“صحيفة الثوري” – (تحليل):
علاء توفيق
من الصعب قراءة الوضع الأمني في غرب محافظة تعز؛ من دون التوقف عند مديرية مقبنة. فموقعها في منتصف مساحة جغرافية تتحرك فيها الطرق والأفراد والسلع بين الساحل والمرتفعات. وهذا الموقع هو الذي يعطيها أهميتها الحالية، سواء في الحسابات العسكرية أو في قضايا التهريب وحركة السلاح أو في علاقة تعز بمحيطها في الحديدة وإب.
تقع مقبنة في الجزء الغربي من محافظة تعز، وتجاور من الشمال حيس وجبل رأس في محافظة الحديدة وفرع العدين في محافظة إب، ومن الشرق مديريات التعزية وشرعب وجبل حبشي، ومن الجنوب المعافر والوازعية، ومن الغرب المخا وموزع. هذا التداخل يجعل حدود المديرية مفتوحة على أكثر من اتجاه، ويضعها ضمن نطاق يلتقي فيه المجال الساحلي مع الطرق المؤدية إلى المرتفعات الداخلية.
أهمية الموقع لا تأتي من وجود طريق واحد يمر عبر المديرية، وإنما من تعدد طرق الحركة وتداخلها. فالطرق القادمة من اتجاه المخا وموزع والبرح تتصل بطرق داخلية في مقبنة، فيما يرتبط شمال المديرية بحيس وجبل رأس، وتمتد الحركة شرقاً باتجاه فرع العدين. وتوجد إلى جانب الطرق الرئيسية طرق فرعية وجبلية تستخدمها حركة السكان والنقل، (ويصعب التعامل معها بالطريقة نفسها التي يمكن بها ضبط طريق رئيسي واضح ومحدد).
هذه النقطة مهمة عند النظر إلى الأمن في مقبنة. فالمديرية تقع بين نطاقين مختلفين من حيث التضاريس وطبيعة الحركة. من جهة، هناك ساحل تعز الغربي وموانئه ومراكزه، وفي مقدمتها المخا. ومن جهة أخرى، هناك المرتفعات الداخلية لمحافظات تعز وإب والحديدة. وبين الطرفين تتحرك البضائع والأشخاص، والتهريب والسلاح وتتحرك معها أنشطة مشروعة وأخرى غير مشروعة. لذلك فإن أي فراغ أمني في مقبنة يمكن أن تكون له آثار مباشرة على إب والحديدة.
وتظهر هذه المسألة بصورة أوضح في العلاقة مع المخا وموزع. فالمخا ليست بعيدة عن مقبنة من الناحية الجغرافية، وموزع تشكل معها امتداداً برياً داخل غرب تعز. ومع استمرار أهمية الساحل الغربي عسكرياً واقتصادياً، أصبحت الطرق التي تربط الساحل ببقية المناطق جزءاً من الحسابات الأمنية المحلية. لا يتعلق الأمر بالسيطرة على الطريق الرئيسي فقط، وإنما بقدرة تأمين مسارات الحركة بين المراكز والطرق الفرعية والمناطق الجبلية.
في المقابل، يفتح شمال مقبنة باتجاه حيس وجبل رأس. وهذه المنطقة لها أهمية مختلفة لأنها تمثل أحد الممرات الجغرافية بين جنوب الحديدة وغرب تعز. كما أن جبل رأس يرتبط من جهاته الجنوبية والشرقية بمقبنة وفرع العدين وحزم العدين، فيما يمتد شمالاً باتجاه وصاب السافل التابعة لمحافظة ذمار إدارياً. وبذلك تتصل مناطق الحديدة وتعز وإب وذمار عبر نطاق جغرافي متداخل لا تتوقف الحركة فيه عند الحدود الإدارية.
بالنسبة إلى أبناء مقبنة، هذا التداخل ليس جديداً. حركة الناس بين مناطق تعز والحديدة وإب، والارتباطات الاجتماعية والتجارية بين القرى والمديريات، سبقت الوضع العسكري الحالي. لكن الحرب أعادت تعريف هذه الجغرافيا من منظور أمني. الطرق التي كانت تستخدم للنقل المحلي أصبحت ذات قيمة في حركة القوات والإمدادات، والطرق الفرعية التي كانت تستخدم للوصول إلى القرى أصبحت ذات أهمية عند محاولة تجاوز نقاط التفتيش أو نقل وتهريب البضائع من الطرق الرئيسية.
لهذا السبب تمثل مقبنة منطقة مهمة في ملف التهريب، بالإضافة إلى وجود مسارات فرعية تستخدم لتجاوز نقاط التفتيش على الطرق الرئيسية، مع ارتباطات باتجاه الرمادة ومفرق المخا والعدين. ولا يعني ذلك أن كل حركة عبر هذه المسارات مرتبطة بالتهريب، لكن تعددها يجعل الرقابة على الحركة أكثر صعوبة ويمنح شبكات التهريب خيارات متعددة عند تشديد التفتيش على طريق معين.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يرتبط التهريب بالسلاح أو الذخائر أو الأموال والبضائع. في هذه الحالة لا يعود الأمر متعلقاً بجرائم اقتصادية محلية، وإنما يصبح جزءاً من مشكلة أمنية أوسع. موقع مقبنة بين الساحل والسهول والمرتفعات يجعلها إحدى المناطق التي يجب أن تدخل في أي تقييم لمسارات انتقال المواد المحظورة من المناطق الساحلية باتجاه المحافظات .
لكن التعامل مع هذا الملف من خلال الانتشار العسكري وحده لن يكون كافياً. طبيعة مقبنة لا تسمح بإغلاق كل الطرق بالقوة، كما أن الاعتماد على نقاط التفتيش في الطرق الرئيسية يدفع الحركة غير القانونية إلى البحث عن طرق بديلة. العامل الحاسم هنا هو معرفة الحركة داخل المنطقة، وتحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية، وربط المعلومات بين مقبنة والمناطق المحيطة بها، خصوصاً المخا وموزع وحيس وجبل رأس وفرع العدين والتعزية وشرعب وجبل حبشي والوازعية، لكن هذا اصبح غير ممكن بفضل الحرب وسيطرة الأطراف .
وتتصل الأهمية العسكرية لمقبنة بموقعها خلف نطاق الساحل. فقد جعلت العمليات العسكرية في حيس وجبل رأس والمناطق المحيطة بها من غرب تعز منطقة مرتبطة بصورة مباشرة بتطورات الجبهة الساحلية. وكلما تغيرت خطوط السيطرة أو ارتفع مستوى التصعيد في الساحل، ارتفعت أهمية الطرق المؤدية إلى مقبنة ومنها إلى عمق تعز.
ولا ينبغي المبالغة في هذه الأهمية. مقبنة ليست بديلاً عن المخا، ولا تتحكم وحدها في حيس أو في ساحل تعز الغربي. أهميتها العسكرية تأتي من كونها جزءاً من العمق الجغرافي لهذه المناطق. ومن يسيطر على هذا العمق يستطيع التأثير في حركة الأفراد والإمدادات بين الساحل والمناطق الأخرى.
وتزيد التضاريس من هذه الأهمية. فمقبنة ليست منطقة مفتوحة ذات طبيعة واحدة، وإنما تضم مناطق جبلية وودياناً وطرقاً تتفرع بين العزل والقرى. وهذا الوضع يفرض نمطاً أمنياً وعسكرياً مختلفاً عن المناطق التي تتركز فيها الحركة على محور رئيسي. السيطرة على مركز المديرية أو تأمين طريق واحد لا تعني بالضرورة السيطرة على كامل المجال الجغرافي.
وتظهر المشكلة نفسها في حال النظر إلى مقبنة من زاوية محافظة تعز. فالمديرية تمثل أحد منافذ المحافظة باتجاه الحديدة والساحل، وفي الوقت نفسه ترتبط شرقاً وشمالاً بمناطق تصل إلى إب. وبالتالي فإن وضعها الأمني يؤثر على الاتصال بين غرب تعز وداخل المحافظة، كما يؤثر على طبيعة العلاقة البرية بين تعز والمناطق الساحلية.
وهنا تكمن القيمة الجيوسياسية لمقبنة. المديرية تقع عند تقاطع ثلاثة مجالات: تعز، و الحديدة، وإب. ولا يمكن فهم هذا الالتقاء من خلال الخرائط الإدارية وحدها. الطرق القديمة، وحركة السكان، والأسواق، ومصادر الدخل، ومسارات النقل، كلها جعلت المنطقة مترابطة قبل الحرب، ثم جاءت التطورات العسكرية لتضيف إلى هذا الترابط بعداً أمنياً مباشراً.
يمتد هذا الترابط من المخا وموزع إلى مقبنة، ثم شمالاً نحو حيس وجبل رأس، وشرقاً نحو العدين، مع امتدادات باتجاه حزم العدين ووصاب. وهذه ليست جبهة واحدة ولا خط تماس واحد، وإنما مساحة تتحرك داخلها أطراف متعددة وفق ظروف الأمن والسيطرة على الأرض.
وهذا يتطلب ربط الوضع الأمني في مقبنة بالمناطق التي تتصل بها مباشرة. ما يحدث في حيس وجبل رأس له أثر على مقبنة، وما يحدث في المخا وموزع يمكن أن يغير طبيعة الحركة فيها، وما يحدث في فرع العدين والعدين يمكن أن يفتح أو يغلق مسارات باتجاه إب. هذه العلاقة المتبادلة تجعل التنسيق بين المديريات والمحافظات من منظور عسكري مسألة عملية وليست ترتيباً إدارياً.
كما أن البعد المحلي مهم في هذه المعادلة. أبناء مقبنة يعرفون الطرق والعزل أكثر من أي جهة تأتي من خارج المنطقة. وفي المناطق الريفية والجبلية، تمثل المعرفة المحلية عاملاً أساسياً في فهم حركة الأشخاص والمركبات وتحديد المسارات التي يمكن أن تستخدم بعيداً عن الطرق المعروفة. لذلك فإن أي ترتيبات أمنية لا تستفيد من المعرفة المحلية ستظل محدودة القدرة على مراقبة المجال الحقيقي للمديرية.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي اختزال سكان المنطقة في البعد الأمني. مقبنة منطقة سكانية واسعة، والحركة عبر طرقها مرتبطة بحياة الناس اليومية وبالأسواق والنقل والوصول إلى الخدمات. لذلك فإن تشديد الرقابة على الحركة يحتاج إلى تمييز واضح بين الحركة المدنية الطبيعية والحركة المرتبطة بالتهريب أو النشاط المسلح، حتى لا تتحول الإجراءات الأمنية إلى عبء إضافي على السكان.
المسألة بالنسبة إلى محافظة تعز تتجاوز أمن مقبنة نفسها. فاستقرار المديرية يساعد على إبقاء الطريق بين غرب المحافظة وداخلها مفتوحاً ومستقراً، ويحد من استخدام المنطقة في نقل الأسلحة والمواد المهربة، ويصعب على الجماعات المسلحة أو شبكات الجريمة المنظمة الاستفادة من الطرق التي تربط الساحل بالمرتفعات.
أما في حال تراجع السيطرة الأمنية، فإن التأثير المحتمل لا يتوقف عند مقبنة. يمكن أن تمتد آثاره إلى موزع والمخا وحيس وجبل رأس وفرع العدين، بحسب طبيعة الشبكة التي تستغل الوضع. ولهذا فإن أهمية المديرية ترتفع في أوقات التصعيد العسكري أو اضطراب خطوط الحركة، وتنخفض نسبياً عندما تكون الطرق خاضعة لرقابة مستقرة وتكون العلاقات الأمنية بين المديريات أكثر انتظاماً.
مقبنة ليست نقطة عسكرية منفردة ولا منطقة هامشية في غرب تعز. هي جزء من مساحة تربط الساحل بالمناطق الأخرى، وتربط تعز بالحديدة وإب. أهميتها العسكرية مرتبطة بالعمق والحركة والإمداد، وأهميتها الأمنية مرتبطة بالطرق والمسالك والتهريب، وأهميتها الجيوسياسية مرتبطة بموقعها بين ثلاث محافظات وبالقرب من نطاق الساحل الغربي.
ومن واقع معرفة المنطقة ومسالكها وترابطها الاجتماعي والجغرافي، فإن التعامل مع مقبنة كملف محلي محدود لا يعكس طبيعتها الفعلية. المديرية جزء من منظومة تمتد من المخا وموزع إلى حيس وجبل رأس، ثم إلى فرع العدين والعدين وحزم العدين ووصاب، وترتبط في اتجاه آخر بعمق محافظة تعز. وأي قراءة أمنية لغرب تعز تتجاهل هذا الامتداد ستبقى ناقصة، لأن حركة السلاح والتهريب والقوات لا تتوقف عند حدود المديرية، كما أن حركة السكان والتجارة والطرق لا تتوقف عندها.

