آخر الأخبار

spot_img

كَحلان.. سِرُّ الجبلِ الكبير حين يتجلّى الصمودُ صلاةً، والثورةُ وطناً لا يموت

«صحيفة الثوري» – (رأي):

أ.د/ عبدالله غالب المعمري

إنها كَحلان، حيث الرفاق هناك، ليست مجرد جبلٍ في جغرافيا تعز، بل هي تجلٍّ من تجليات الروح اليمنية الأصيلة حين تستيقظ من رماد الخيبات، وتخلع عن صدرها أثواب الخوف والحياد، وتمضي حافيةً نحو محراب الحرية والكرامة، لا تسأل العاصفة الهوجاء عن شدتها، ولا الطغيان القادم من الهضبة عن جبروته، بل تسأل روحها: أَنحنُ أبناء هذه الأرض التي تُعلِّم الجبال كيف يكون الشموخ، أم نحنُ عابرون في مواسم الانكسار وتناسل الخيبات؟

يا كحلانُ، يا أيقونة الإباء، ويا قصيدة الجبلِ التي لم تستطع جحافلُ البغي أن تنتزع منها جينات الكبرياء! يا محراباً تعمَّد بوجع الأرض ودم الشهداء، وتطهَّر بنار المحنة، وتجلّى في عيون أبنائه معنىً عصيّاً على التدجين؛ معنى أن يكون الإنسان حراً أو ألّا يكون!

لقد أتتكِ جحافلُ الوهم محمولةً على أكتاف الغطرسة والعنجهية، تظن أن الأرض تُستباح، وأن الإنسان يُختزل إلى رقمٍ في معادلة القهر، وأن الجبال مجردُ تضاريس صامتةٍ في خرائط الهيمنة. لكنهم لم يعرفوا أن في كحلان روحاً للرفاق القدامى والجدد تُقاس بميزان القوة، وأنّ خلف صخورها قلوباً إذا استيقظت، تحوِّل صمت الجبال إلى بركان من الرفض، وتحيلُ رهانات الغزاة إلى رمادٍ تذروه رياحُ الخيبة.

هنا في كحلان، لم يكن الصمود مجرد موقفٍ عابر، بل كان طقساً من طقوس الانتماء، وكانت الكرامةُ صلاةً مفتوحةً على السماء، وكان الثبات عهداً بين الإنسان وأرضه، لا تنقضه المجاعة، ولا تُسقطه المحنة، ولا تُطفئه كثافة الظلام. هنا أدرك البغاةُ أن الجبل ليس صخرةً فحسب، بل ذاكرةٌ حية، وأن الأرض ليست تراباً يُمتلك، بل كرامة تُصان، وأن الشعوبَ التي تسكنُها روحُ الحرية لا تُستعبد، وإن تكالبت عليها ألفُ عاصفة.

سلامٌ على رجال كحلان، الذين حملوا وجعَ الأرض في صدورهم، وصاغوا من شظايا المعاناة معنى الصمود، ولم يجعلوا من قلة الإمكانات ذريعةً للاستسلام، ولا من الخيانة طريقاً للتسليم، بل جعلوا من ضيق الحال نافذةً إلى اتساع الإرادة.

سلامٌ على دُبا، وعلى رجال الشقب وأهلها، وعلى كل قلبٍ نبيلٍ تآزر مع أخيه في ساعة المحنة، فكانوا كأنهم نهر واحد تتعدّدُ روافدُه، وجبل واحد تتعانقُ قممُه، وروح واحدة تتجلّى في أكثر من مكان.

يا أبناء تعز، يا حُرّاسَ الحلمِ في زمن انطفاء الأحلام، إن كحلان ليست وحدها في هذه الملحمة؛ إنها مرآةٌ لروحكم، وصدى لوجعكم، وشاهد على أن الثورةَ الحقيقيةَ ليست صرخةً في وجه الطغيان فحسب، بل هي أيضاً ثورة على الخوف في داخلنا، وعلى اليأس الذي يريد أن يجعل من الهزيمة قدراً، ومن الصمت فضيلةً زائفة، ومن الاستسلام حكمةً مزيفة.

إن الوطن الذي يُستباح في أطرافه يُجرح في قلبه، وإن الأرض التي تنزفُ في كحلان ودُبا والشقب تنزفُ في ضمير اليمن كله. وما لم تستيقظ الروح الوطنية الثورية من سباتها، وما لم تتوحد إرادة الأحرار حول مشروع الدولة والعدالة والحرية والكرامة، فستظل الجبال تقاوم وحدها، وستظل المآسي تتكرر، وسيظل التاريخ يكتبُ بدموعه أسئلةً لم تجد بعد إجاباتها.

يا كحلانُ ويا هان، يا نشيد الصمودِ الذي يترددُ في أودية تعز، ويا قبسَ النورِ الذي يشقّ عتمة هذا الزمن الموحش، ستبقون في الذاكرة الوطنية أكثر من واقعةٍ مرّت من هناك، بل ستبقون رمزاً لمعنى أن ينهض الإنسانُ من تحت الخراب، وأن يسترد من الألم قدرته على الحلم، ومن المحنة إيمانه بالحياة، ومن الخوف شجاعتَه على قول: لا، إنها البندقية!

سلامٌ على كحلان حين تصيرُ الجبالُ منابرَ للحرية، وسلامٌ على تعزّ حين تحوّلُ جراحَها إلى وعيٍ وثورة، وسلامٌ على اليمن حين يستعيدُ روحَه من بين أنقاضِ الخيبات.

كحلانُ لم ولن تنحنِ… لأن في الجبالِ روحاً، وفي الروحِ ثورةً، وفي الثورةِ وطناً لا يموت!

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img