آخر الأخبار

spot_img

العطر والبارود .. (قصة قصيرة)

“صحيفة الثوري” – ثقافة:

د. بشير أبواصبع

في قلب صنعاء القديمة، حيث تتنفس الجدران عبق التاريخ، كانت المدينة تستفيق مع أول خيوط الفجر، يملأ أذان المساجد أزقتها العتيقة، متداخلًا مع أصوات الباعة وهم يفتحون دكاكينهم في الأسواق الضيقة، حيث تفوح رائحة البُنّ المحمّص، والتوابل النفاذة، واللبان المنبعث من الأزقة، والعنبر المسكوب على أعتاب المحلات. بأسوارها الحصينة وقصورها الشاهقة، كانت صنعاء شاهدةً على صراع أبدي بين الماضي العريق والمستقبل المجهول، بين طبقات لا تلتقي إلا تحت ظلال الحروب والثورات.

في أحد بيوت صنعاء العريقة، وُلدت فتحية، فتاة تجلّت فيها آية الجمال؛ بعينين واسعتين بلون العسل الداكن، وبشرة نقيّة كضوء القمر في ليالي الشتاء، وصوت رخيم كموشح صنعاني مشدودٍ على مقام الحنين. حفيدةٌ لشيخٍ جليل، وارثةٌ لاسم عريق وأرض تمتد مدّ البصر، غير أنها لم تكن كفتيات القصور، لم ترضَ بأن تكون ظلًّا يُحركه الموروث، بل ظلت تبحث عن ذاتها في الأفق البعيد، حيث لا سلطة للألقاب، ولا للقيود.

وفي الجانب الآخر من المدينة، كان ياسر، ابن العطّار، شابًا تتفجر فيه الحياة، وسيمًا بملامح قوية، وعينين يتقد فيهما ذكاء نادر. ورث عن أبيه تجارة العطور والتوابل، لكنه لم يكن مجرد بائع، كان يرى أن الوطن يحتاج إلى ما هو أكثر من العطور، يحتاج إلى نارٍ توقظ الغافلين، وكان يؤمن أن الحرية لا تُهدى، بل تُنتزع كما فعل الرائد عبدالرقيب عبدالوهاب، الرجل الذي ظلّ يقاتل حتى اللحظة الأخيرة.

وذات صباح، تسلّلت فتحية إلى سوق العطّارين، مرتديةً عباءتها السوداء المطرزة بخيوط الذهب، وقدماها تمسان الأرض وكأنها تمشي على خيوط القدر. كانت تبحث عن شيء لا تعرفه، حتى توقفت أمام دكان ياسر، وتأملت الزجاجات المصطفة في انتظام، تتراقص رائحة العطر في الهواء، كأنما يُغويها بأن تمد يدها إليه.

قالت بصوت خافت كسرٍّ يهرب من القلب:

“هل لديك عطر يشبه الحرية؟”

ابتسم ياسر، وكأنما كان ينتظر هذا السؤال منذ زمن، ثم أجاب:

“الحرية لا تُباع، لكنها تُشمّ… في رائحة البارود أحيانًا، وفي الياسمين أحيانًا أخرى. أيهما تريدين؟”

أجابت وهي تتأمل العطر في الزجاجات:

“أريد شيئًا يشبهني… لا يشبه أحدًا آخر.”

مدّ ياسر يده بزجاجة صغيرة، وقال:

“جربي هذا… عنبر ممزوج بالياسمين، لكنه عنيد، يظل عالقًا حتى بعد غسله بالماء.”

ضحكت، وقالت بمكر:

“عنيد مثلك؟”

أجاب بثقة، وهو يثبّت عينيه في عينيها:

“عنيد مثل الذين يرفضون أن تنكسر صنعاء.”

توالت لقاءاتهما، وكل لقاء كان يفتح بابًا جديدًا من الأسئلة، من الدهشة، من المصير المجهول. لم يكن مجرد إعجاب عابر، بل انجذاب بين عالمين متناقضين؛ هي ابنة القصور العالية، وهو ابن الزقاق الصاخب بالبسطاء. كان يحدثها عن الثوار الذين يحرسون أسوار صنعاء، عن الرائد عبدالرقيب عبدالوهاب، عن الرجال الذين يخطّون أسماءهم بدمائهم على جدران التاريخ.

وذات مساء، وبينما كانت شمس صنعاء تحتضر على قبابها القديمة، همست:

“أحيانًا أفكر… لو أني وُلدت فقيرة، هل كنت سأحمل همّ الوطن مثلك؟”

هزّ رأسه وقال:

“الوطن ليس للأغنياء ولا للفقراء… الوطن لمن يدافع عنه.”

ثم جاء حصار السبعين، فاصطف الرجال في الخنادق، وكان ياسر بينهم، تاركًا العطور والتوابل خلفه، حاملاً البندقية بدلًا من زجاجة المسك، مختارًا طريق البارود والنار. كان يؤمن أن الحب يمكن أن يكون وقودًا للثورة، وأن الحرية هي العطر الوحيد الذي يستحق التضحية.

أما فتحية، فقد وجدت نفسها أسيرة الجدران، تسمع دويّ القذائف يهزّ المدينة، وترتجف كلما اقترب صوت الموت. لم يكن بإمكانها أن تحمل سلاحًا، لكنها قاومت بطريقتها، تحرّض النساء على دعم الثوار، تجمع الطعام والدواء في الخفاء، وترسل رسائلها المضمخة بالشوق والخوف إلى ياسر عبر صديق مشترك.

وذات صباح، هبت الرياح على صنعاء تحمل معها خبرًا كالطعنة. سقط ياسر في إحدى المعارك، قاتل حتى اللحظة الأخيرة، وحين اقتربت النهاية، شوهد إلى جوار الرائد عبدالرقيب عبدالوهاب، يقاتل كما لو أن روحه كانت حزمة بارودٍ أشعلت لهيبها في وجه العدو.

عادت صنعاء حرةً، لكن فتحية لم تعد كما كانت. لم تبكِ، لم تصرخ، فقط صعدت إلى غرفتها، أغلقت بابها، وأخرجت زجاجة العطر التي أهداها لها ذات يوم. فتحتها بيدين مرتجفتين، واستنشقت عبقه بعمق. أغمضت عينيها، فامتلأت الغرفة بصوته:

“الحرية لا تُباع، لكنها تُشمّ…”

ابتسمت بمرارة وهمست:

“وأنت صرت رائحة الحرية ذاتها، ياسر.”

تذكرت كلماته عندما وقف أمامها يومًا، ممسكًا بزجاجة العطر قائلاً:

“هذا العطر عنيد، يبقى حتى بعد أن يُغسل بالماء.”

ضحكت يومها وقالت: “عنيد مثلك؟”

لكنه اليوم لم يجب.

في الليالي التي تبكي فيها صنعاء على شهدائها، كانت فتحية تخرج إلى الأزقة، تستنشق الهواء، وكأنها تبحث عن أثره بين الروائح العالقة في الأسواق. وحين يسألها أحدهم عن الحب الذي عاشته، كانت تبتسم وتقول:

“لم يكن يومًا مجرد بائع عطور… كان صانعَ حلم، والذكريات العطرة لا تموت.”