(الضالع) – “صحيفة الثوري”:
نظمت منظمة الحزب الاشتراكي اليمني بمحافظة الضالع، صباح اليوم الأحد، ندوة فكرية بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل المفكر والمناضل التقدمي عبدالله عبدالرزاق باذيب، تحت عنوان: “الفقيد عبدالله باذيب: بعد النظر، وضوح الرؤية، واقعية الطرح”، بمشاركة عدد من الشخصيات السياسية والأكاديمية والمهتمين بالفكر الوطني.
وحضر الندوة العميد علي العود، أمين عام المجلس المحلي بمحافظة الضالع، وأدارها علي حكيم طاهر، فيما تناولت ثلاث أوراق بحثية محاور فكرية وسياسية مختلفة في تجربة الفقيد عبدالله باذيب، ومنهجه في قراءة الواقع والتحولات الوطنية، ودور الفكر في بناء الوعي والممارسة السياسية.
وفي مستهل الندوة، أكد العميد علي العود أن عظمة ثورة أكتوبر استمدت مكانتها من عظمة أهدافها ورجالاتها، مشيراً إلى أن إحياء الذكرى الخمسين لرحيل عبدالله باذيب يمثل استحضاراً لقيم ومبادئ وتطلعات جيل حمل مشروع التحرر والتغيير الوطني.
وأوضح العود أن النهج السياسي والفكر اليساري الذي تبناه عبدالله باذيب ورفاقه في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني تجاوز حدود الوطن، ليقف إلى جانب قضايا الشعوب ونضالاتها من أجل الحرية والاستقلال والعيش الكريم، لافتاً إلى أن دعم القضية الفلسطينية كان في مقدمة أولويات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
وقدّم الدكتور علي أحمد صالح، أستاذ النقد الأدبي والسرد القصصي والروائي المساعد بجامعة عدن، الورقة الأولى بعنوان: “نزوع الفكر وخطاب الأيديولوجيا ورهان الجبهة الداخلية.. مقاربة موضوعية في الذكرى الخمسين لرحيل المفكر اليمني عبدالله عبدالرزاق باذيب”.
وتناولت الورقة تجربة باذيب الفكرية والسياسية، باعتباره نموذجاً للمثقف العضوي الذي جمع بين الفكر والممارسة، ولم يكتفِ بالتنظير، بل سعى إلى تحويل الفكرة إلى مشروع والموقف إلى ممارسة، وربط النظرية بقضايا المجتمع واحتياجاته.

وأكد الدكتور صالح أن باذيب لم يكن مفكراً منعزلاً عن الواقع، ولا سياسياً منشغلاً بالمناصب، بل كان من الشخصيات التي ربطت بين الفكر والعمل، مشيراً إلى أن وعيه تشكل في ظل الاستعمار البريطاني واحتكاكه المبكر بالتيارات القومية واليسارية العربية، مع حرصه على إعادة صياغة الأفكار بما يتلاءم مع الواقع اليمني.
وأوضح أن باذيب لم يتعامل مع الاشتراكية بوصفها شعاراً جاهزاً، وإنما ربطها بقضايا العدالة وتكافؤ الفرص، كما نظر إلى وحدة الجبهة الداخلية باعتبارها قضية تتصل بإدارة التعدد وبناء عقد اجتماعي، وليس مجرد شعار سياسي.
من جانبه، قدم الأستاذ علي محسن علي، رئيس الدائرة السياسية لمنظمة الحزب الاشتراكي اليمني بمحافظة الضالع، الورقة الثانية بعنوان: “الفقيد عبدالله باذيب.. أثر لا يُمحى وفكر لا يبلى”، سلط خلالها الضوء على أبرز ملامح المنهج الفكري والسياسي الذي تميز به الراحل.
وأشار إلى أن باذيب لم يكن مجرد سياسي أو كاتب، بل كان مفكراً عملياً جمع بين عمق التحليل وقوة الموقف، وتميز بـ”بعد النظر” الذي مكنه من قراءة الأحداث واستشراف مساراتها، و”وضوح الرؤية” الذي ساعده على تشخيص الإشكالات الوطنية، و”واقعية الطرح” التي جعلت رؤاه وحلوله أقرب إلى التطبيق، بعيداً عن المثالية والشعارات المجردة.
أما الورقة الثالثة، التي حملت عنوان: “دلالات إزاحة الستار عن نصب عبدالله باذيب في معهد الاستشراق بموسكو 2019″، فقد قدمها سعد الهدياني، عضو اللجنة التحضيرية لاتحاد شباب الاشتراكي بمحافظة الضالع.
وتناول الهدياني الدلالات الفكرية والسياسية لإزاحة الستار عن نصب عبدالله باذيب في معهد الاستشراق بموسكو، وما يحمله الحدث من أبعاد تتقاطع فيها السياسة بالفكر، والتاريخ بالحاضر، والعلاقات الثنائية بالرؤى المستقبلية.

وأشار إلى أن حضور رمزية باذيب في مؤسسة أكاديمية متخصصة يعكس مكانته الفكرية، ويشير إلى أن تجربته أصبحت موضوعاً للاهتمام والدراسة في السياق الأكاديمي الروسي، بما يعكس حضور المفكرين العرب ورواد الفكر النقدي والتنويري في المشهد الثقافي والفكري العالمي.
واختتمت الندوة أعمالها بجملة من التوصيات والمخرجات، أكدت أهمية الاستفادة من منهج عبدالله باذيب في العمل السياسي والفكري الراهن، والانتقال من ردود الفعل إلى السياسات الاستباقية، وتعزيز ثقافة التخطيط طويل المدى، وإنشاء مراكز فكر ودراسات متخصصة تُعنى بقراءة الأزمات والتحولات الوطنية.
كما شددت التوصيات على ضرورة تجديد الخطاب السياسي، وإنتاج معرفة سياسية تنطلق من خصوصية الواقع اليمني بعيداً عن استنساخ التجارب الخارجية، والعمل على بناء جبهة داخلية واعية تتجاوز الانقسامات والخلافات الثانوية، إلى جانب اعتماد الحلول الممكنة وربط الفكر بالممارسة.
ودعت الندوة إلى إعادة تعريف النضال السياسي بوصفه جهداً تراكمياً واعياً، وإخضاع المشاريع والبرامج الوطنية لاختبار الواقعية وقابلية التنفيذ، بما يعزز الاستدامة في العمل الوطني.
كما أوصى المشاركون باعتماد الندوة نموذجاً للفعاليات الفكرية المعنية بالتراث السياسي والفكري اليمني، وتنظيم ندوات دورية تستعيد تجارب المفكرين الوطنيين، وتكليف باحثين شباب بإعداد دراسات معمقة حول فكر عبدالله باذيب السياسي، لتكون مرجعاً للباحثين والدارسين، فضلاً عن ترجمة مبادئه الفكرية إلى برامج تدريبية للكوادر الحزبية والمجتمعية.
وأكد المشاركون أن استعادة إرث عبدالله باذيب بعد خمسة عقود من رحيله لا تقتصر على استذكار شخصيته، وإنما تمثل مناسبة لإعادة قراءة مشروعه الفكري والسياسي، واستلهام ما اتسم به من بعد النظر ووضوح الرؤية وواقعية الطرح في مقاربة قضايا الحاضر واستشراف مستقبل العمل الوطني.


