«صحيفة الثوري» – (رأي):
أ.د. عبدالله غالب المعمري
حين تقف المدن على حافة الوجع والنزيف الحاد، لا يكون السؤال: كم بقي من الأرض المحررة معنا؟ بل: كم بقي في الضمائر من روح المقاومة والتحرير؟
تعز ليست غرناطة، ولن تكون غرناطة أخرى في ذاكرة الهزائم العربية. ليست مدينةً تنتظر من يكتب مرثيتها، ولا حكايةً أندلسيةً قديمة نعيد سردها كلما خذلنا التاريخ وخذلتنا القيادات، ولا قلعةً عسكريةً تنتظر رايات الاستسلام كي تُطوى فوق أسوارها آخر صفحة من صفحات الكرامة.
تعز مدينةٌ تعرف كيف تنزف، وكيف تُضحي، وكيف تنتصر، لكنها لم تتعلم كيف تركع.
تعز مدينة حملت جراحها على كتفيها، ومضت في دروب الحصار كأنها تحمل جمرة الجمهورية في قلبها، وكلما حاول اليأس أن يطفئها، أخرجت من رمادها قبساً جديداً من العناد والصمود.
تعز ليست غرناطة، لأنها لم تُسلّم حقها في الحلم، وليست مدينةً قابلةً للاستسلام ما دام في أبنائها من يرفض أن يكون الوطن مجرد ذكرى.
تعز ليست مدينةً تنتظر إعلان سقوطها، وإن تهاوت كل القلاع، لأن تعز روح ثورة، ولطريق الثورة ألف باب.
تعز قضيةُ وطنٍ حية، وجرحٌ مفتوح، وصرخةٌ في وجه كل من راهن على إنهاكها، وعلى تعبها حتى تستسلم!
تعز ليست غرناطة… ولن تكون مرثيةً جديدة في كتاب الهزائم، بل قضيةً مفتوحةً لاستعادة الدولة الوطنية والكرامة والحياة.
لكن لنقل الحقيقة كما هي، بلا مساحيق وطنية ولا خطبٍ ووعودٍ مخدّرة: تعز لا تُهدد بقوة الفاشيست الحوثية وبالانكسار من قوة الحصار شبه المطبق، ولا من خيانة الزنابيل بالداخل، بل من تآكل إرادة الدولة وحلفائها، ومن خذلان السياسة، ومن اعتياد المأساة، ومن أولئك الذين يتحدثون عن معركة التحرير الوطني، فيما تُترك المدينة لمواجهة قدرها وحدها، وبينما تصمت بقية الجبهات.
إن تعز لا تحتاج إلى مزيدٍ من المواعظ عن البطولة والشجاعة والثورة؛ فقد دفعت من أعمار أبنائها وأمنهم وأرزاقهم وحياتها ما يكفي لإثبات أن روحها لم تمت.
إنها تحتاج إلى إرادة قيادة سياسية تتحمل مسؤوليتها، ومؤسساتٍ تستعيد دورها، وقرارٍ وطني لا يجعل مصير المدينة رهينةً للقبح والمساومات الرخيصة والانقسامات المبتذلة.
تعز لا تريد مرثيةً جديدة؛ تريد نهايةً لزمن الخذلان، لزمن الخديعة، لزمن الدجل السياسي، لزمن التآمر، لزمن الاستسلام.
تعز لا تريد من يبكي عليها كالنايحات، بل تريد من يعمل لأجلها؛ لأنها حاملة المشروع الوطني المدني الديمقراطي، ولا تريد مزيداً من الضجيج، بل تريد مسؤولين أمام الله والناس والتاريخ.
تعز ليست غرناطة… والحكاية لم تنتهِ.
وأخشى من المتفرجين على قتلها أن يبكوا يوماً كالنساء على وطنٍ اسمه تعز، لم يحافظوا عليه كالرجال.


