صحيفة الثوري – (رأي)
إلهام محمد زارعي
ماذا لو أن امرأةً وقفت في طابور المساعدات، لم تكن تنتظر كيس الدقيق وحده، بل كانت تحمل في داخلها قدرةً على إطعام حيّ كامل؟ وماذا لو أن رجلًا ينتظر من يصلح له باب منزله، كان نجارًا يستطيع أن يعلّم عشرة شباب مهنةً تفتح لهم أبواب الرزق؟
كم من إنسانٍ نظرنا إلى حاجته، ولم ننتبه إلى قدرته؟ وكم من يدٍ امتدت لتأخذ المساعدة، بينما كانت تحمل موهبةً لم يسأل أحد عنها؟
في اليمن، حيث أثقلت الأزمات كاهل الأسر، أصبحت المساعدات ضرورةً تحفظ الحياة وتصون الناس من الجوع والعوز. لكن ثمة سؤالًا يستحق أن نمنحه مكانًا في تفكيرنا: هل يكفي أن نساعد الإنسان على عبور يومه، أم ينبغي أن نفتح أمامه طريقًا يشارك فيه بصناعة غده؟
فالكرامة لا تُقاس بقدرة الإنسان على الاستغناء عن الآخرين؛ كلنا نحتاج إلى بعضنا في مراحل الحياة. لكنها تزدهر حين لا يُختزل الإنسان في حاجته، وحين يجد من يرى فيه شريكًا قادرًا على العطاء، لا مجرد اسم في قائمة المستفيدين.
تخيلوا لو أن مدرسةً في إحدى قرى اليمن خصصت دفترًا بعنوان «ما الذي نستطيع أن نقدمه؟»، لا «ما الذي ينقصنا؟». تكتب فيه أمّ أنها تجيد الخياطة، وأخرى أنها تستطيع تعليم القراءة، وشاب أنه يعرف إصلاح الهواتف، ومتقاعد أنه يجيد الحساب، ومزارع أنه يستطيع تعليم الأطفال زراعة البذور. ثم تُفتح المدرسة عصرًا، ساعةً واحدة كل أسبوع، لتبادل هذه المهارات.
لن تصبح القرية غنيةً بين ليلة وضحاها، لكنها ستكتشف ثروةً لم تكن تظهر في دفاتر الإغاثة: قدرات أهلها.
وماذا لو وُضع في كل حيّ «صندوق للوقت»، لا تُجمع فيه النقود، بل ساعات الخدمة؟ تمنح معلمة ساعةً لطفل تعثر في القراءة، ويساعد شاب جارًا مسنًا في شراء حاجاته، وتعلّم امرأة فتيات الحي حرفةً بسيطة. لا تُحتسب الساعات ديونًا على المحتاجين، ولا يُشترط ردّ الجميل، بل تصبح وسيلةً لتنظيم العطاء وتوسيع دائرته. وهكذا يتحول السؤال من «من يحتاج إلى المساعدة؟» إلى «كيف نستطيع أن نساند بعضنا؟».
أما المرأة اليمنية، التي تحمل في كثير من البيوت أعباءً تفوق طاقتها، فلا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها مستفيدةً من برامج الدعم فحسب، بل شريكةً في تصميمها وإدارتها. فقد تعرف الأم ما تحتاجه مدرستها أكثر ممن يضعون خططها من بعيد، وقد تعرف البائعة الصغيرة كيف يمكن لسوق الحي أن ينهض إذا توفرت له أدوات عادلة وفرص مناسبة. وحين تجلس المرأة إلى طاولة القرار إلى جانب الرجل، فإن المجتمع لا يضيف صوتًا جديدًا فقط، بل يستعيد خبرةً كان يستغني عنها.
ولعل أجمل مبادرة يمكن أن تبدأ بها مؤسسة أو جمعية هي أن تضيف إلى استمارة الاحتياج سؤالًا واحدًا: «ما المهارة التي تحب أن تشارك بها، وما الفرصة التي تحتاجها لتنميتها؟» سؤال لا يربط المساعدة بالإجابة، ولا يحوّل العطاء إلى شرط للاستحقاق، لكنه يفتح نافذةً يرى الإنسان من خلالها نفسه بقدراته، لا بظروفه وحدها.
ومع ذلك، ينبغي ألّا تتحول الدعوة إلى المشاركة إلى ذريعة لتقليص الدعم عن المحتاجين، أو تحميل الفقراء مسؤولية أزمات لم يصنعوها. فالمريض والمسن والطفل والعاجز عن العمل يستحقون الرعاية الكريمة دون مقابل، والإنسان الذي أنهكته الحياة قد يحتاج إلى الراحة والأمان قبل أن يستطيع تقديم أي شيء. فالمشاركة حقّ وفرصة، وليست امتحانًا لإثبات استحقاق الرحمة.
إن المجتمعات لا تنهض بكثرة ما تتلقاه وحده، بل بما تتيحه لأفرادها من فرص للتعلم والعمل والتشاور وتحمل المسؤولية. ولا يكفي أن نبني مدرسة إذا لم نكتشف طاقات من سيدرسون فيها، أو نفتح مشروعًا إذا لم نستمع إلى من سيعملون فيه، أو نوزع الموارد دون أن نسأل الناس كيف يمكن أن يصبح أثرها أكثر دوامًا.
ربما لا يحتاج اليمن إلى أن نبحث عن الأبطال بعيدًا؛ فقد تكون هناك جدة تحفظ حكايات المكان، تستطيع أن تعيد للأطفال صلتهم بتاريخهم، أو شابة تجيد الرسم تحول جدارًا مهملًا إلى مساحة للجمال، أو عامل يعرف إصلاح مضخة ماء فيعلّم غيره كيف يحافظون عليها.
هذه ليست بدائل عن الدولة ومؤسساتها ومسؤولياتها، لكنها بذور مجتمع يكتشف أن قوته لا تكمن فيما يملكه بعض أفراده، بل فيما يستطيع الجميع أن يبنوه معًا.
وأعظم ما في العطاء ليس أن تملأ يدًا فارغة فحسب، بل أن تفتح أمام صاحبها فرصةً ليكتشف ما تستطيع تلك اليد أن تصنعه.
وحين ننتقل من سؤال «ماذا نعطي الناس؟» إلى سؤال «ماذا نستطيع أن نبني معهم؟»، نكون قد خطونا خطوةً نحو تغيير أعمق من الإغاثة المؤقتة: نحو مجتمع لا يُعرَّف فيه الإنسان بفقره، ولا تُقاس قيمته بما يملك أو ينتج، بل تُصان كرامته لكونه إنسانًا، وتُتاح له الفرصة ليكون شريكًا في مستقبل وطنه.
فالوطن الحقيقي ليس الذي لا يحتاج فيه أحد إلى أحد، بل الذي لا يشعر فيه أحد أن حاجته تُنقص من كرامته، ولا أن قدرته أصغر من أن تُحدث فرقًا.


