صحيفة الثوري – (رأي)
إلهام محمد زارعي
قرأتُ قصة المعلمة اليمنية التي رأت أحد الطلاب يأتي إلى المدرسة حاملًا أدوات حادة، ويعامل زملاءه بعدوانية. كان من السهل أن يُصنَّف طفلاً مشاغباً يستحق العقاب، لكن معلمته اختارت أن تسأل عمّا وراء غضبه، فاكتشفت طفلًا فقد والده، وجرّب النزوح، وحمل من الأحزان ما عجز لسانه الصغير عن وصفه. ومع الرعاية والدعم النفسي، بدأ يتعلّم الاقتراب من الآخرين دون أن يؤذيهم. أعادتني قصته إلى موقف عشته مع مجموعة من الشباب، وما زلت أراه درسًا في التربية والعدالة والسلام.
حيث وضعتُ يومًا لوحة بيضاء كبيرة، وقسّمتها إلى أربعين مربعًا، وطلبتُ من كل مشارك أن يرسم قلبًا كما يشاء. امتلأت اللوحة بقلوب ملونة، حتى جاءت فتاة واختارت المربع الأوسط. وحين عدتُ إلى القاعة، رأيت قلبًا مختلفًا عن الجميع؛ مقلوبًا، داكن اللون. سألتها عن سر رسمتها، فأجابتني بكلمات لم تغادر ذاكرتي: “أنا البنت الوحيدة بين إخوتي، وكل أعمال البيت مسؤوليتي. إذا تعطّل شيء أو حدثت مشكلة اتهموني، وحتى عندما أقول الحقيقة .. تخيلي يقولون إنني كاذبة”.
في تلك اللحظة، لم أعد أرى قلبًا مقلوبًا على لوحة، بل ميزانًا مقلوبًا داخل بيت. فتاة تُطالَب بالمسؤولية دون أن تُمنح الثقة، وتُحاسَب قبل أن تُسمَع، وتتعلم أن كونها أنثى يعني أن عليها أن تخدم أكثر، وتدافع عن نفسها أكثر، وأن تُصدَّق أقل. لم تكن المشكلة في الطريقة التي رسمت بها قلبها، بل في الحكاية التي دفعتها إلى اختيار ذلك الرسم.
تساءلتُ: كم فتاة تعيش تحت سقف أسرتها دون أن تشعر بالأمان؟ وكم طفلًا نسمّيه عنيدًا وهو يحاول أن يقول إنه موجوع؟ وكم مرة نعاقب السلوك الذي نراه، ونتجاهل الألم الذي لا نراه؟ إن بعض الأطفال لا يحتاجون أولًا إلى درس في الطاعة، بل إلى تجربة حقيقية في الإنصاف. فالعدل ليس كلمة نحفظها لأبنائنا، بل معاملة يعيشونها كل يوم.
وهنا تتجاوز الحكاية حدود تلك اللوحة لتصل إلى اليمن، حيث نشأ جيل كامل تقريبًا في ظل الحرب. نطالبه بأن ينبذ العنف، بينما قد يرى العنف وسيلة لحسم الخلافات؛ وندعوه إلى احترام المرأة، بينما قد يشاهد أخته تُحمَّل ما لا يُحمَّل لإخوته؛ ونحدّثه عن المواطنة المتساوية، بينما لا نمنحه داخل بيته حقًا متساويًا في التعبير والاحترام. فكيف ننتظر من طفل أن يؤمن بعدالة الوطن إذا لم يتذوق العدالة في أسرته؟
ليست كل البيوت كذلك، ولا كل سلوك غاضب نتيجة ظلم، لكن التربية تبدأ حين نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، ونحاول فهم الإنسان قبل تصحيح تصرفاته. وهذا ما يجعل دور المعلم عظيمًا؛ فقد يكون الصف أول مكان يكتشف فيه الطفل أن الاختلاف لا يستوجب الإهانة، وأن الخطأ لا يسلبه كرامته، وأن صوته مسموع حتى عندما يعجز عن اختيار الكلمات المناسبة.
إن بناء السلام في اليمن ليس مسؤولية السياسيين وحدهم. إنه مسؤولية أب يرفض التمييز بين أبنائه، وأم توزع الواجبات بالعدل، ومعلمة ترى خلف غضب الطفل حاجة إلى الأمان، ومجتمع يدرك أن كرامة الفتاة ليست منحة من أحد، بل حق أصيل لها. فالسلام لا يُقاس فقط بغياب الرصاص، بل بحضور العدالة في تفاصيل الحياة اليومية.
ما زلت أتذكر تلك اللوحة بأربعين مربعًا، وأتوقف عند القلب المقلوب في وسطها. لقد طلبتُ من المشاركين أن يرسموا قلوبهم، لكن تلك الفتاة جعلتني أتأمل شيئًا أكبر: كيف نطلب من أبنائنا أن يكبروا بقلوب سليمة، ونحن أحيانًا لا ننتبه إلى ما يثقلها؟
ولعل أخطر ما نورثه لأطفالنا ليس الفقر وحده، بل أن نُقنعهم، دون أن نشعر، بأن الظلم أمر طبيعي، وأن الصمت فضيلة حتى أمام الإهانة، وأن القوة تمنح صاحبها حق التحكم بالآخرين.
إن الطفل الذي يتعلم العدالة في بيته لن يحتاج إلى حرب ليثبت حقه، والفتاة التي تنشأ مرفوعة الكرامة لن تحتاج إلى أن تعتذر عن وجودها.
فإذا كنا نحلم بيمنٍ لا يُظلم فيه إنسان بسبب جنسه أو ضعفه أو اختلافه، فلنبدأ من أول دولة يعرفها الطفل: أسرته. ولنتذكر أن الحروب لا تترك آثارها في المدن وحدها، بل في القلوب أيضًا، وأن إعادة إعمار الإنسان قد تكون أعظم وأصعب من إعادة إعمار الحجر.
قبل أن نعلّم أطفال اليمن كيف يرسمون حمامة السلام، علينا أن نتأكد أننا لم نعلّمهم، داخل بيوتنا، كيف يعيشون بقلوب مقلوبة.


