صحيفة الثوري – ثقافة
أعدها للنشر: محمد عبد الرحمن – (أبو أمجد)
تُعد مجلة «الناصية» واحدة من التجارب الثقافية والفكرية اليمنية الحديثة التي سعت إلى إيجاد مساحة للحوار المعرفي، والبحث، والأدب، والفكر، وقضايا المجتمع، في ظل ظروف استثنائية تمر بها اليمن.
وهي مجلة فصلية تُعنى بقضايا الفكر والثقافة، تصدر عن مؤسسة أمجد الثقافية والحقوقية في عدن، وقد تأسست المجلة في عدن عام 2021، بينما صدر عددها الأول في أبريل 2022. ويرأس تحريرها الأستاذ الدكتور يحيى قاسم سهل، ويتولى محمد عبد الرحمن سيف إدارة التحرير.
أولًا: فكرة المجلة ورسالتها
منذ انطلاقتها، حاولت «الناصية» أن تتجاوز مفهوم المجلة الأدبية التقليدية، لتكون منبرًا أوسع للفكر والثقافة والبحث والنقاش حول القضايا اليمنية.
وتولي المجلة اهتمامًا خاصًا بقضايا المواطنة، والمدنية، وحقوق الإنسان، والسلام، والتسامح، والتعايش، وقبول الآخر، إلى جانب تشجيع الإبداع الأدبي والفكري والثقافي ونشر نتاجات الأدباء والكتاب والباحثين والمثقفين.
ومن هنا يمكن النظر إلى مشروع «الناصية» باعتباره محاولة للإسهام في بناء خطاب ثقافي يربط بين المعرفة وبين أسئلة المجتمع والدولة والإنسان.
ثانيًا: ولادة المجلة في ظروف صعبة
لم تكن ولادة «الناصية» سهلة؛ فقد واجه العدد الأول ظروفًا حالت دون وصوله إلى القراء في موعده. وكانت الطبعة الأولى قد طُبعت في صنعاء، ثم احتُجزت نسخها في مايو 2022، مما دفع هيئة التحرير إلى إصدار طبعة ثانية من العدد الأول في عدن.
وهذه الواقعة تكشف جانبًا من الصعوبات التي تواجه الصحافة الثقافية اليمنية، ولا سيما المجلات التي تحاول المحافظة على مساحة مستقلة للبحث والنقاش الثقافي والفكري.
ثالثًا: تنوع أبواب المجلة
تميزت «الناصية» منذ أعدادها الأولى بتنوع المواد المنشورة فيها، فلم تقتصر على لون واحد من الكتابة، بل جمعت بين:
- الدراسات والأبحاث الفكرية.
- المقالات الثقافية.
- الأدب والنقد.
- الشعر والقصة.
- قضايا المجتمع المدني.
- قضايا المواطنة والسلام.
- التاريخ والمدن والثقافة المحلية.
- عرض الكتب والإصدارات.
- الملفات الخاصة بالشخصيات الأدبية والفكرية.
وقد احتوى العدد الأول، على سبيل المثال، على مواد تتناول قضايا السلام والصراع في اليمن، إلى جانب موضوعات في الأدب والنقد والمجتمع المدني وملف خاص بمدينة المكلا.
رابعًا: اهتمامها بالذاكرة الثقافية اليمنية
من الجوانب المهمة في تجربة «الناصية» اهتمامها بالشخصيات والأمكنة والذاكرة الثقافية اليمنية.
فقد خصص العدد الثالث ملفًا عن المفكر الراحل أبوبكر السقاف، إلى جانب مواد عن مدينة حوطة لحج وغيرها من الموضوعات الثقافية.
وفي العدد الخامس، ظهرت ملفات خاصة بالشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني، وكذلك الشاعر محمد سعيد جرادة، بما يعكس اهتمام المجلة باستعادة الذاكرة الأدبية اليمنية وإعادة قراءة رموزها.
وهذا الجانب مهم؛ لأن المجلة لا تتعامل مع الثقافة باعتبارها نشاطًا حاضرًا فقط، وإنما تسعى كذلك إلى حفظ الذاكرة الأدبية والفكرية اليمنية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
خامسًا: المجلة وقضايا المجتمع والدولة
لا تنفصل اهتمامات «الناصية» الثقافية عن القضايا العامة التي يعيشها المجتمع اليمني.
فقد تناولت أعدادها قضايا تتصل بالمواطنة، والدولة المدنية، وحقوق الإنسان، والسلام، والتعليم، والثقافة والمجتمع المدني. وتشير حصيلة نشرتها المجلة عن أعدادها الستة الأولى إلى نشر عشرات الدراسات والموضوعات والنصوص الأدبية في هذه المجالات، إلى جانب مواد في الأدب والفن والتاريخ والمدن والثقافة.
وهذا التنوع يمنح التجربة خصوصيتها، لأنها تحاول أن تجعل الثقافة جزءًا من النقاش حول مستقبل المجتمع، وليس مجرد مساحة منفصلة عن قضاياه.
سادسًا: «الناصية» كمنبر للمبدعين والباحثين
أتاحت المجلة صفحاتها لعدد كبير من الأدباء والأكاديميين والباحثين والكتاب، وجمعت بين الأسماء المعروفة والأصوات التي تحتاج إلى مساحة للنشر والتعريف بإنتاجها.
وقد ساعد هذا النهج في جعل المجلة ملتقى للكتابة البحثية والأدبية والثقافية، وفي فتح المجال أمام تعدد وجهات النظر وتنوع الموضوعات.
سابعًا: الاستمرار رغم الصعوبات
استطاعت «الناصية» الاستمرار رغم محدودية الموارد والصعوبات التي تواجه العمل الثقافي والصحفي في اليمن.
وبحلول عام 2026، صدر العدد التاسع من المجلة، في يونيو 2026، لتدخل عامها الخامس، وضم العدد 20 موضوعًا رئيسيًا موزعة على 11 بابًا معرفيًا، وهو ما يؤكد استمرار المشروع وتطوره.
كما اتجهت المجلة إلى تعزيز حضورها الإلكتروني، وأطلقت موقعًا رسميًا لها في عام 2025، في محاولة لتوسيع دائرة الوصول إلى القراء والباحثين والمثقفين.
ثامنًا: القيمة الثقافية للتجربة
يمكن القول إن أهمية «الناصية» لا تكمن فقط في كونها مجلة جديدة في الصحافة اليمنية، وإنما في طبيعة المشروع الذي تحاول تأسيسه.
فهي تسعى إلى الجمع بين الفكر والثقافة والأدب والبحث وقضايا الإنسان والمجتمع، وتضع الثقافة في صلة مباشرة بأسئلة المواطنة والسلام والدولة المدنية وحقوق الإنسان.
كما أن اهتمامها بالمدن والشخصيات والتاريخ والأدب اليمني يمنحها وظيفة أخرى، هي المساهمة في حفظ جانب من الذاكرة الثقافية اليمنية وتوثيقها.
خاتمة
تمثل تجربة «الناصية» محاولة جادة للحفاظ على حضور الثقافة والفكر في المشهد اليمني، في وقت أصبحت فيه المساحات الثقافية أكثر حاجة إلى الاستمرار والدعم.
ومن خلال تنوع موضوعاتها، واهتمامها بالأدب والفكر والبحث وقضايا المجتمع، وحرصها على استضافة أصوات متعددة، استطاعت المجلة أن تشكل لنفسها حضورًا خاصًا بين الإصدارات الثقافية اليمنية.
ولعل أهم ما يميز تجربة «الناصية» هو إصرارها على أن الثقافة ليست ترفًا في زمن الأزمات، وإنما وسيلة لفهم الواقع، وحفظ الذاكرة، وفتح أبواب الحوار، وبناء وعي جديد بالمواطنة والإنسان والدولة والمجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة «الناصية» تستحق التوثيق والدراسة النقدية، لا بوصفها مجلة ثقافية فحسب، وإنما بوصفها جزءًا من الحراك الفكري والثقافي اليمني المعاصر.
(*) المادة تجميع مما كُتب ونُشر عن المجلة.

