آخر الأخبار

spot_img

شعر المقالح من وجهة نظر بيئية.. الحبُ أن نحيا لا أن نموت

صحيفة الثوري – ثقافة

د. نورالدين عقيل عثمان – (منصة امتداد)

انشغل الشاعر عبد العزيز المقالح في نصوصه الباكرة بكثير من القضايا السياسية والتاريخية والجمالية، فاستدعى العديد من الرموز في التاريخ اليمني، وأعاد توظيف أدوارها في خطاب تبشيري وجمالي باليمن الجديد. وحضرت في انشغالاته أيضاً العديد من المفردات المتصلة بالبيئة والطبيعة في بنية النصوص ودلالاتها. ونحاول في هذا التتبع رصد بعض تجليات الحالة البيئية في بعض قصائده الموزعة على دواوينه : “لا بد من صنعاء”، و”رسالة إلى سيف بن ذي يزن”، التي صدرت مطلع سبعينيات القرن الماضي (الأول صدر في 1970، والثاني في 1972).
لكن قبل ذلك سنحاول معرفة ماهية الشعر عند المقالح كسؤال وظيفي قبل أن يكون جمالياً، وهو سؤال حيّر الكثيرين، وشل قدرتهم على الإجابة عنه أو تعريفه بشكل دقيق. ففي إحدى المقابلات للدكتور عبد العزيز المقالح يقول: “إن الشعر رؤى لعالم جديد، ومحاولة للنفاذ خلال الحلم، مما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون” (مجلة الجيش، العدد 69، ديسمبر 1975).

وفي مقدمة ديوانه الأول “لا بد من صنعاء” – الدار الحديثة للطباعة والنشر، تعز، 1970 – يقول: “إن الشعر كالتصوير، كالموسيقى، ليس ترفاً ذهنياً، ولا ثياباً بلاغية يرتديها الحكام والممدوحون بمناسبة وبلا مناسبة، وإنما هو: صوت ضمير الشعب والشاعر، والصورة الداخلية لأعماق الإنسان والفنان معاً”
الشعر صوت الحزن النابت.

أما في مقدمته لديوان “مأرب يتكلم”، فنجده يقول: “بأن الشعر فن من الفنون الجميلة كالموسيقى والرسم والنحت”. وعندما نأتي على ديوانه الثالث “رسالة إلى سيف بن ذي يزن”، فنجده يقول: “فقد بدا لي الشعر وكأنه صوت الحزن النابت في ضلوع البشر، فكانت قصائده صدى لذلك الصوت الغائر في الأعماق، والصلاة اليومية التي نؤديها في بيوتنا فرادى وجماعات، والوجبة التي لا تنقطع ولا تتأخر. ومن خلال سيف بن ذي يزن – الرمز القناع – قدمت في هذا الديوان أطيافًا من حزن جيلنا”.

عُرف عن الشعراء بأنهم أولئك الطليعة الواعية من أبناء الشعب القادرة على تلمس مشاكله التي يعانيها، والشعور بها، ومن ثم صياغتها بقالب شعري بديع، يصل إلى المسامع، وينفذ إلى البصيرة، ليجد استجابة لدى السامعين، وذلك حتى يظهروا هذه المشكلة أو القضية، ويعلنوها للملأ، ليتم تلافيها والعمل على حلها، سواء كانت هذه القضية سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم بيئية.

ولو أننا نجد في شعر المقالح أن الطابع الذي يغلب عليه هو الطابع الثوري السياسي الملتزم، إلا أن جواهره (قصائده) لا تخلو من معالجة الكثير من المشاكل، بما فيها مشاكل البيئة.

فمثلًا نجده في قصيدته “أحلام” المنشورة في مجموعته “لا بد من صنعاء” يقول لنا بأنه حلم بعالم جديد…
ليس به نقود
لا ظل للقيود
أسواره الأزهار والشجر
وأغنيات العطر والنهر
تنمو على جباله الألحان.

هكذا يريد شاعرنا العلاقة بيننا وبين الطبيعة، وهكذا يريدنا أن نحافظ على الطبيعة بأزهارها وشجرها ونهرها وثمرها وألحانها.
في هذا البيت من قصيدته الوزنية “لا بد من صنعاء”، في الديوان الذي حمل ذات اسم القصيدة:

ولكم رقصنا في ليالي بؤسنا رقص الطيور تخلعت عنها الشجر
فلقد شبه الحرمان والبؤس الذي عشنا لياليه، والجرح الكبير الذي عانينا منه، بصورة رائعة من التشبيه، بل بصورة حية قادرة على نقل المعنى نقلًاً تاماً، وقد أدرك أن أروع تشبيه هو بالعودة إلى البيئة، وهنا يكمن أيضاً لفت الاهتمام عند القراء للبيئة ومكوناتها وجمالها.

فها هو طائر بدون شجر، ماذا نتوقع منه سوى الوجل والحزن، إن جاز لنا التعبير. فالطيور لا تغني إلا بوجود الشجر، ولا يصدح البلبل إلا من على الشجرة، فالطائر والشجرة من مكونات البيئة الطبيعية، وفي حالة فقد أحدهما نجد اختلال هذا التناسق والاتزان والانسجام، وبالتالي قد حدث إخلال في التوازن البيئي، سواء في دورة النيتروجين أو ثاني أكسيد الكربون، والذي يكون للشجرة دورها المعروف في ذلك.

في قصيدته “الأبطال والسبعون”، في ذات الديوان، يلتحم بحلم الأبطال الذين دافعوا عن صنعاء حتى لا تسقط في أيدي الملكيين، كتب يقول:

وددت لو كنت الطريق
يعبرون فوقه إلى الجبل
لو كنت صخرة تحمي صدورهم
من الأعداء
لو كنت لقمة
أو شربة من ماء
لو كنت غيمة تمر فوقهم
أو قطرة من طل.
أو كنت واحدًا منهم أموت
أو أقتل.

هكذا نجده يؤمن بأن الصخرة واللقمة والماء والغيمة وقطرة الطل والطريق (وكلها من مكونات البيئة الطبيعية لا المشيَّدة) لها فعلها الساحر وتأثيرها الكبير في النصر على الأعداء. وهو هنا لا يهمل موقف الإنسان، فهؤلاء الأبطال هم:

من زرعوا الشمس على سمائنا
وثبتوا النجوم والأقمار
وثبتوا النهار
على طريق (أيلول) العظيم
أسعلوا الشباب
أحرقوا الأعمار
صدوا جحافل القديم.
أوقفوا مسير العار.
فكانت الأعمدة النبيلة البيضاء.
وكانت السبعون.
أشرف أيام الخلود في ديارنا الخضراء.
أخصب ما جادت به القرون.
أنصع مولود لأرضنا الحنون.
لأمنا صنعاء.

ونلاحظ في المقطع السابق بأنه يقرن ديارنا بالخضرة، وهي وإن لم تكن خضراء، فإنه هنا ينبهنا إلى ضرورة أن نعمل في سبيل زراعتها واخضرارها، كما أننا نجده يستعير ألفاظًا من البيئة، مثل: أخصب، لأمنا صنعاء… إلخ.

ندية بين الإنسان والطبيعة

أما في قصيدته “مقتطفات من خطاب نوح بعد الطوفان”، في ذات الديوان، فإننا نجده على لسان نوح يلوم من لم يهتموا بما طرحه من تحذيرات، ولم يحسبوا للكوارث الطبيعية أي حساب. فهو في هذه القصيدة يطرح الندية بين الإنسان والطبيعة، فالطبيعة بكوارثها والإنسان بعقله وعلمه يقفان موقف الند للند، ويطلب من قومه أن يهتموا بالطبيعة وبالأرض، وبقدر هذا الاهتمام يكون حذرهم منها، فلا يأمنوا غوائلها وشرها. فبدأ القصيدة باللوم على قومه:

قلت لكم من قبل أن يثور ماء البحر
قبل أن تعربد الأمواج
وقبل أن يغيب وجه الأرض
قلت الداء والعلاج.

لكنهم لم يسمعوه، فصنع السفينة (الرمز) للاحتياطات التي يمكن أن يحتاطها الإنسان من كوارث الطبيعة، وقربها إلى قومه مشفقاً عليهم، لكنهم رفضوا هذا التحذير، واعتقدوا بأنهم أقوى من أن يصابوا من الطبيعة بشيء، وأنهم هم وحدهم القادرون على إنزال المصائب بالطبيعة.

وحدثت المأساة، ووقع الجميع في قبضة الإعصار، واختفت البيوت والأشجار، وغمرت المياه المدينة والمدائن والمآذن، وغاب وجه الأرض والسماء.

وفي قصيدة بعنوان “تحت قنديل أم هاشم”، في ذات الديوان، وجدنا الشاعر يستخدم (لعل) للتعبير عن أمله ومبتغاه وما يريد، فدعونا نرى ماذا يريد:

فلعل الفجر يعود
وأغاني الخصب تعود
ولعل رعود
تدوي في الأفق، يهل مطر
ومن الصحراء يطل ثمر
ويرف زهر.
ويهز جدار الليل قدر.

ما أروعها من آمال، ما أعظمها من غاية ومآرب، فهاهو شاعرنا يقول ربما يعود الفجر لتعود معه أغاني الخصب. وربما ذلك الرعد يعود ويدوي في الأفق، ليبشرنا بنزول المطر، وزراعة الأراضي القاحلة، واستصلاح الأراضي غير القابلة للزراعة، ويطل ثمر، ويرف زهر.

أما في قصيدته “رسالة إلى عمرو بن مزيقيا”، في ذات الديوان، فهو يعاتبه ويعاتب أولاده الذين اهتموا بأنفسهم فقط؛ بل ويعاتب كل من هاجر من مأرب بعد انفجار السد عتابًا غاضبًا، فيقول برسالته:

أيترك في غضبة الموج رب السفين
السفينة؟
أيترك أطفاله والدٌ ساعة الموت
في لحظات الخطر؟
أتقبل أن تترك الأرض يا (عمرو)؟
تهجر عطر المدينة
ودار الطفولة
أترضى وأنت الذي طمحت
خيل أجداده لاحتلال القمر؟
وكانوا غناء البطولة
وعطر الرجولة.
أترضى لـ(فأر) صغير
بأن يتحداك،
أن يهزم (السبئي) الشهير؟

وهنا نجد أن هذا الفأر الصغير، وهو من مكونات البيئة، يتحدى ويهزم السبئي الشهير، هذا الإنسان والعقل والعلم والعمل.
فلتكن عودة السد رمزاً لوعي حضاري، وليكن هذا السد عطر اليمن وبترولها وذهبها. ولتقم حوله الحدائق، حتى تعود الأرض حوله كما وصفها المؤرخون.

طائر ألقته الرياح العاتية

وفي قصيدة أخرى من قصائد الديوان، وهي قصيدة “شجن”، يصور لنا بها فعل الطبيعة السلبي والإيجابي على الإنسان، فيمثل نفسه كطائر ألقته الرياح إلى العراء، في ليلة مظلمة ممطرة، لا تسمع الرياح صوته ولا الشجر، تمد له يدًا رحمة به.

وهو يبحث عن مرفأ يأوي إليه قبل أن يأتي الشتاء، فيدوس الزهر والربيع. وأنه بهذا التصوير للطبيعة يمثل انعكاس الطبيعة على نفسية الإنسان، فإن كانت جرداء قاحلة فإنها تؤدي إلى القلق والتوتر، وإن كانت جميلة فإنها تؤدي إلى الطمأنينة والراحة النفسية.

ويستمر في وصف الطبيعة وبعض مكوناتها، مبرزًا الجانب الجمالي فيها، سواء كانت هذه المكونات جمادًا، أو حيوانًا، أو نباتًا، أو حشرات، فيقول:

أغمضت عيني كنت في يدي
وكانت الأرض معي،
وكانت الأنهار
والشمس والأقمار
تغسلني من الداخل.

ويستمر إلى أن يقول:

وكانت الفراشات تزيّن الحقول
والجبال
الزهر لم يكن حزينًا
والطريق لم تكن حزينة ولا التلال
ولم تكن دميمة وجوه الليل
والرجال.

بالفعل لم تعد وجوه الرجال دميمة بوجود هذا الجمال في الحقول والجبال، وهذه الفراشات التي أحياناً ما يُنظر لها من الناحية الزراعية بأنها ضارة.
وفي رسائل الشاعر إلى سيف بن ذي يزن، في المجموعة التي حملت ذات الاسم، نجده في الرسالة الثالثة يتساءل متى يرى وجهه؟ ويليها التغني بالبيئة، فيقول:

متى نرى وجهك يا (ابن ذي يزن)؟
أنهش في انتظارك القيود
أطيل في طريقك الصلاة… والسجود
أقبل التراب
والأحجار والدّمن
أقبل اليمن،
أزرع في جبالها زهور الأمل البيضاء
أكتب في سهولها قصيدة المحبة الخضراء
أرسم في الشواطئ الحزينة الرمال
على الفضاء عند خط الأفق البعيد
مدينة ساحرة الأضواء.

هكذا سيعمل بالطبيعة، ويتفنن بتجميلها في حالة عودة سيف، رمز تحرير اليمن ورمز الحضارة. وفجأة تتحول الصورة حين تعود القيود، ولم يعد سيف بن ذي يزن، فيقول:

وحين تصهل القيود
تموت حولي كالعصافير العجيبة الألوان
تطير، تهرب الأحلام
يفر من عيني ويبكي خلفها المنام
أصرخ في الظلام.

ويستعجل عودة سيف ويشكو له الحالة التي وصلنا إليها.

وأحب أن أشير هنا أيضًا إلى قصيدة “أخت ميدوزا”، حيث يوضح ما سبق أن ذكرناه، فها هو يشكو فيقول:

بالأمس كنت إنساناً
ما معنى الإنسان؟ دعونا نرى المقالح، حيث يقوم بالشطر الثاني مباشرة بتحديده، وبالتالي بما يليه من أبيات، فلنرَ ماذا يقول:
أخاف الليل،
أعشق الشمس،
أهيم بالمطر
عيناي كانت بحيرتي حزن
غسلت فيهما وجوه الناس
والشجر،
حتى القمر.

الحب أن نحيا لا أن نموت

هذا هو الإنسان الذي من صفاته أنه يخاف الكوارث الطبيعية ويعمل لها حسابها. ويعشق مكونات البيئة، بل ويهيم بالمكونات الطبيعية، وبدموعه يغسل وجوه الناس والشجر والقمر، وكل مكون من مكونات هذه الطبيعة.

ولنأتي إلى تلخيص لوجهة نظر المقالح؛ ليس بحاجة إلى تعليق، سوى أن نقول: وختامه مسك، فهو واضح وناطق عن نفسه، وهو في ختام تلك القصيدة يقول:

الحب أن نحيا، وليس الحب أن تموت
أمطاره تذيع نفسها للزهر
للندى
للحجر الصموت
لنملة عاشقة
لسرب عنكبوت
أشجاره تعيش في الشمس،
وتهجر البيوت
أنغامه ترفض قاعة الرعب
وترفض السكوت.

الله، ما أروعه من حب، وما أروعها من فلسفة. أكتفي بهذا القدر، والله أسأل أن يكون قد وفقني إلى طرح ما أريد طرحه.


(*) يقترب عمر هذه المادة من أربعين عاماً، وهي مستخلصة من دراسة أوسع أُنجزت في مساق «فلسفة التربية البيئية» في العام الدراسي 1986–1987، حينما كان الكاتب طالب ماجستير في جامعة اليرموك الأردنية، واقتصرت القراءة على بعض نصوص ديواني “لا بد من صنعاء” و”رسالة إلى سيف بن ذي يزن»”، اللذين صدرا مطلع سبعينيات القرن الماضي.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img