صحيفة الثوري – “في الذاكرة”:
نجيب الكمالي
في الذكرى الخمسين لرحيل الرفيق عبدالله عبدالرزاق باذيب، لا أرغب في استعادة سيرته كما تُكتب السير عادة، ولا في تعداد المواقع التي شغلها. أريد أن أتأمله من عدن، من المدينة التي عاش فيها وكتب عنها، ومن اليمن الذي كان يراه أكبر من كل الانقسامات.
أتخيل أحياناً الرفيق باذيب جالساً في أحد مقاهي عدن اليوم، أمامه فنجان قهوة وهاتف يتصفح منه الأخبار. ماذا كان سيكتب؟
ربما كان سيغضب.
وربما كان سيكتب مباشرة عن الكهرباء والماء والراتب، عن الشاب الذي يبحث عن عمل، وعن الموظف الذي لم يعد يعرف كيف يدبر آخر الشهر.
لا أظن أنه كان سيبحث كثيراً عن الكلمات المنمقة.
باذيب كان صحفياً قبل أن يكون مسؤولاً. دخل السياسة من باب الكلمة، وكانت الكلمة في زمنه لها ثمن. صحيفة «الطليعة» لم تكن مجرد صحيفة، والمقال لم يكن منشوراً عابراً يمكن حذفه بعد دقائق. كانت الكتابة مواجهة، وكان صاحبها يعرف أن السجن قد يكون في انتظار ما يكتبه.
وحين حوكم بسبب كتاباته، لم تكن القضية قضية صحفي وحده. وقف إلى جانبه وطنيون، وتحولت المحاكمة إلى حدث يتجاوز شخصه.
وهذه التفاصيل تهمني.
لأنها تقول شيئاً عن العلاقة التي كانت موجودة بين صاحب الكلمة والناس.
متى يصبح الصحفي قريباً من الناس إلى درجة أن يشعروا أن ما يحدث له يحدث لهم؟
هذه العلاقة نفتقدها كثيراً اليوم.
أخرجه الاستعمار من عدن، لكن تعز فتحت له باباً آخر. لم يتوقف الرفيق باذيب. واصل الكتابة، وأصدر «الطليعة»، وحمل معه قضية عدن والجنوب واليمن.
خرج من مدينته، لكنه لم يخرج من قضيته.
كان ابن عدن، لكنه لم يحبس نفسه داخل حدودها. كان يرى قضية الجنوب جزءاً من قضية وطن أكبر.
وهنا أشعر أن باذيب يقترب من حاضرنا أكثر.
اليمن اليوم متعب.
أحد عشر عاماً من الحرب تركت آثارها في كل شيء تقريباً. الخلافات كبرت، والمشاريع تعددت، وكل طرف أصبح يرى اليمن من زاويته، فيما المواطن العادي يدفع الثمن.
لا يحتاج المواطن إلى من يشرح له معنى المعاناة.
هو يعيشها.
يريد راتباً.
يريد كهرباء.
يريد ماء.
يريد مدرسة لأطفاله.
يريد مستشفى.
ويريد دولة تحميه ولا تجعله يبحث عن حقه عند هذا الطرف أو ذاك.
من هنا يبرز سؤال للحزب الاشتراكي اليوم، الذي كان الرفيق باذيب أحد مؤسسيه.
ليس السؤال عن الاسم، ولا عن التاريخ، ولا عن عدد البيانات التي صدرت.
السؤال عن المواطن.
أين العامل؟
أين الموظف؟
أين النقابي؟
أين الشباب؟
أين الحزب في الأحياء الشعبية؟
هذه الأسئلة ليست هجوماً على الحزب، الذي أراه من أنقى الأحزاب السياسية اليمنية، حزباً لم ترتزق قيادته على حساب اليمن، وربما كان من الأحزاب القليلة التي ظلت بعيدة عن تحويل السياسة إلى تجارة.
أقولها لأنني أرى أن الاشتراكي يستحق أن يُسأل، لا أن يُنسى.
مر بسنوات صعبة، وتعرض لضربات قاسية، وخسر كثيراً من حضوره، لكنه لم يتحول إلى حزب يبحث عن موقع بأي ثمن.
وهذه نقطة مهمة في زمن أصبح فيه الوطن عند البعض مجرد ورقة تفاوض.
اليمن ليس كعكة.
والسياسة ليست سوقاً.
والناس ليسوا أصواتاً تأتي وقت الانتخابات ثم تختفي من الحساب.
إذا كان الاشتراكي يريد استعادة روحه، فأعتقد أن الطريق ليس بعيداً.
الناس.
الصحافة.
النقابة.
الشارع.
الجامعة.
مكان العامل.
مكان الموظف.
مكان الشاب الذي لا يجد فرصة.
هناك يجب أن يكون.
ليس بوفد رسمي وكاميرات، بل بأذن تسمع.
باذيب كان قريباً من الناس، ولهذا لم تكن قضايا العامل والفلاح والتعليم والثقافة عنده عناوين للاستهلاك.
حتى عندما وصل إلى مواقع المسؤولية، حاول أن يحول ما يؤمن به إلى عمل في التعليم والثقافة.
وهذا ما يعجبني في تجربته.
لم يكن يريد أن تبقى الفكرة في الرأس.
كان يريد أن يراها الناس أمامهم.
مدرسة.
صحيفة.
كتاباً.
مؤسسة.
وهذا هو الفرق بين السياسي الذي يتحدث عن التغيير، والسياسي الذي يحاول أن يترك شيئاً من التغيير وراءه.
أتذكر باذيب أكثر عندما أرى الخلافات بيننا.
كان يؤمن بالحوار.
وأنا اليوم أتساءل: لماذا أصبح الحوار صعباً إلى هذه الدرجة؟
لماذا لا نستطيع أن نختلف دون أن نكره بعضنا؟
لماذا يتحول الرأي الآخر بسرعة إلى تهمة؟
ربما لأننا ابتعدنا كثيراً عن الناس.
فالذي يبقى طويلاً داخل المكاتب يبدأ أحياناً في رؤية العالم من نافذة المكتب.
والذي ينزل إلى الشارع يسمع أشياء أخرى.
لهذا لا أريد لخمسينية الرفيق باذيب أن تكون مجرد صورة وكلمة واحتفال.
أريدها أن تزعجنا قليلاً.
أن تجعلنا نسأل أنفسنا:
كم بقي من نزاهته فينا؟
كم بقي من قربه من الناس؟
هل ما زلنا نضع الوطن قبل التنظيم؟
وهل ما زلنا نرى الحزب وسيلة لخدمة الناس، وليس غاية بحد ذاته؟
أنا أقول هذا للاشتراكي لأنني لا أريده أن يعيش على ذكريات الماضي.
أريده أن يكون حاضراً في معركة المواطن اليومية.
في مواجهة الفساد.
في الدفاع عن قوت الناس.
في رفض المذهبية والطائفية والمناطقية.
في الوقوف مع الكفاءة، لا مع القرابة والولاء.
هذه ليست شعارات بعيدة.
هذه حاجات نعيشها كل يوم.
الرفيق عبدالله عبدالرزاق باذيب رحل منذ نصف قرن، لكن حضوره يتجدد كلما تأملت عدن، وكلما نظرت إلى حال اليمن.
ربما لا يحتاج الاشتراكي إلى أن يبحث عن باذيب في الكتب القديمة.
قد يجده في الشارع.
عند العامل.
مع الطالب.
بجانب الموظف.
بين الناس الذين أنهكتهم الحرب.
هناك، ربما يجد الاشتراكي صوته الذي فقده.
وقد يجد شيئاً من روحه.
وربما يجد الرفيق باذيب أيضاً.

