صحيفة الثوري – (رأي)
الهام محمد زارعي
في الحارة اليمنية القديمة، كان الغريب يصل ولا يحمل معه سوى اسمه. ثم تمر الأيام، فيأكل من طبق الجيران، ويلعب أطفاله مع أطفالهم، ويُفسح له مكان في المجلس، حتى ينسى الناس متى جاء، وينسون أنه كان يومًا ضيفاً غريباً و يبهت السؤال: «من أي منطقة جئت؟» ويكبر سؤال أجمل: «كيف حالك؟».
فمن الذي يصنع الغريب إذن؟
ربما لا تصنعه المسافات، بل الأفكار التي نضعها بين إنسان وإنسان. فالطفل لا يولد وهو يعرف أن هذا من منطقتي وذاك من منطقة أخرى، لا يوجد في رأسه خريطة للغرباء. نحن الذين نرسمها له.وأن هذا يشبهنا وذاك يختلف عنا. إنه يرى الوجوه قبل أن نعلّمه أسماءها، ويمد يده للعب قبل أن نشرح له الحدود. ثم يبدأ الكبار، أحيانًا دون أن يشعروا، برسم خريطة صغيرة في رأسه: هؤلاء نحن، وأولئك هم. ومن هذه الجملة البسيطة قد تبدأ مسافات أكبر من الجغرافيا.
نحن بحاجة إلى جيل يعرف جذوره جيدًا، لكنه لا يحوّلها إلى أسوار؛ يحب هويته دون أن يخاف من هوية الآخر، ويحمل أفكاره دون أن يحتاج إلى إلغاء أفكار غيره.
واليمن الذي أرهقته سنوات الانقسام لا يحتاج فقط إلى ترميم شارع ومدرسة وبيت؛ إنه يحتاج إلى ترميم معنى «نحن».
أن تكبر هذه الكلمة حتى تتسع للحارة الأخرى، والمنطقة الأخرى، واللهجة الأخرى، والرأي الآخر، والإنسان الذي لم نلتقِ به بعد.
وهذا البناء لا يبدأ من القاعات الكبيرة، بل من مائدة صغيرة في بيت؛ من الطريقة التي نتحدث بها أمام أطفالنا عن المختلف، ومن المكان الذي نفسحه للضيف، ومن الجار الذي نحييه، ومن السؤال الذي نعلّم أبناءنا أن يسألوه.
فقد يكون أخطر ما تفعله الحروب أنها لا تهدم البيوت فقط، بل تجعل الإنسان ينظر إلى أخيه فيراه غريبًا.
وأعظم سلام يمكن أن نصنعه هو أن نعكس الطريق:
أن نعيد الإنسان إلى الإنسان.
فربما لن يأتي اليوم الذي نتشابه فيه جميعًا، ولا ينبغي له أن يأتي؛ فالجمال ليس في أن نصبح نسخة واحدة، بل في أن نتعلم كيف نبقى مختلفين دون أن نصبح أعداء. فالغريب ليس دائمًا ذلك الذي جاء من بعيد؛ قد يكون إنسانًا قريبًا أبعدناه بفكرة.
وحين تكبر دائرة «نحن» بما يكفي لتتسع له، سنكتشف حقيقة بسيطة تأخرنا كثيرًا في فهمها:
لم يكن الغريب غريبًا، بل كانت الدائرة أضيق من أن تتسع له.
ودمتم على المودة مجتمعين.


