آخر الأخبار

spot_img

نساء اليمن اللواتي يرتّبن خراب الوطن كي لا يراه الأطفال..!!

صحيفة الثوري – ثقافة 

إلهام محمد زارعي 

لم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة اليمنية، التي انهار سقف أحلامها، وبقيت واقفةً تحت سماءٍ مثقوبة بالحرب، تطوي ثياب أطفالها، وتغسل أوانيها، وتُعدّ الشاي، كأن شيئًا لم ينكسر في قلبها. لم تكن الحياة بخير، لكنها كانت تخشى أن يظنّ أطفالها أن العالم كله قد انتهى.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي فتحت باب بيتها للنازحين، رغم أن بيتها بالكاد يتّسع لأحزانها، اقتسمت معهم الخبز، والفراش، والماء، ولم تسألهم من أي منطقة جاؤوا، ولا إلى أي جماعة ينتمون، فقد أدركت أن الإنسان حين يفقد وطنه، يحتاج أولًا إلى قلبٍ لا يسأله عن هويته. بعض النساء لا يملكن بيوتًا كبيرة، لكن قلوبهن تتّسع لوطنٍ كامل.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك الأم التي قطعت الطريق تحت الشمس، تحمل الماء على رأسها، وطفلها على ذراعها، وفي صدرها ألف همٍّ لا يُحمل. كانت تعرف أن الماء الذي تحمله سيكفي لغسل وجوه أطفالها، لكنه لن يغسل التعب عن وجهها. وحين وصلت، سكبت لجارتها العجوز نصف ما جمعت، فقد كانت تعرف أن العطش لا يصبح أقل قسوةً حين يصيب بيتًا آخر. بعض النساء لا يوزّعن الماء وحده، بل يوزّعن الحياة بالتساوي.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المعلمة التي أغلقت الحرب مدرستها، ففتحت غرفةً صغيرة في بيتها، جمعت أطفال الحي، ووضعت أمامهم أوراقًا وأقلامًا، وبدأت تعلّمهم الحروف. كانت تسمع أصوات الخوف خارج النافذة، لكنها كانت تكتب على السبورة كلمة «سلام»، كأنها تريد أن تمنح الأطفال لغةً أخرى غير لغة الحرب. لم تكن تملك القدرة على إعادة بناء المدرسة، لكنها رفضت أن تسمح للخراب بأن يسكن عقول تلاميذها. فليست كل إعادة إعمارٍ تبدأ بالحجارة؛ بعضها يبدأ بحرفٍ تتعلّمه طفلة.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك الجارة التي طبخت قدرًا صغيرًا من الطعام، ثم قسمت ما فيه إلى طبقين، واحد لأطفالها، وآخر لجارتها التي غاب معيلها. لم تكن تملك فائضًا من الرزق، لكنها كانت تملك فائضًا من الرحمة. وكانت تعرف أن الجوع مؤلم، لكن أن يشعر الإنسان بأن أحدًا لا يتذكّره، قد يكون أشدّ إيلامًا. بعض النساء لا يطبخن الطعام فقط، بل يُبقين دفءَ الجيرة حيًّا في وطنٍ أنهكته الانقسامات.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك القابلة التي خرجت في منتصف الليل، تبحث عن طريقٍ آمن لتصل إلى امرأةٍ تتألّم من المخاض. لم يكن معها سوى حقيبة صغيرة، وخبرة يديها، وقلب يعرف أن الحياة لا تنتظر انتهاء الحروب كي تبدأ. كانت هناك أمٌّ تصرخ من الألم، وطفلٌ يطلب حقّه في الوصول إلى العالم، وامرأةٌ أخرى تحاول أن تجعل ولادته أول انتصارٍ صغير للحياة. ففي زمنٍ يتسابق فيه الموت إلى الأبواب، تظلّ هناك نساءٌ يفتحن للحياة بابًا جديدًا.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك الفتاة التي تركت دفترها مفتوحًا، لتساعد أمها في رعاية إخوتها، وتحمل الماء، وتنظف البيت، ثم تعود في آخر الليل لتكمل واجباتها على ضوءٍ خافت. لم تكن تحلم بالمستحيل، كانت تحلم فقط بأن يكون لها من الوقت ما يملكه إخوتها من حقٍّ في التعليم. وأقسى ما قد يحدث لطفلة، أن تكبر مسؤولياتها قبل أن يُسمح لأحلامها بأن تكبر.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك الأرملة التي فقدت شريك حياتها، ثم وجدت نفسها أمًّا وأبًا ومعيلةً وحارسةً لأحلام أطفالها. كانت تخيط ثياب الآخرين لتشتري لأطفالها دفاتر جديدة، وتُصلح ما تمزّق من ملابسهم، بينما لا تجد من يُصلح ما تمزّق في روحها. لم تكن تطلب تمثالًا لصبرها، ولا قصيدةً في قوّتها، كانت تريد عملًا كريمًا، وأجرًا عادلًا، وأمانًا لا تضطر فيه إلى أن تكون عشرة أشخاصٍ في امرأة واحدة. فالمرأة لا تحتاج إلى من يمجّد احتمالها للألم، بقدر حاجتها إلى مجتمعٍ لا يجعل الألم شرطًا لإثبات عظمتها.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك الممرضة التي بقيت بجوار سرير مريضةٍ غريبة، تطمئنها بكلماتٍ حانية، وتُمسك يدها حين اشتدّ خوفها. لم تسألها عن نسبها أو منطقتها، فالألم لا يحمل بطاقة هوية، والرحمة لا تحتاج إلى تصريح عبور. حين تتعطّل جسور السياسة، تبني الإنسانية جسورها من يدٍ تمسك يدًا أخرى.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي وقفت بين جارتين متخاصمتين، لا تحمل حكمًا ولا سلطة، بل كلماتٍ هادئة، وذاكرةً مليئة بأيامٍ تقاسمتا فيها الخبز والأفراح والأحزان. لم تُنهِ خلافًا كبيرًا في العالم، لكنها منعت خصومةً صغيرة من أن تورث الكراهية للأطفال.

فالسلام ليس دائمًا اتفاقًا يُوقَّع أمام الكاميرات؛ أحيانًا يكون امرأةً تُعيد جارتين إلى الحديث.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك الجدة التي جمعت أحفادها حولها، وحكت لهم عن يمنٍ كانت الأبواب فيه تعرف الجيران، والأعياد تتّسع للجميع، والقلوب تتعارف قبل الأسماء. لم تكن تحكي لهم الماضي كي يكرهوا حاضرهم، بل كي يعرفوا أن ما مزّقته الحرب يمكن للمحبة أن تبدأ في ترميمه. بعض الجدّات لا يروين الحكايات، بل يحفظن ذاكرة السلام من أن تُدفن تحت أنقاض الحرب.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي باعت شيئًا من حُليّها، لتشتري دواءً لأمّها، ثم أخفت يدها الخالية من الذهب، كي لا تشعر الأم أن صحتها أصبحت عبئًا على ابنتها. بعض النساء يفقدن زينتهن، لكنهن يكتشفن أن أجمل ما يزيّن الإنسان قلبٌ لا يساوم على المحبة.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي فقدت ابنها في الحرب، ثم فتحت ذراعيها لطفلٍ يتيم، لم تلده، ولم تعرف أمّه، لكنها عرفت في عينيه ذلك الفراغ الذي تركه الغياب في قلبها. لم تستطع أن تعيد ابنها إلى الحياة، لكنها استطاعت أن تمنع طفلًا آخر من أن يشعر أنه وحيد في العالم. فالأمومة ليست دائمًا رابطة دم؛ أحيانًا تكون رحمةً تتّسع لمن حرمته الحياة من الحنان.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي جلست في مجلسٍ للصلح، تطالب بفتح طريق، أو إطلاق سراح محتجز، أو حماية أطفالٍ من العنف. لم تكن تحمل سلاحًا، بل تحمل حكايات الأمهات، وأسماء الغائبين، وأحلام الذين ينتظرون العودة. كانت تعرف أن وقف إطلاق النار لا يكفي وحده لصناعة السلام، وأن السلام الحقيقي يبدأ حين يصبح الإنسان أغلى من كل انتصار. بعض النساء لا يوقفن الحرب بقرار، لكنهن يمنعن الحرب من أن تصبح قدرًا مقبولًا في القلوب.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي تعرّضت للإهانة والعنف، ثم وقفت تطالب بحقها في الأمان، ورفضت أن تورّث ابنتها الخوف نفسه الذي عاشت فيه. لم يكن صمتها دليل رضا، ولا احتمالها دليل عدل، ولا بقاؤها واقفة إذنًا للعالم بأن يزيد أثقالها. فليس كل صبرٍ فضيلةً ينبغي تمجيدها؛ بعض الصبر شهادةٌ على حقوقٍ تأخّر إنصافها.

ولم يرَ أحدٌ تلك الأم التي أخفت دموعها حين سألها طفلها: «متى تنتهي الحرب؟»

لم تكن تعرف الجواب، فأخذت يده، وزرعت معه نبتةً صغيرة في علبةٍ قديمة قرب النافذة. كانت تريد أن تقول له، دون أن تعده بما لا تملك: إن الأرض التي عرفت الدمار ما زالت قادرةً على إنبات الحياة. بعض الأمهات لا يملكن إجاباتٍ عن المستقبل، لكنهن يمنحن أطفالهن سببًا كي لا يخافوا من الغد.

ولم يرَ أحدٌ..!!

تلك المرأة التي نامت بعد الجميع، واستيقظت قبل الجميع، واستقبلت الصباح بابتسامةٍ لم تكن دائمًا تشبه قلبها. ظنّوا أنها اعتادت التعب، ونسوا أن الاعتياد على الألم لا يعني زوال الألم، وأن المرأة التي تُجيد حمل الأعباء لا ينبغي أن تُترك لتحملها وحدها. فأعظم تقديرٍ للمرأة ليس أن نقول لها: ما أقواكِ..!!

بل أن نسأل أنفسنا:

لماذا اضطرّت إلى كل هذه القوة؟

ولم يرَ أحدٌ..!!

أولئك النساء اللواتي لم يظهرن في نشرات الأخبار، ولم تُكتب أسماؤهن على جدران المدن، ولم تُلتقط لهن صورٌ وهنّ يصنعن الخير. امرأةٌ أطعمت، وأخرى علّمت، وثالثةٌ داوت، ورابعةٌ أصلحت بين الناس، وخامسةٌ فتحت بابها لغريب، وسادسةٌ أعادت لطفلةٍ حقها في الحلم. لم يُعدن بناء اليمن كله، لكنهن حافظن على شيءٍ لا تقوم الأوطان بدونه: أن يبقى الإنسان إنسانًا، حتى حين يفقد العالم كثيرًا من إنسانيته.

ولعلّ أكثر ما يستحق التأمّل، أننا كلما تحدّثنا عن صمود نساء اليمن، أحصينا ما تحمّلنه من وجع، وقلّما سألنا عمّا يستحققنه من عدل. فالمرأة التي تحمل الماء تستحق ماءً يصل إلى بيتها، والتي تعلّم أطفال الجيران تستحق مدرسةً آمنة، والتي تؤوي النازحين تستحق وطنًا لا يقتلع أحدًا من بيته، والتي تصلح بين المتخاصمين تستحق مقعدًا على طاولة السلام. ليست عظمة المرأة اليمنية في أنها تعلّمت كيف تعيش وسط الخراب، بل في أنها ظلّت ترى في الإنسان ما يستحق الإنقاذ.

وربما حين يكتب التاريخ حكاية اليمن يومًا، لن تكفيه أسماء القادة، ولا تواريخ المعارك، ولا خرائط الانتصارات والهزائم. سيحتاج إلى فصلٍ طويل عن نساءٍ لم ينتصرن على أحد، لكنهن انتصرن للإنسان. نساءٍ لم يحملن الوطن على أكتافهن لأنهن خُلقن لحمل الأثقال، بل لأنهن أحببنه، ولأنهن رفضن أن تكون القسوة آخر ما يتعلّمه أطفالهن. وإذا كان للحرب تاريخٌ يكتبه المنتصرون، فإن للسلام تاريخًا آخر تكتبه النساء كل يوم، بالخبز والماء والكتاب والدواء، وببابٍ يُفتح، ويدٍ تمتد، وقلبٍ يرفض أن يكره.

ولعلّ أجمل ما يمكن أن يُقال عنهن: لم تكن نساء اليمن يرتّبن خرابهن كي يُخفينه عن العالم؛ كنّ يحاولن أن يصنعن، وسط الخراب، مكانًا صغيرًا تظلّ فيه الحياة جديرةً بأن تُعاش.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img