آخر الأخبار

spot_img

اليمن والصين.. سبعون عامًا من الصداقة وكتاب يولد من رحم الذكرى 1956–2026

صحيفة الثوري – كتابات 

بقلم/ نجيب الكمالي *

يصادف اليوم، الرابع والعشرون من سبتمبر، مرور سبعين عامًا على بدء العلاقات الدبلوماسية بين اليمن والصين عام 1956.
سبعون عامًا ليست رقمًا عابرًا في عمر العلاقات بين بلدين، خصوصًا أن اليمن كانت من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقاتها الدبلوماسية مع الصين، بعد مصر وسوريا بأسابيع قليلة.
وأنا أتوقف عند هذه المناسبة، أجد نفسي أعود بالذاكرة إلى العامين الماضيين، حين بدأت علاقتي بالصين تأخذ شكلًا مختلفًا من خلال عملي رئيسًا للفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين، وعضوًا في الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل.
لم أذهب إلى الصين.
لكنني قرأت عنها كثيرًا.
قرأت، تابعت، بحثت، كتبت، وتواصلت مع صحفيين وإعلاميين وأصدقاء. وفي كل مرة كنت أظن أنني وصلت إلى فكرة واضحة، أجد أمامي شيئًا جديدًا يدفعني للبحث أكثر.
في البداية لم تكن هناك فكرة كتاب.
كان هناك مقال فقط.
ثم جاء مقال آخر، وبعده موضوع ثالث، ومع الوقت بدأت الأوراق والملاحظات تتجمع. بعض الأفكار كنت أعود إليها بعد أيام، وبعضها كنت أضعه جانبًا ثم أكتشف بعد فترة أنه يصلح لأن يكون جزءًا من صورة أكبر.
وهكذا، دون تخطيط طويل، وجدت نفسي أمام كتاب.
«الصين التي رأيتها بالقلم.. من الإصلاح إلى القمة في زمن شي جين بينغ».
سميته بهذا الاسم لأنني فعلًا رأيت الصين بالقلم. لم أرَ مدنها بعيني، ولم أمشِ في شوارعها، ولم أجلس في مقاهيها، لكنني حاولت أن أقترب منها بما أملك: القراءة، والبحث، والمتابعة، والقلم.
وهذا الكتاب ليس دراسة أكاديمية، ولا كتاب رحلات.
هو تجربة صحفي يمني حاول أن يفهم بلدًا بعيدًا، وأن ينظر إلى تجربته من مكان آخر، من اليمن تحديدًا.
وأنا أقرأ عن الصين، لم أكن أفكر في الصين وحدها.
كنت أعود إلى اليمن.
هذه ربما كانت أكثر الأشياء التي رافقتني أثناء كتابة الكتاب. كلما قرأت عن طريق، فكرت في طرق اليمن. وكلما قرأت عن ميناء أو قطار أو مشروع، سألت نفسي ماذا ينقص بلادنا؟ وكلما توقفت أمام تجربة في التعليم أو التكنولوجيا أو تأهيل الشباب، تذكرت كم نحتاج نحن في اليمن إلى مثل هذه الأسئلة.

ومن هنا كنت أقرأ مبادرة الحزام والطريق بطريقة يمنية بسيطة.

ماذا يمكن أن تعني لليمن؟

ليس كشعار كبير، وإنما كشيء يمكن أن يلمسه المواطن في حياته اليومية؛ طريق أفضل، ميناء أكثر نشاطًا، نقل أسهل، كهرباء ومياه، تعليم وصحة، تجارة أوسع، وفرص عمل.
وموقع اليمن على باب المندب يجعل هذه الأسئلة أكثر حضورًا بالنسبة لي. لكن الفرص لا تتحول إلى واقع بمجرد الحديث عنها، فهي تحتاج إلى استقرار وظروف تسمح لليمن بأن تستفيد من موقعها وإمكاناتها.
كنت أتمنى، وأنا أكتب عن الصين، أن أجد في واقع اليمن ما يسمح لي بأن أحدث أصدقاءي هناك عن بلد قادر على البناء والتقدم، لا عن الحرب والأزمات فقط.
كنت أتمنى أن أحدثهم عن تاريخ اليمن، عن عدن، عن مدننا، عن الناس الذين يريدون أن يعيشوا حياة طبيعية، وعن بلد لديه ما يقوله للعالم بعيدًا عن أخبار الحرب.
لكن السنوات الماضية لم تكن سهلة.
الحرب أخذت من اليمن وقتًا كثيرًا، وأبعدتها عن فرص كان يمكن لعلاقة عمرها سبعون عامًا أن تفتح لها أبوابًا جديدة.
ومع ذلك، بقيت العلاقة بين الشعبين حاضرة في ذاكرتي.
وأنا أتابع وأقرأ، لفتني دائمًا أن العلاقات بين الشعوب لا تعيش فقط في الاتفاقيات الرسمية. هناك شيء آخر أكثر هدوءًا؛ كتاب، صحفي، صديق، حوار، أو حتى كلمة تترك أثرًا في مكان ما.
ومن هذه الفكرة جاء احتفالي بهذه الذكرى.
لم أرد أن أكتب مقالًا آخر عن المناسبة وأغلق الصفحة.
قلت لنفسي: لماذا لا يكون الكتاب هو الاحتفال؟
كتاب خرج من عامين من القراءة والمتابعة والكتابة، ومن اهتمام شخصي بتجربة الصين وعلاقاتها باليمن، ومن رغبة في أن أقدم للقارئ شيئًا مختلفًا عن الصورة السريعة التي نراها في الأخبار.
اليوم، وصل الكتاب إلى مراحله الأخيرة.
لم تتبقَّ سوى اللمسات النهائية للإخراج والطباعة، وأعمل على استكمالها على أمل أن يرى النور خلال الأسبوع القادم.
تأخر الكتاب لأسباب مادية بحتة، لكنني لم أتركه.
واصلت الكتابة والمراجعة، وكلما ظننت أنني انتهيت، عدت إلى صفحة أو فكرة أو فقرة، حتى وصل إلى هذه المرحلة.
وشعرت، وأنا أراه يقترب من الطباعة، بشيء من الفرح لا أستطيع وصفه بسهولة.
فالفكرة التي بدأت بمقال، ثم كبرت مع القراءة والبحث، أصبحت الآن كتابًا.
وهنا لا بد أن أتوقف عند موقف أقدّره كثيرًا.
أتقدم بخالص الشكر إلى جامعة تعز، وإلى رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور محمد سعيد الشعيبي، الذي بادر مشكورًا إلى طباعة الكتاب.
هذه المبادرة تعني لي الكثير، ليس فقط لأنها ساعدت الكتاب على الوصول إلى مرحلة الطباعة، ولكن لأنها جاءت في وقت كنت أحتاج فيه إلى من يؤمن بأن الفكرة تستحق أن ترى النور.
وأشكر كذلك كل من شجعني خلال هذه الفترة، وكل صديق أو زميل فتح لي بابًا للمعرفة أو النقاش أو البحث.
في النهاية، هذا الكتاب ليس حكاية الصين وحدها.
هو أيضًا جزء من حكايتي كصحفي يمني، حاول أن يقرأ تجربة بلد بعيد، ثم يعود كل مرة ليسأل عن بلده.
وهذا ما بقي معي طوال الكتابة:
أنني كلما اقتربت من الصين، وجدت نفسي أفكر في اليمن.
سبعون عامًا من العلاقات بين اليمن والصين، وكتاب يولد في اليمن من رحم هذه الذكرى.
أما أنا، فسأظل أرى الصين بالطريقة التي عرفتها بها طوال العامين الماضيين…


* رئيس الفرع اليمني للاتحاد الدولي للصحفيين والإعلاميين أصدقاء وحلفاء الصين
عضو الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img