آخر الأخبار

spot_img

صحيفة الثوري في عامها التاسع والخمسين: من نشرةٍ على الاستنسل إلى ذاكرة وطن… ومعركة لم تنتهِ

«صحيفة الثوري» – (رأي):

أ.د. عبدالله غالب المعمري

في الذكرى التاسعة والخمسين لتأسيس صحيفة «الثوري»، لا نقف أمام عمر صحيفة فحسب، بل أمام ذاكرة مرحلةٍ كاملة من تاريخ اليمن الحديث؛ ذاكرةٍ تختلط فيها أحلام التحرر الوطني الديمقراطي بأسئلة العدالة الاجتماعية، وتتشابك فيها معارك التغيير مع خيبات السياسة، وتظل فيها الكلمة الحرة امتحاناً يومياً لشجاعة أصحابها وصدق انحيازهم إلى قضايا الناس العادلة.

لقد خرجت «صحيفة الثوري» إلى الحياة في خضم معركة التحرر الوطني اليمني، وارتبط تاريخها المبكر بالكفاح ضد الاستعمار البريطاني، قبل أن تصبح لسان حال الجبهة القومية، ثم الحزب الاشتراكي اليمني. وتوثّق المصادر بداياتها في عدن عام 1967، في ظروفٍ لم تكن فيها الكلمة ترفاً، بل جزءاً من معركة الاستقلال والسيادة، ومنبراً للصراع الفكري والسياسي، ومساحةً للكلمة التي تبحث عن وطنٍ لا يُختزل في حاكم ولا عائلة، ولا يُصادره حزب، ولا تحتكره بندقية غاشمة، ولا يُرتهن لإرادة الخارج.

في الذكرى التاسعة والخمسين لصحيفة «الثوري»، لا نريد لها احتفالاً بارداً، ولا كلمات مجاملة تُلقى في أحشائها ثم تُنسى، ولا باقات وردٍ توضع على قبر المجد العظيم.

إنها سؤال مفتوح في وجه التاريخ؛ إنه سؤال الدولة الذي لا يزال واقفاً عند باب اليمن، يطرق أبواب الضمائر ويصرخ في وجوه الذين أضاعوا البوصلة: أين الوطن الذي حلمنا به؟

وماذا يبقى من الصحافة حين تتراجع الحقيقة؟ وماذا يبقى من الأحزاب حين تصمت منابرها عند المعركة الحاسمة للناس؟ وماذا يبقى من اليسار حين يصبح أكثر انشغالاً بذاكرته واستهلاك رصيده النضالي من انشغاله بصناعة مفاتيح المستقبل؟

نريدها ذكرى للمساءلة، وللنقد، وللتقييم، ولإشعال جذوة الوعي والحركة الثورية، ولمراجعة المسافة الفاصلة بين ما حلم به المناضلون وما يعيشه اليمنيون اليوم من بؤس.

فما قيمة صحيفةٍ اسمها «الثوري» إن لم تكن ثوريةً في انحيازها إلى متارس المظلومين؟ وما قيمة تاريخٍ نضالي عريق إن لم يتحول إلى موقفٍ شجاع في الحاضر؟

إن الثورة رديفةٌ لصحيفة «الثوري»، والعكس صحيح؛ فالثورة، إذن، مسؤولية تتجدد كلما سُلب الإنسان حقه، وكلما تمدد أخطبوط الفساد، وكلما تحولت الدولة إلى غنيمة للمليشيات، وكلما ظن أصحاب القوة أن أصوات الناس يمكن أن تُدفن تحت ركام الحرب!

أن تكون «الثوري» صوتاً لمن لا صوت لهم، وأن تفتح صفحاتها لوجع العامل والفلاح والمعلم والجندي والطالب، وأن تقف إلى جانب الفقراء الذين طحنهم الغلاء، والموظفين الذين أرهقهم انقطاع الرواتب، والأمهات اللواتي يخبئن دموعهن خلف أبواب البيوت، والشباب الذين تتبدد أعمارهم بين الحرب والبطالة والهجرة ومخيمات النازحين، حيث تختصر الخيمة وطناً مفقوداً.

فالصحافة التي تخاف من الحقيقة لا تحمي الثورة، بل تتركها فريسةً للشعارات الجوفاء. نحتاج إلى الصحيفة التي تعيد للنضال الثوري روحه بعد ضمور طويل!

يا اشتراكيي اليمن، أعيدوا إلى الكلمة نارها، وأعيدوا للسياسة معناها، وللثورة ألقها؛ فالصحيفة التي لا تراجع الواقع تتحول إلى أرشيف ميت، والحزب الذي لا يسمع أسئلة الناس يتحول إلى ذكرى، والثورة التي لا تنتج وعياً جديداً تصبح أسيرة أمجادها القديمة.

المجد لليمن، ولصحيفة «الثوري» وطاقمها في ذكراها التاسعة والخمسين، والمجد للكلمة التي قاومت الاستعمار والاستبداد والفساد، والتحية لكل من حملها بصدقٍ وشجاعة، والوفاء لكل من آمن بأن اليمن يستحق دولة نظام وقانون، لا إقطاعية لأقويائها؛ دولة مستقلة لا تبعية، ودولة مواطنة متساوية لا غلبة قوة، وعدالة لا امتيازات، وحرية لا تُمنح مِنّةً من أحد… وما زال لحرف صحيفة «الثوري» متسعٌ للثورة.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img