آخر الأخبار

spot_img

أمهاتٌ يُربّين أبناءهن عبر الهاتف..!!

«صحيفة الثوري» – (رأي):

الهام محمد زارعي

دخل إلى المكتب ذات يوم شابٌّ يحمل في عينيه حكاية أطول من عمره. كان قد نجا من أيدي المتشددين في وطنه، وفرّ تاركًا خلفه أهله وبيته وكل ما يعرفه، وانقطعت أخباره عن أمه لسنوات. لم يطلب مني شيئًا كبيرًا، فقط سألني إن كان بإمكانه الاتصال بأمه، بعدما بذل جهدًا شاقًّا وطويلًا في البحث عن أسرته، حتى تمكّن أخيرًا من العثور على رقم هاتفها. لم أكن أعلم يومها أنني سأشهد واحدًا من أعمق دروس الأمومة في حياتي.

وحين ظهرت الأم على شاشة الهاتف، رأيت لهفةً لا تستطيع الكلمات وصفها. أخذت تلمس الشاشة بأصابعها، وكأنها تتحسس وجه ابنها، وتمرّر يدها على صورته، كأنها تريد التأكد من أنه حي، وأن هذا الوجه الذي انتظرته طويلًا لم يكن حلمًا آخر من أحلامها. كانت تراه، لكنها لا تستطيع احتضانه. تسمع صوته، لكنها لا تستطيع أن تضع يدها على رأسه. وبينهما شاشة صغيرة، وخلفها سنوات من الخوف والانتظار.

تأملتُ أصابع تلك الأم وهي تلامس الزجاج، وسألت نفسي: كم يحتاج الإنسان من التقدم العلمي حتى يخترع وسيلة تنقل دفء الحضن كما تنقل الصورة والصوت؟

ثم قفز إلى قلبي سؤال آخر:

وماذا عن الأم اليمنية؟ ماذا عن الأم التي فرّقت الحرب بينها وبين أبنائها، فصار أحدهم في بلد، وآخر في مدينة بعيدة، وثالث لا تعرف متى تسمع صوته؟ ماذا عن تلك التي أصبحت تعرف وجوه أبنائها من شاشة الهاتف، وتتابع أعمار أحفادها من الصور، وتشارك أفراح أسرتها من خلف الزجاج؟

لقد غيّرت الحرب في اليمن جغرافية الأسرة قبل أن تغيّر جغرافية المدن. لم تعد المسافات تُقاس بين صنعاء وتعز وعدن وحضرموت، بل بين قلب أمٍّ ووجه ابنها، وبين بيتٍ ما زال ينتظر وأقدامٍ لا تعرف متى تعود.

وأصبح الهاتف في بيوت كثيرة أكثر من وسيلة اتصال؛ صار غرفة لقاء، ومائدة عائلية، ومدرسة تربية، ونافذةً تطل منها الأم على حياة أبنائها. تسأل الأم: هل أكلت؟ هل نمت؟ هل أنت بخير؟ هل صليت؟ هل وجدت عملًا؟ هل ما زلت تتذكر نصائحي؟

وقد يظن من يسمعها أنها تكرر الأسئلة نفسها، لكنه لا يدرك أنها تحاول أن تمارس أمومتها بما تبقى لها من وسائل. فحين تسأل عن طعامه، فإنها تحاول أن تطعمه بصوتها، وحين تسأل عن نومه، فإنها تحاول أن تغطيه بدعائها، وحين تقول له: «انتبه لنفسك»، فإنها تضع في تلك الكلمات كل الأيدي التي لم تستطع أن تمدها إليه.

ولكن الحرب لم تفرّق الأجساد وحدها؛ لقد غيّرت أيضًا طريقة التعبير عن الحب. فالأم تخفي مرضها حتى لا تقلق ابنها المغترب، والابن يخفي تعبه حتى لا يوجع قلب أمه. تقول له: «نحن بخير»، ويجيبها: «وأنا بخير»، وبين الجملتين حكايات كثيرة لم تُروَ.

وهكذا تصبح المكالمة مساحة يتبادل فيها الطرفان الطمأنينة، بينما يحمل كل منهما نصف الحزن بعيدًا عن الآخر. والأشد وجعًا أن السنوات لا تنتظر انتهاء الحروب. يكبر الأبناء، وتشيب الأمهات، ويولد الأحفاد، وتتغير الوجوه. وقد يعود الابن بعد سنوات، فيجد أمه التي كانت تحمله تحتاج اليوم إلى من يسند خطواتها.

وقد تلتقي الجدة بحفيدها لأول مرة، بعدما عرفته طفلًا يحبو، ثم يمشي، ثم يدخل المدرسة، وكل ذلك من خلال شاشة لا تستطيع أن تمنحها قبلة واحدة. فالحرب لا تسرق من الإنسان سنوات عمره فقط، بل تسرق منه حقه في أن يعيش تلك السنوات مع من يحب.

ومع ذلك، فإن الأم اليمنية ليست مجرد امرأة تنتظر عودة أبنائها. إنها، في كثير من الأسر، حارسة الذاكرة، وصوت القيم، والجسر الذي يحفظ صلة الأبناء بجذورهم. من خلف الهاتف، تذكّرهم بأهلهم وجيرانهم، وتوصيهم بألا يردوا الإساءة بمثلها، وألا يجعلوا الغربة تنسيهم الرحمة، وألا يحملوا إلى الأجيال القادمة أحقاد الحروب التي عاشوها. فالأمومة لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، والتربية ليست حضورًا جسديًا فحسب؛ إنها أثرٌ يبقى في ضمير الإنسان حتى حين يغيب صوت من ربّاه.

لكننا لا ينبغي أن نجعل من قدرة الأم على الصبر مبررًا لاستمرار حرمانها. فالأم لا تحتاج إلى قصيدة تمجّد انتظارها بقدر ما تحتاج إلى طريق آمن يعيد أبناءها إلى حضنها.

وهنا تصبح حماية الروابط الأسرية جزءًا أصيلًا من بناء السلام في اليمن. فإعادة فتح الطرق، وتيسير لمّ شمل الأسر، والمساعدة في البحث عن المفقودين، وتوفير وسائل التواصل للنازحين، والدعم النفسي للأطفال والأمهات، ليست خدمات ثانوية يمكن تأجيلها؛ إنها إعادة بناء للأسرة التي يقوم عليها المجتمع.

فما جدوى أن نعيد إعمار الجدران إذا تركنا القلوب متباعدة؟ وما معنى أن نتحدث عن مستقبل الوطن بينما يكبر جيل لا يعرف أجداده إلا من الصور، ولا يعرف معنى اجتماع الأسرة إلا من حكايات والديه؟

إن الأسرة ليست مجرد أشخاص يجمعهم سقف واحد، بل مدرسة يتعلم فيها الإنسان الانتماء والمحبة والمسؤولية. وحين تتباعد أركانها قسرًا، تصبح حمايتها مسؤولية إنسانية تتجاوز حدود البيت.

وكلما تذكرت ذلك الشاب الذي دخل المكتب، عادت إلى ذاكرتي يد أمه وهي تلامس الشاشة. لم أحتج إلى معرفة لغتها كي أفهمها، فقد كانت تتحدث بلغة تعرفها كل أم في العالم؛ لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لأن الحنين فيها أصدق من الكلام.

وأتساءل: كم أمًّا يمنية تنام وهاتفها إلى جوار وسادتها، تنتظر اتصالًا يطمئنها إلى أن ابنها ما زال بخير؟ وكم أمًّا تحفظ فرق التوقيت بين بلدها وبلد أبنائها، لكنها لم تعد تعرف كيف تحسب المسافة بين آخر حضن وموعد اللقاء القادم؟

وكم أمًّا تنتظر صوتًا انقطع، ولا تدري إن كان الغد سيحمل إليها خبرًا أم سيضيف عامًا آخر إلى عمر الانتظار؟

لقد استطاع الإنسان أن يجعل العالم قرية صغيرة، وأن ينقل الصوت والصورة عبر القارات في لحظة، لكنه لم يستطع بعد أن يجعل هذا العالم مكانًا آمنًا يجتمع فيه الأحبة دون خوف.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ونحن نتحدث عن السلام في اليمن ليس فقط: متى تتوقف الحرب؟ بل: متى تعود الأمهات إلى ممارسة أمومتهن دون حواجز وخوف وانتظار؟

فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالأسر التي تحفظ روحها، وبالأطفال الذين يكبرون في الأمان، وبالأمهات اللواتي لا يُضطررن إلى اختصار حنانهن في مكالمة هاتفية. وستظل صورة تلك الأم التي تلمس وجه ابنها من خلف الزجاج تسكن ذاكرتي، وتعلّمني أن أعظم ما يحتاجه الإنسان ليس أن يرى أحبته بوضوح أكبر، بل أن يستطيع الوصول إليهم.

فما أقسى أن نعيش في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يلمس القمر بأدواته، بينما تعجز أمٌّ عن لمس وجه ابنها بيديها! وما أجمل أن يأتي يوم لا تحتاج فيه الأم اليمنية إلى أن تقبّل شاشة الهاتف، لأن ابنها عاد أخيرًا ليقبّلها.

ودمتم سالمين.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img