آخر الأخبار

spot_img

بتوقيت حضرموت

صحيفة الثوري-كتابات: 

أحمد عبد اللاه

يتحدث دونالد ترامب عن رغبته في ضم كندا وجرينلاند، واستعادة السيطرة على قناة بنما، وكذلك الاستحواذ على غزة وتحويلها إلى “ريفييرا الشرق الأوسط”، إضافة إلى (أمْرَكَة) اسم خليج المكسيك.

ومع أن ترامب لا يُميِّز بين تهجئة (كولومبيا) اللاتينية ومقاطعة (كولومبيا) الأمريكية، إلا أن أفكاره قد وجدت صداها عند البعض في جزيرة العرب.

ناشط سعودي نشر بجرأة صادمة مقاربة استحواذ ترتكز على “انضمام (ضم) حضرموت للسعودية على غرار ما فعلته بريطانيا في إقليم هونج كونج”، وقد أرفق ذلك بخريطة متكاملة وخطاب تنموي يهدف إلى شرعنة الفكرة، مصحوبًا بموجة من التعريفات والمصطلحات الخارجة عن سياقاتها التقنية، تتعلق بنموذج حضرموت وهيكلتها تحت إدارة المملكة.

في محاولات كهذه قد تختلف الدوافع، لكن المقاربات بظاهرها مهينة. ولا فرق بين “ريفييرا الغزاوية” كما يراها (اليانكي) و”هونج كونج” الحضرمية كما حسبها (أخ العرب).

عدا تغيير فكرة الترانسفير إلى ما قد يُفهم في الثانية أنه ينحصر في ترحيل الهوية وفق معايير الانضمام واستغلال الجغرافيا، وكأنها فائضة عن حاجة بلد يواجه محاولات التمزيق.
أي ما تعتبره الشعوب مأساة وطنية، يعتبره الآخرون فرصة!!

هل هذه الخفّة غير المسؤولة بالونة تجوب الأجواء بختم رسمي لصناعة رأي عام، على أمل أن ما يتكرر على مسامع الناس يصبح مألوفًا ثم مقبولًا؟ أم أنها حالة انتشاء فردي وأهواء صناع المحتوى في السوشيال ميديا؟

تمتلك السعودية مساحات شاسعة وأطرافًا متنوعة يمكن مواصلة تنميتها على غرار مشروع “نيوم” الطموح، الذي أُعيد ضبط إيقاعه بما ينسجم مع معطيات الواقع. وفي السياق ذاته، فإن الحاجة المشتركة اليوم هي إلى جوار مستقر وتكامل إقليمي، لا إلى طموحات توسعية تجاوزها الزمن.

وهذا ينطبق على الموانئ والجزر والمناطق الحيوية، فهي ليست متاحة لأحد سوى لأهلها. وبعيدًا عن أي توظيف سياسي، ورغم غياب أي تلميحات رسمية، فإن حساسية هذا الطرح الدعائي تفرض تفاعلًا جادًا.

المملكة، وهي الشقيقة المترامية الحدود، تسعى لتعزيز أمن الطاقة وتدرك أهمية الممرات المائية وحساسيتها الجيوستراتيجية، وهو أمر مبرر.

ولهذا، بإمكانها أن تعقد اتفاقًا حول ما يمكن تسميته (South Route) مثلًا أو أي علامة استراتيجية (Strategic Branding)، لمرور أنابيب الطاقة إلى خليج عدن (أو عبر أراضي عُمان إلى بحر العرب وفقًا لما نُشِر عام 2021).
وبإمكانها إحياء مشروع Trans-Arabian Pipeline القديم ولكن بأفكار جديدة ومسارات معدلة.

كل تلك المشاريع تحتاج إلى استقرار المنطقة، ولا تتم إلا على نمط ما يحصل في الاتفاقيات الدولية بين بلدان العالم ذات المصالح المتقاطعة. أما دعوة “الانضمام” أو “التمدد في فراغات الدولة المنهارة”، كما تم طرحه، فإنها لا تخرج عن نزعة التوسع من حيث جوهرها، إلا في النوايا المعلنة.

حضرموت ليست هونج كونج، والأخيرة ليست نموذجًا يتم توطينه لأي غرض كان. والسعودية الشقيقة ليست المملكة المتحدة التي تبحث عن مرفأ للهيمنة على خطوط التجارة الآسيوية.
كما أن العالم لا يعيش مرحلة ما بعد حروب الأفيون.

وللتذكير، فإن المنطقة قد تجاوزت حروب الحدود والاتفاقات التي كان يُعاد تأكيدها خلال دورات عَقْدية.

حضرموت بلد وشعب بجذور تاريخية عميقة، امتد تأثيره إلى شرق آسيا وشمال وغرب أفريقيا، قبل أن تتشكل الخرائط وتُرسم الحدود.
و(بتوقيتها) الخاص، تختار حضرموت وجهتها ونموذجها الاقتصادي والتنموي بما ينسجم مع حاضرها وتطلعاتها.

الوقوف طويلًا أمام جدلية الداخل والخارج ليس قدر أبناء حضرموت، لأنهم الأوضح في تعريف الانتماء.
والانتماء ليس فكرة أو فرصة يمكن النظر فيها، وإنما تاريخ وحاضر وجذور ومصير وثقافة ومكانة ومكان بمحيطه الحيوي.

وإن كان هناك عتب على حضرموت، فيكمن في السؤال عن مصير (الهبّة الأولى)، وقد كان لها أن تصبح (Big Bang) حضرميًا يتوسع وطنيًا دون أن يقع في فخ الأدواتية.
أليست حضرموت هي الأكثر مدنية وسلامًا اجتماعيًا