السياسية لم تكن بمستوى الوعي، وقيادة التحالف لم تكن بمستوى المسؤولية التاريخية.
كان يمكن أن ننجو ونتجنب الحرب ابتداءً، حتى الحرب الحوثية. كان يمكن أن نذهب بعد مؤتمر الحوار لاستفتاء دستوري، وكان الدستور جاهزاً والخلاف حوله لا يخص حتى 5% منه، فلماذا ذهبنا للحرب؟ لأن المصالح السياسية لا تعترف بالمنطق.
* عارف الصرمي: هل لا يزال هناك أمل أمام القوى الوطنية وتحالفاتنا الخليجية؟
– د. معن دماج: هناك أمل للبلد، لكن ليس هناك أمل لهذه المكونات (الحالية) لأسف الشديد. ما حدث في حضرموت وصولاً للإعلان الدستوري اليوم جعل المعركة “صفرية”. المسالة بالنسبة للناس هي تحديد الجانب الذي يحافظ على الدولة الوطنية. الانتقالي اختار الدخول في معركة كنا في غنى عنها، وكان يحقق أهدافه بطريقة سلسة وكان مهيمناً.
ما حدث في عدن منذ 2015 أمر غريب؛ لقد عُطلت عدن ومنعت من التحول لمركز حقيقي للدولة. منعت فيها الاستثمارات وبناء المؤسسات. كان يمكن لكل رجال الأعمال والمواهب التي هربت من الحوثي بدلاً من الذهاب لمصر وتركيا أن تكون في عدن. هذا التعطيل المستمر هو “عقلية عدمية”؛ حتى لو أردت الانفصال، ما المانع أن تنفصل ولديك وزارات ومؤسسات وطرق ومستشفيات؟ هل يجب أن تظل الأرض قاعاً صفصفاً حتى تنفصل؟
جزء من المشكلة هو التمويل الضخم الذي حصلت عليه الأطراف السياسية، فأصبحت لا تبالي بالمجتمع. عندما تُمول من طرف خارجي صلتك بمجتمعك تضعف. والبقاء الطويل خارج البلاد يتيح فرص الانقلابات، رغم أن البقاء في الخارج كان إجبارياً للكثيرين.
* عارف الصرمي: هناك معادل موضوعي جرى هذا الأسبوع؛ مجلس الأمن اصطف مع الوحدة، الجامعة العربية، والرئيس السيسي قال مصطلحاً مذهلاً: “الوحدة اليمنية جزء من الأمن القومي لمصر”. العالم بأكمله يصطف مع الوحدة، هل نحن أمام فرصة لنحتفظ بها ونصلح ذات بيننا؟ أم وصلنا لمرحلة اللا عودة؟
– د. معن دماج: أتصور أن هناك فرصة، عادت لتلوح بعد أن كانت ضئيلة جداً. الأساس هو التخلي عن موقف “الرابح يربح كل شيء”. إذا انتصرت الحكومة الوطنية، لا ينبغي لها أن تنكر القضية الجنوبية أو تنكر حقوق الناس وهوياتهم الثقافية والاقتصادية.
لدينا تجارب مريرة؛ حتى في “جمهورية اليمن الديمقراطية” (الجنوب سابقاً) رغم إعجابي ببناء الدولة، إلا أن محاولة “قَلبنة” الناس (وضعهم في قالب واحد) في المهرة وسقطرة وفرض لغة ومعتقدات عليهم كان خطأً. يجب أن نفتح نافذة الحل وليس لمتغلب جديد. الاعتراف بالقضية الجنوبية والدولة الفيدرالية وحكم الناس لأنفسهم في حضرموت وتهامة والجوف يجب ألا يتم التنكر له، حتى لا نعود لنفس النظام القديم والادعاءات القديمة.
في هذا الجزء يتناول الدكتور معن دماج سيناريوهات “ما بعد الانفجار”، ويقدم رؤيته النقدية للواقع الاجتماعي والسياسي، وصولاً إلى كلمته الختامية حول مصير اليمن والمنطقة.
* عارف الصرمي: دعنا نكون واقعيين ومحترفين في التحليل. أنا لا يعنيني الاصطفاف مطلقا. في حال نجح مشروع الانتقالي وتحقق الانفصال، هل هذا ممكن؟ وماذا سيترتب على اليمن والأمن القومي الخليجي؟ هل سيذهب الخليج إلى اقتتال مع الانتقالي؟ وفي حال فشل مشروع الانتقالي، نحن أمام أي مشهد؟
– د. معن دماج: علينا أن نعالج كل الاحتمالات. احتمال قدرة الانتقالي على فرض أمر واقع (وإن كانت تبدو الآن أقل من قبل أسبوع)، لكن تحويل ذلك الأمر الواقع إلى دولة قابلة للنمو والازدهار وحصولها على اعتراف دولي في آجال زمنية متوسطة هو “أمر متعذر”.
الأمر الآخر هو طبيعة الهوية الحقيقية للانتقالي التي لها طابع مناطقي، ما سيجعلنا نصل إلى “تفتت” الدولة لا “تشطيرها” فقط، وهو كابوس أسوأ من خيار الشطرين. التفتت المستمر والتقاتل الأهلي خطر محدق. ما حدث في اليمن خلال السنوات العشر الماضية لم يكن حرباً أهلية بين القرى أو الطوائف، بل كانت حرب أطراف ممولة من الخارج. لكن إذا غابت الدولة تماماً، سيبدأ الذبح على الهوية والمناطقية.
* عارف الصرمي: وفي حال فشل الانتقالي، نحن أمام أي مشهد؟
– د. معن دماج: الاحتمالات كثيرة؛ قد يستفيد الحوثي من الفراغ العسكري والاقتتال البيني ليبسط نفوذه على مناطق نفوذ الدولة الإمامية التاريخية. وقد نحصل على مخرج معاكس إذا انتهت المعركة سريعاً وُجدت سياسة محلية وإقليمية حكيمة تعترف بالحقائق التاريخية، وتؤسس لدولة وطنية لا تمثل عائلة أو قبيلة أو منطقة، بل تسمح لجميع المكونات بالازدهار دون شعور “الغالب والمغلوب”.
* عارف الصرمي: اليمن فيها مشروعان يتناهشان عظمها: الحوثي والانفصال. أما من خيال لإنقاذ اليمن والانتهاء من المشروعين؟
– د. معن دماج: الحل الذي قطعنا فيه شوطاً هو “الدولة الديمقراطية الفيدرالية” ومسار الدستور والعدالة الانتقالية. استيعاب فشل الدولة الوطنية خلال 60 سنة وبناؤها من جديد بشكل لا يكرر الأخطاء. مشكلتنا منذ الثورة هي إنجاز “مواطنة متساوية”. كما أن فقر الموارد يجعل القتال عليها قتالاً دامياً.
* عارف الصرمي: لماذا لم يفهم الحوثي ولا غيره أننا لا نملك الكثير من الوقت وسنذهب مع الريح؟ وهل أمام الحوثي فرصة ليبتلع الجميع؟
– د. معن دماج: الحوثي حتى لو ابتلع الجميع، سيكون ذلك مقدمة لحروب أهلية صامتة ثم متفجرة. طبيعة تركيبته الفكرية والاجتماعية لا تسمح له بأن يكون جزءاً من الحل لأنه لا يؤمن بالمواطنة المتساوية، سيكون “متغلب بنسخة أسوأ”.
نحن بلد فقير بالموارد وفقير بتقاليد الدولة. تاريخ وجود “دولة مركزية” في اليمن خلال الألف سنة الماضية هو بضع عشرات من السنين فقط. الثقافة السياسية السائدة ترى السلطة فرصة للنهب والإثراء للعائلة، وهذه بيئة اجتماعية تحتاج لتغيير جذري.
* عارف الصرمي: ننتقل لمشهد إيران؛ المظاهرات في طهران ودخول ترامب على الخط. هل لهذا تأثير على نفوذ الحوثي؟
– د. معن دماج: بالتاكيد. ما حدث للنظام الإيراني وتأكل شرعيته يعطي فرصة لشعوب المنطقة. كان لدينا فرصة ذهبية العام الماضي مع الضربات التي وجهتها أمريكا وإسرائيل للحوثي للتخلص منه، لكن بدلاً من ذلك ذهبنا للصراع البيني في حضرموت والمهرة. التحجج بأن الحرب ضد الحوثي “تحتاج قراراً دولياً” بينما الحرب ضد الشريك في الشرعية “مسموحة” هو أمر مؤسف.
إيران الآن قد توعز للحوثي بالانتظار ليجني ثمار الوضع الحالي في اليمن، ونظام الملالي يريد الحفاظ على وكيله الأهم (الحوثي) كأداة ضغط أخيرة.
* عارف الصرمي: ما الذي ينبغي أن نقوله لخدمة الشعب اليمني في هذه اللحظة؟
– د. معن دماج: قول الحقيقة للناس مهما كانت مرة، وعدم استغلال مشاعرهم لتكريس الأوهام وقيادتهم للكوارث. علينا أيضاً نقد دور المثقفين والجامعيين الذي كان “مخجلاً”؛ فالكثير منهم يعزفون لمن يدفع للزمار. الحقيقة الأساسية هي أنه “لا توجد نجاة فردية”، وعلينا البحث عن حل للمجتمع اليمني كله، فالحل إما أن يكون للجميع أو لن يكون.
• عارف الصرمي: الأستاذ معن دماج، المدرس بقسم الفلسفة بجامعة صنعاء، شرف كبير لي أنك ضيفي. أشكرك وحفظ الله اليمن.


