آخر الأخبار

spot_img

مفاهيم المواجهة السياسية كتطبيق عملي لنظرية الألعاب متعددة المستويات (Multi-Level Game Theory)

صحيفة الثوري- تحليل

علاء توفيق

في عالم النفوذ الحديث، القوة لا تكمن في من يرفع الراية أولاً، بل في من يصمم الإطار المؤسسي الذي يحتوي الجميع بداخله.
لذا فإن واقع ما بعد استعادة حضرموت والمهرة وصولاً بدرع الوطن إلى عدن، لم يعد النفوذ يقاس بعدد النقاط العسكرية أو حجم الانتشار الميداني، بل بطريقة إدارة الشبكات الاقتصادية، والمؤسسات المحلية، ومسارات الشرعية السياسية.

وعلى افتراض أن السياسات الإماراتية تنطلق من التحول وتبني تصور يقوم على “إعادة تصميم النفوذ” بدل من فرضه بالقوة بعد خسارة حلفائها المحليين في المحافظات الشرقية. هذا الواقع يفرض على السعودية ومجلس القيادة الرئاسي نمط مختلف من الاستجابة والتعامل؛ ليس عبر الرفض أو التصادم، بل عبر إعادة التموضع الذكي داخل نفس البنية الجديدة.

عندما تنتقل الإمارات من النفوذ العسكري إلى النفوذ المؤسسي، أي من الوجود المباشر إلى التحكم عبر الاقتصاد الموازي و الموانئ والشركات والشراكات الأمنية والإعمار، فإن التحدي الحقيقي للسعودية ومجلس القيادة الرئاسي لا يكون في تعطيل هذا المسار، بل في منع تحوله إلى نفوذ يعمل خارج إطار الدولة. هنا تبرز أهمية ما يسمى في علم السياسة “ترسيخ الارتكاز السيادي للمؤسسات” (Sovereign Institutional Anchoring)، أي جعل كل نشاط مؤسسي أو اقتصادي يمر عبر بنية قانونية حكومية يمنية واضحة. بهذا الأسلوب، يبقى النفوذ موجود، لكنه يصبح محكوم بقواعد الدولة لا بقواعد شبكات النفوذ الخاصة.

وفي حال سعت الإمارات إلى إدارة علاقتها مع السعودية عبر تسويات ناعمة تحفظ التوازن الخليجي وتمنع المواجهة، يصبح على الرياض أن تعيد تثبيت نفسها بوصفها “مركز الجاذبية السياسية” (Political Gravity Center)، أي الجهة التي تحتكر إدارة الملفات السياسية الكبرى في اليمن انطلاقاً من أن ذلك محور أمنها القومي، مثل المفاوضات، وشكل الدولة، والتسوية الشاملة. في هذا النموذج، يتم توزيع الأدوار داخل التحالف لا بشكل متساوي، بل بشكل تخصصي؛ أبوظبي مثلاً تركز على الأدوات الاقتصادية واللوجستية، بينما تحتفظ الرياض بمفاتيح القرار السياسي والأمني.

أما في ملف الجنوب، حيث تعمل المملكة على استضافة حوار جنوبي-جنوبي محاولة تحويل الصراع من خطاب الهوية والانفصال إلى خطاب الوظيفة والإدارة المحلية، فإن على مجلس القيادة الرئاسي الاستجابة الذكية لا تكون برفض الحكم المحلي، بل بإعادة دمجه داخل إطار الدولة. هنا يظهر مفهوم “الاستقلالية المندمجة” (Integrated Autonomy)، أي منح المحافظات صلاحيات خدمية وتنموية واسعة، مع الإبقاء على الموارد السيادية والأمن مركزياً. بهذه الطريقة يتم استيعاب المطالب الجنوبية دون تحويلها إلى مسار تفكيك للدولة.

وفي ملف البحر الأحمر وباب المندب، حيث يُنظر إلى اليمن كبوابة استراتيجية لسلاسل الإمداد للتجارة والطاقة، يصبح على السعودية أن تعيد تعريف دورها من مشغل تقني إلى قائد إقليمي للأمن البحري. هذا ما تسمى من المنظور السياسي ب “القيادة البحرية الإقليمية” (Regional Maritime Leadership)، أي تحويل حماية الملاحة إلى مظلة أمنية تقودها دولة كبرى، لا مجرد إدارة موانئ أو ترتيبات تشغيلية. بهذه المقاربة، تحتفظ الرياض بدورها كضامن استراتيجي لا كمشارك لوجستي.

وفي حال سعت الإمارات إلى تقديم نفسها كمرجعية إقليمية لصناعة الحلول والاستقرار، فإن التوازن الذكي يقتضي أن تتحول السعودية ومجلس القيادة الرئاسي إلى شركاء في ملكية الحلول لا مجرد متلقين لها. هذا ما يعرف بـ “الملكية المشتركة للحلول” (Solution Co-Ownership)، أي ألا تطرح أي مبادرة سياسية أو اقتصادية بشكل منفرد، بل كمشروع تقوده منظومة مشتركة يكون للرياض فيها الدور القيادي وللحكومة اليمنية دور الشريك التنفيذي.

وعلى مستوى إدارة الأزمة نفسها، من الواضح أن أبوظبي تعتمد على سياسة “الأنظمة المعقدة القابلة للتكيف” (Complex Adaptive Systems)، أي التعامل مع اليمن كنظام هش يحتاج إلى إعادة ترتيب تدريجي لا إلى حسم سريع. هنا يمكن للسعودية ومجلس القيادة الرئاسي أن ينتقلا من إدارة ردود الفعل إلى ما يسمى “إعادة برمجة الدولة” (State Reprogramming)، أي إصلاح مؤسسات القضاء والمالية والإدارة العامة بحيث تصبح الدولة قادرة على امتصاص الأزمات بدل الاعتماد الدائم على تدخلات خارجية.

وفي أدوات الضغط السياسي، قد تستخدم أبوظبي في القادم مفهوم “الإكراه الاستراتيجي دون تصعيد” (Strategic Coercion Without Escalation)، أي رفع تكلفة الجمود دون اللجوء للمواجهة المباشرة، وهنا تستطيع السعودية أن تستخدم في المقابل الأكثر استقرار “هندسة الحوافز الاستراتيجية” (Strategic Incentive Architecture)، أي توظيف الدعم المالي، وإعادة الإعمار، وورقة الشرعية السياسية كوسائل جذب وتوجيه بدل الضغط الخشن.

أما في إدارة الجنوب كمجال نفوذ قانوني عبر التحكم في الموارد والمؤسسات المحلية، فإن الرد الأكثر فاعلية يكون عبر “التحكم التنظيمي المركزي” (Centralized Regulatory Control)، أي الإمساك بمفاصل البنك المركزي، والإيرادات السيادية مثل النفط والغاز والموانئ وطيران اليمنية، والنظام المالي، وهي أدوات لا تظهر في الواجهة لكنها تصنع مركز الثقل الحقيقي للدولة.

وفي الاقتصاد، من الواضح أن الإمارات تعتمد على “استراتيجية جيو-اقتصادية” (Geo-Economic Statecraft) أي استخدام الاستثمار والموانئ والطاقة كأدوات نفوذ سياسي، يصبح من الضروري أن تعتمد السعودية ومجلس القيادة الرئاسي نموذج “بوابة الاقتصاد الوطني” (National Economic Gatekeeping)، أي جعل الحكومة اليمنية هي نقطة العبور الإلزامية لكل استثمار وعقد ومشروع كبير، بما يمنع تشكل اقتصاد ظل أو موازي يعمل خارج الدولة.

وفي مواجهة التصريحات السياسية، حيث تعتمد الإمارات على “حرب الرواية السياسية” (Narrative Warfare) في الاعلام وخاصة في ملف المواجهة فيما يخص مكافحة الارهاب لتقديم نفسها كصانع استقرار، بالمقابل يتطلب من السعودية ومجلس القيادة الرئاسي إلى تعزيز بناء “ الشرعية المؤسسية” (Legitimacy Narrative)، أي ربط الاستقرار بإعادة بناء الدولة، لا فقط بتحسين الخدمات أو الأمن المحلي.
في المحصلة النهائية، لا تدور المنافسة الحقيقية في اليمن حول من يسيطر على الأرض، بل حول من يعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية والمؤسسية.

إذا اكتفت السعودية ومجلس القيادة الرئاسي بدور المراقب، فإن إعادة تصميم النفوذ ستتحول إلى واقع جديد يدار من خارج الدولة. أما إذا أعادتا التموضع بذكاء، فسيصبح المشروع الإماراتي جزء من منظومة تقودها الرياض سياسياً وتنظمها الدولة اليمنية مؤسسياً.

اقرأ أيضًا

آخر الأخبار

spot_img