آخر الأخبار

spot_img

فلاشات حول شعر الشاعر فخر العزب في ديوانه «سيرة متعفنة لشاعر لا يخصه شيء»

«صحيفة الثوري» – (ثقافة):

د. عبدالحكيم الفقيه

الشاعر فخر العزب أحد الشعراء اليمنيين الذين دخلوا عالم الشعر بقوة، وتمكّن تفعيلياً أو نثرياً، وله أيضاً حضور في القصيدة البيتية، ولكني أزعم أن شعر التفعيلة لديه ذو تجربة قوية واقتدار، ودربة ومراس. عرفته من خلال كتاباته، وعرفته شخصياً، والتقيته أول مرة في مقر صحيفة «المستقلة»، وفي فعاليات مكتب الثقافة في تعز.

«فخر» إنسان هادئ، رزين العقل، مخلص للكتابة، قدّم الشعر دستوراً لحياته وهدية لجمهوره، ويتقن فن الاستطلاعات والمقالات الصحفية. إنه أحد معالم جبل صبر الشعرية، ومن أهم أصوات الشعر الجديد في «الحالمة» تعز وفي اليمن.

وقعت في يدي مسودة ديوانه الجديد، ويحتوي على 76 قصيدة، ويتكون من 142 صفحة، وهو صادر عن «دار أروقة» في القاهرة المصرية، وعنوانه: «سيرة متعفنة لشاعر لا يخصه شيء». عنوان الديوان غير مألوف، وهذه سمة من سمات عناوين الحداثة والشعر الجديد.

يقدم شعره في أولى قصائده على أنه اللاشيء، مع أنه كل شيء، ولا أستطيع تخيل الوجود بدون شعر، ويعرف القارئ أن السيرة هي سيرته الشخصية؛ حيث يورد اسمه في السياق، ويحدد بداية إصابته بالاكتئاب. وفي الديوان رسم كاريكاتوري لصاحب السيرة، واستحضار لمعتقدات القرويين؛ حيث شاهد الميسم كعلاج لبقرة يُعتقد أنها مجنونة. استندت قصائده على التشبيه؛ حيث لاحت كاف التشبيه مكتسحة بقية المحسنات. وكل قصيدة لبنة في مدماك الديوان، وعينة تخبرنا أننا أمام سيرة متنوعة لشاعر ثلاثيني حادّ الاكتئاب.

تعد قصيدة النثر –أو كما يسميها نبيل سليمان: «النثيرة»، أو الشعر الحر الحديث– ضرورة وجودية اكتسبت ضرورتها من عملية التحديث والتمدين في المجتمعات، وهي ضرورة عصرية فاتحة بابها لكافة المضامين والثيمات، وتعبير حر دون قيود للشاعر الوجودي المعاصر كمثقف عضوي فعال في صيرورة مجتمعه. إنها تكثف صراع الذات مع الموضوع، والفرد مع المجموع، والرؤية الديناميكية الجوهرية مع استاتيكية الزمن وتحنطه، والثورة مع السكون والرجعية والتقهقر. تتداخل الأصوات وتمثل كرنفالاً تنطق فيه حتى الأشياء، ويرفض فيها الشاعر غربته وغرابته وانعزاله، ليبرز حضوره كمايسترو فعالاً لأوركسترا متشابكة ومتكاملة بين الزمان والمكان والناس والأشياء. إنها –أي قصيدة النثر– الصخب والجلبة المحمودة، وعينة ممثلة لجوهر وطبيعة الحياة بكل مظاهرها.

تحت راية القصيدة النثرية، دخلت مفردات اللغة أفواجاً في مضمار الشعر، ولم يعد للشعر معجم خاص ينتقي منه الشاعر مفردات الرهافة والشفافية والسحر والنبر الموسيقي، كما فعلت القصيدة الرومانسية؛ بل صارت كل مفردة تمتلك المرونة للتموضع في بنيان مبنى ومعنى الشعر الحداثي الجديد.

لم يعد الشاعر معزولاً داخل دائرته أو لغته أو قوميته؛ بل فتحت قصيدة النثر نوافذها لرياح التلاقح والتثاقف، فلم تعد للقصيدة حدود ومعوقات ذاتية تحول دون عولمتها وعالميتها. وصار الشاعر متفاعلاً مع أحداث ومتغيرات الكوكب، وساهمت التكنولوجيا المعاصرة والزمن الرقمي في انتشار الشعر بعد كسر الأيديولوجيا والقيود الذاتية الكلاسيكية والخصوصية. وتم كسر التابوهات والممنوعات في سياق إنساني تحرري، وعبرت «النثيرة» حدود اللغة وقواعدها الذاتية إلى رحاب الفضاء العالمي الواسع. وهذا ما يلومها عليه خصومها، من أنها لا فرق بينها وبين القصائد المترجمة، وهذا يُحسب لها وليس عليها، كما أزعم.

ينظر البعض بشوفينية، زاعمين أن العرب أشعر الأمم، وهذا غير صحيح؛ فالشعر البديع في كل الأمم، والشعر الرديء في كل الأمم، وكل أمة تعتز بشعرها وإسهاماتها في ترميم بيت الشعر الإنساني.

الديوان يتأبط شعراً؛ فبعض القصائد تتراوح بين نسق التعاقب السطري العادي، ويصطدم المتلقي بصور شعرية قوية. وفي بعض القصائد تُختتم النصوص بصورة وفكرة وشعر قوي، وفي بعضها تكون البداية قوية، وفي بعضها، من أول سطر حتى النقطة الأخيرة، وهي تتدفق شعراً. وهكذا طبيعة القصائد عند معظم الشعراء، لذا تظل لحظة الخلق الشعري لحظة غامضة، عبر غموض مجيء المفردات وتموضعها دون تخطيط مسبق.

من الملاحظ أن المعايير تفككت، والثورة التكنولوجية خلقت فوضى، وشبكات التواصل خلقت لوبيات وتداخل الغث مع السمين، وكأن الذائقة الأدبية قررت الانتحار؛ حيث انتشر «اللاشعر» باسم الشعر، وانزوى الشعر تاركاً مساحته «للاشعر»، وأصبح كل من هب ودب شاعراً وناقداً، وله حاشيات ولوبيات، ودخلنا فعلاً مرحلة التفاهة في كل شيء.

ورغم كل ذلك، فالشاعر فخر العزب شاعر أصيل وحقيقي، يكتب بمصداقية والتزام، ويحترم ذاته وشعره وجمهوره، ولا يفرض نفسه بقوة الهرطقات أو الإعلام والشللية المقيتة؛ بل يكتب بتروٍّ وصدق وإخلاص وحب وتفانٍ.

فخر العزب إنسان حساس، دمث الأخلاق، لا يخاصم ولا يتخلى عن مبادئه، هادئ، وقارئ، ويحب الشعر، ومارس السياسة بتهذيب وأخلاق، وهذا ينعكس من خلال شعره وكتاباته وصفحته الفيسبوكية.

دمرت الحرب نفسية الناس وتواصلهم وعلاقاتهم، وقضت على الصحف والمجلات والكتب الورقية، وجففت ينابيع الإبداع، وأزهقت أرواح القصائد والدواوين، وتراجع الشعر نسبياً، وخصوصاً جماهيرياً وانتشاراً، وتلاشت الصباحيات والأمسيات الشعرية.

لست مع النقد المقيد في تناول الشعر الحر؛ فنحن بحاجة إلى نقد حر كي يتعامل مع الشعر الحر، وتتجلى حرية النقد في التعامل مع النص الشعري كيف يشاء؛ لأن النص الشعري بعد نشره يصبح ملكية عامة، وكل يقرأه بطريقته. فالتركيز على أخطاء النحو والإملاء لا يعد نقداً البتة، كما يتسم به دعاة الكلاسيكية الصارمة والنقد المتحفي المحنط.

حرية الإبداع الشعري تعقبها حرية النقد والقراءة بشتى الرؤى، ولن يكون النقد الحر فوضى، بل يتأطر بالكشف الرؤيوي وسعة العوالم التي يكشفها النقد في حياة الشعر أو الديوان أو المسيرة الشعرية للشاعر. فالنقد الحر لا يحمل النص ما لا يطيق، ولا يقحم خارج النص على داخله؛ بل ينطلق من داخل النص صوب خارجه. والنقد الحر ليس قطيعة مع إرث النقد، بل انبجاس جدلي من تراكمات مسيرة النقد، استناداً إلى مبدأ الحذف والإضافة النوعية. والحذف هنا لا يعني الموت والفناء، بل العزل لأجل الضرورة، والاكتفاء بأنوار المعالم النقدية للولوج إلى عالم النص الشعري بأدوات حديثة لا تكبل الناقد كما يفعل النقد «السلفي» الكلاسيكي.

رتب الشاعر فخر العزب ديوانه حسب الأبواب، وكل باب تعلقت به مجموعة من القصائد ذات الفكرة والمغزى الذي يحمله عنوان الباب:

• ثمة اتكاء على نصوص وقصص قرآنية.
• ثمة استخدام لمفردات عامية.
• يوجد استخدام لمصطلحات علمية وتقنية تشبه استخدام الشعر المتافيزيقي الإنجليزي لمفردات العلم والفلك والقانون.
• ثمة اتكاء على السيكولوجية في بعض المضامين وكثير من القصائد.
• ثمة إشارات للحرب والفاقة والقمع البوليسي والأمراض النفسية وبراءة الطفولة.
• ثمة اتكاء على بُعد التفكير التباعدي في الأخيّلة والتصوير، وهذه من سمات الإبداع.
• ثمة حياة مفصلة بأشيائها البسيطة، بأسئلتها اليومية، لشاعر مكتئب في نهاية الثامنة والثلاثين من عمره، كما يشير في إحدى قصائده.

يتكون الديوان من ستة أبواب، كل باب تصطف تحت يافطته قصائد تنتمي لفكرة الباب، وفيه ينجلي الصراع والحرب والعدمية والاغتراب في مجتمع لا يعير الشعر اهتماماً، ولا يهتم برقي الروح، ويخضع كل شيء لقانون السوق في حياة مثقلة بالمعاناة، حتى الموت لا يرحم الإنسان؛ فالقبور مرتفعة الأسعار، ويداس الفرد تحت وطأة «دولة الأحذية»، حيث الاستغلال كقهر وجودي مرعب. وفي الديوان ثنائيات متضادة تشكل التركيب البنيوي للقصائد والصور الشعرية. وتلوح تركيبات لغوية غير مألوفة، ابتداءً بعنوان الديوان، وبروز العبث والتفكك والسيرة الذاتية والتهكم في إشارة للعدمية والسلبية، وبروز العبث كأهم ثيمات الديوان المنعكسة من وضع غير طبيعي، وبروز السخرية والتهكم والتضاد النفسي والاكتئاب المزمن كحيل دفاعية لكاتب في لحظة وجودية عفنة وعبثية موجعة.

إن الديوان شهادة شعرية على الانكسار الذاتي والجماعي في لحظة الحرب والجوع والفقر والخواء.

في ختام هذه القراءة، لا بد من الإشارة إلى أن ثمة مشكلة لدى كتاب قصيدة النثر، وهي الإفراط في التفاصيل الذي يجعل الجملة الشعرية تقع في فخ الحشو اللغوي؛ مع أن الشعر يرمز ويومض، والاعتناء بالصورة الشعرية مثل الاعتناء بالزرع؛ حيث ينبغي إزالة كل الأعشاب الضارة المحيطة به.

على العموم، الرحلة في ديوان فخر العزب تدل على تجربة متميزة لا تكتمل إلا بالاطلاع على كامل تجربته، من خلال تتبع تطورها منذ البدء حتى التو.

الشاعر فخر العزب

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img