صحيفة الثوري-كتابات:
وضاح اليمن الحريري
نظرًا للأصداء التي نتجت عن موضوعي الأخير، المنشور في آخر شهر رمضان (المجلس الانتقالي ومجلس شيوخ الجنوب العربي)، مع تعدد ردود الأفعال تجاهه، فكرت أن أنشر أيضًا هذا الموضوع، امتدادًا له، متكئًا على ما أسس له الموضوع السابق، بهدف تبيين خطورة اللعبة على المشروع الجنوبي ذاته، هذا إذا كان فعلًا مشروعًا ثوريًا تحرريًا، بحسب فهمنا له وبناءً على حيثيات انطلاقه في مرحلة الزخم الأولى في عام 2007م، بصيغة الحراك السلمي الجنوبي، ومضمون قضيته التي لم يكن يختلف عليها اثنان في حينه، بغض النظر عن التعرجات والتطورات التي حصلت منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
إن ذهابي إلى مسمى الموضوع أعلاه، كما سميته، كان فيه جزء من تحاشي أن أسميه “الخيار الجنوبي الحرج”، لقد وجدت أن ذلك لا يصلح، بالنظر إلى تيار واسع، وبالذات من القطاعات الشعبية والفئات المنتمية إلى منطقة الوسط في المجتمع، بعد أن ظهر لي أن هناك استشعارًا كبيرًا، معززًا بوعي جمعي، يدرك بانتباه مقدار الخيار وأثر الخيار الحرج الذي اختاره الانتقالي، ليس في مدينة عدن فقط، بل وفي الأرياف المختلفة، بعيدًا عنها أو قريبًا منها، إذ سيسفر عن مثل هذا الخيار صدمة أو مباغتة اجتماعية، لها إفرازها السياسي اللاحق، الذي قد لا يكون مأخوذًا في الاعتبار بجدية.
يكاد التمترس السياسي، في خيارات الانتقالي خلف مسألة الدولة الجنوبية، التي لا تراجع عنها بحسب ما يقوله ويعلنه، أن يكون أقرب إلى حبل المشنقة الذي، إما سيلفه حول رقبته أو حول رقبة أنصار هذا الخيار ومؤيديه، سواء كانوا انتقاليين أو غير انتقاليين، نتيجة لضآلة فكرة المشيخية، أمام فكرة الحقوق والواجبات والمساواة والعدالة الاجتماعية والتداول السلمي للسلطة، التي تقدمها الدولة المدنية الحديثة، بحلتها الوطنية وبشعارها الجمهوري.
تشكل هذه المناورة الخطرة، التي يقوم بها الانتقالي، ربما لأسباب سياسية فورية وملحة وضاغطة، بحثًا عن تحالفات اجتماعية جديدة أو إضافية، خطرًا لا يمكن تلافيه بسهولة، إذا ما استتبعه أي خيار إجراءات واسعة تعززه، كأن يفوض أو يمنح مجلس شيوخ الجنوب العربي صلاحيات اجتماعية وسياسية كبيرة ومؤثرة، أفقيًا ورأسيًا في المجتمع، هذا مع تأكدي بأن هناك من سيطالب بذلك في صراع المصالح والقيم القادم على الجنوبيين، في تأثيره الدراماتيكي المتوقع علوًا أو انخفاضًا، كما يشكل أيضًا الالتفاف على حالة الثورية والتحررية التي حملها الحراك لعدة سنوات ولكثير من الوقت، مشكلة ستلقي بظلالها وسيصعب تجاوزها بسهولة، لأن المشكلة ستنبني أساسًا على خلق قيم جديدة، بالضرورة لا تتوافق مع المستوى التاريخي لمنظومة القيم القائمة حاليًا، والتي تعبر عن نفسها، بالحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى القانونية، التي من المفترض أن تؤسس على مرجعية دستورية، يعي الناس فيها ما لهم وما عليهم، هذه القيم التي ستستجد ليست حداثية بالأصالة، لأنها مبنية على ما يمكن أن نطلق عليه الإرث الماضي، الذي يستهدف التحكم والهيمنة على المستقبل لكونه إرثًا، متناقضًا ورافضًا لما هو قائم، بما فيه الدوافع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي أطلقت الحراك السلمي الجنوبي ذاته، أي أن النتيجة في النهاية ستكون بعيدة كل البعد عن المعطيات والمقدمات التي اعتمدت عليها واستندت لها.
لا أعتبر في الحقيقة، أن هذا الموضوع هو تكملة للموضوع السابق، بقدر ما أعتبره امتدادًا له، يبحث في أسباب هذا الخيار وتجلياته، بدهشة أثارها في نفسي، كونه أُطلق خارج الزمان والمكان المناسبين له في اعتقادي، إلا إذا كان سيفرض تعسفيًا بالاستناد إلى منطق صراع الإرادات، المنطق الذي يراد له أن يُفرض سابقًا لأوانه، دون أن يُغلف حتى بطبقة ولو رقيقة، بكثير من السياسة وقليل من التوتر.