آخر الأخبار

spot_img

الحوثيون يوسعون المعركة فيما تعيد السعودية ترتيب خياراتها

“صحيفة الثوري” – (رأي):

علاء توفيق

لا تبدو السعودية في وضع يسمح لها بفتح حرب واسعة جديدة مع الحوثيين في الوقت الحالي. إغلاق مضيق هرمز وتراجع حركة الشحن عبره، بالتزامن مع تهديد الملاحة في البحر الأحمر، وضع الاقتصاد السعودي والخليجي أمام ضغط مزدوج على صادرات الطاقة وسلاسل الإمداد. وتُظهر بيانات الشحن أن حركة السفن في هرمز انخفضت بشدة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فيما أعلنت إيران استمرار القيود على الممر. وفي المقابل، أعلنت أرامكو أن اضطراب طرق التصدير منذ بداية الحرب أدى إلى فقدان أكثر من 2.6 مليار برميل من إمدادات السوق العالمية.

وتزداد حساسية الموقف السعودي بسبب اعتماد المملكة على الساحل الغربي كمسار بديل لتصدير النفط بعد اضطراب مضيق هرمز. وينقل خط الشرق–الغرب النفط من حقول في شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ طاقته حالياً نحو 7 ملايين برميل يومياً. وقد رفعت أرامكو استخدام الخط إلى طاقته القصوى خلال الربع الأول من 2026 لتجاوز قيود الشحن في هرمز. ويعني استهداف منشآت ينبع أو تعطيل الملاحة في البحر الأحمر أن قدرة الرياض على استخدام هذا المسار البديل ستتراجع، ما يرفع كلفة إعادة توجيه الصادرات إلى الأسواق الآسيوية عبر مسارات بحرية أطول، أو الاعتماد على طاقات تصديرية بديلة محدودة. وبذلك، فإن إغلاق باب المندب لا يهدد الملاحة الدولية فقط، وإنما يضرب إحدى أهم أدوات السعودية لتجاوز إغلاق هرمز وتقليل خسائر صادرات النفط.

في هذه البيئة، يبدو أن الرياض تفضل احتواء التهديد الحوثي وتجنب الانجرار إلى حرب مباشرة واسعة، مع إبقاء الخيار العسكري مرتبطاً بتطورات الجبهة اليمنية وقدرة القوات الحكومية على تحمل الجزء الأكبر من المواجهة. وهذا يفسر أهمية التحالف البحري الذي أطلقته السعودية في أغسطس بمشاركة 13 دولة، بهدف حماية باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. ويوفر التحالف إطاراً للدفاع البحري دون أن يعني تلقائياً قراراً سعودياً بالعودة إلى حرب برية واسعة في اليمن.

يبدو أن الحوثيين يحاولون استغلال هذه المساحة الزمنية قبل أن تكتمل أي ترتيبات عسكرية يمنية أو دولية ضدهم. واستهداف ميناء المخا يمثل مثالاً واضحاً على ذلك. فمنذ 9 أغسطس، تعرض الميناء لأكثر من 25 صاروخاً، وأدت الهجمات إلى مقتل عاملين في الميناء وتعليق النشاط التجاري والبحري، مع تقدير الخسائر الأولية بنحو 16 مليون دولار. ولا ترتبط أهمية المخا بالميناء نفسه فقط، وإنما بموقعه على بعد مسافة قصيرة من باب المندب، وبكونه إحدى نقاط الارتكاز الاقتصادية والعسكرية للقوات على ساحل تعز الغربي.

استهداف المخا يخدم الحوثيين في أكثر من اتجاه. فهو يضغط على القوات الحكومية والساحل الغربي، ويعطل أحد الموانئ الواقعة خارج سيطرتهم، ويبعث رسالة إلى السعودية بأن أي دعم عسكري أو لوجستي للقوات المناهضة لهم يمكن أن يعرّض البنية التحتية الساحلية للخطر. وفي الوقت نفسه، يضع التصعيد الحوثي الرياض أمام خيارين مكلفين؛ الدخول في مواجهة عسكرية في وقت تواجه فيه أصلاً تداعيات إغلاق هرمز، أو تأجيل المواجهة وقبول استمرار الضغط على حدودها ومصالحها البحرية.

ويبدو أن الهدف الحوثي هو تحقيق مكاسب قبل أي مواجهة أوسع، وليس بالضرورة السيطرة على المخا أو باب المندب عسكرياً في هذه المرحلة. ورفع كلفة الحرب على السعودية، وتعطيل الموانئ التابعة للحكومة، وإجبار مجلس القيادة الرئاسي والقوى المناهضة للحوثيين على إعادة حساباتها، يمكن أن يمنح الحوثيين أوراقاً أفضل في أي مفاوضات لاحقة. ويكتسب هذا التقدير أهمية مع استمرار استهداف السفن السعودية؛ ففي 24 أغسطس، أُصيبت ناقلة سعودية قرب ينبع، بعد أن كان الحوثيون قد أعلنوا في يوليو حصاراً بحرياً على السفن المرتبطة بالسعودية.

لكن التحول الأهم في الحسابات السعودية جاء عبر اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا وباكستان، الموقّع في 7 أغسطس. وينص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على أي من الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، ويهدف إلى تعزيز الردع والتعاون الدفاعي. مع ذلك، لا يعني النص التزاماً آلياً بإرسال قوات مباشرة؛ إذ أوضح وزير الخارجية التركي أن طبيعة الاستجابة ستعتمد على ظروف الهجوم وطلب الدولة المتضررة، وقد تتراوح بين الاستخبارات والدعم اللوجستي والذخائر، وصولاً إلى نشر قوات.

وتزداد أهمية الاتفاق بالنسبة لليمن بسبب الوجود العسكري التركي في الصومال. فأنقرة لديها اتفاق دفاعي طويل الأمد مع مقديشو يتضمن بناء وتدريب وتجهيز البحرية الصومالية، كما واصلت في يوليو نشر سفن حربية تركية قبالة الساحل الصومالي ضمن مجموعة بحرية لحماية عملياتها هناك. وهذا يمنح تركيا حضوراً بحرياً قائماً أصلاً على الضفة الأفريقية لخليج عدن، في منطقة تلتقي فيها المصالح السعودية والتركية والباكستانية مع أمن باب المندب.

بالنسبة لليمن، تتجمع هذه التطورات حول معادلة واحدة؛ الحوثيون يحاولون تحويل البحر الأحمر إلى جبهة ضغط على السعودية قبل انتقال الصراع إلى مرحلة عسكرية أوسع، بينما تحاول الرياض بناء أدوات ردع وحماية للملاحة دون تحمل كلفة حرب شاملة في الوقت نفسه. ويوفر التحالف البحري السعودي مظلة إقليمية لحماية الممر، ويوسع اتفاق مكة شبكة الردع إلى تركيا وباكستان، فيما يضيف الوجود التركي في الصومال بعداً عسكرياً إلى الضفة الأفريقية لخليج عدن.

إذا استمر الحوثيون في استهداف المخا والموانئ والسفن السعودية، فقد يصبح تأجيل المواجهة أكثر كلفة بالنسبة للرياض، لكنه لا يعني بالضرورة أن السعودية ستبدأ الحرب مباشرة. والأرجح أن المرحلة الحالية ستبقى قائمة على الضغط والردع وتوسيع الشراكات، مع ترك القوات الحكومية اليمنية في موقع متقدم لأي مواجهة برية محتملة. وبالنسبة للحوثيين، تمثل هذه الفترة فرصة لرفع كلفة الحرب على خصومهم؛ وبالنسبة للسعودية، هي محاولة لكسب الوقت وبناء شبكة أمنية أوسع قبل اتخاذ قرار عسكري لا يمكن فصل نتائجه عن حرب هرمز وأمن البحر الأحمر.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img